احمد الشرقاوي

كــل حــروب أمريكــا هدفهــا إيـــران

   بسقوط الاتحاد السوفييتي وتفكّكه في بداية تسعينيات القرن الماضي (1991)، بدأت تتشكّل ملامح النظام العالمي الجديد لما سيعرف لاحقا بنظام القطب الأوحد المهيمن على العالم، بديلا عن نظام القطبين المتوازنين الذي كان سائدا إبان الحرب الباردة والتي استمرت زهاء 40 سنة.

 

وكان الرئيس جورج بوش الأب، هو من أطلق هذا المصطلح بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى منطقة الخليج لتحرير الكويت من إحتلال 4‘صدام حسين’. وقد أوضح حينها المعنى المقصود من هذا المصطلح وفق القاموس الأمريكي، والذي يعني: “التحرر من الإرهاب، وتحقيق العدل والرخاء لسائر أمم الأرض”.

 

غير أن هذا المصطلح الغامض والفضفاض لم يتجاوب معه العالم كما كانت تتوقع الإدارة الأمريكية، إلى أن جاء بوش الصغير و وقعت أحداث الحادي عشر من شتنبر/أيلول 2001 التي هزّت العالم وغيّرت القواعد والمفاهيم، فانتهكت الحقوق وتم تجاوز النظم والقوانين والأعراف، ليدخل العالم حربا كونية ظاهرها “محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه وضرب داعميه وبيئته الحاضنة”، وباطنها “تدمير الإسلام من قواعده” باعتباره العدو الجديد الذي يقف في وجه الهينة الأمريكية في المنطقة ويهدد وجود الكيان الصهيوني. ومصطلح “العدو الجديد” هو كناية مبطنة للثورة الإسلامية الإيرانية بعد سقوط “العدو القديم” المتمثل في آخر خلافة إسلامية عثمانية.

 

وفيما كان العالم أجمع يعيش أسير الصدمة التي شكلت مفاجأة بحجم الكارثة، كان الخبراء والمحللون يحاولون استيعاب ما حصل بشكل جيد في تلك الفترة الضبابية من تاريخ العالم، فطغت في الإعلام المقاربات الوصفية الإنفعالية المتسرّعة، ممّا زاد الوضع غموضا والتباسا.

 

إلى أن كْشف المستور وعرف العالم في وقت متأخر جدا، كما يقول الصحفي الفرنسي ‘تيري ميسان’ الذي خصص الوقت والجهد وشبكة علاقاته المتميزة مع المخابرات الفرنسية لكشف خبايا أحداث نيويورك، أن “الهدف من شد انتباه الجمهور نحو هجمات نيويورك و واشنطن، كان بغية صرف أنظارهم عن الانقلاب العسكري الذي تم تنفيذه في اليوم نفسه، حيث تم نقل كافة السلطات التنفيذية من الرئيس بوش إلى كيان عسكري سرّي، إضافة إلى وضع كل أعضاء مجلس النواب تحت الإقامة الجبرية”.

 

وباسم “محاربة الإرهاب” أْجبر العالم على الخضوع للإرادة الأمريكية (كل من ليس معنا فهو ضدنا)، والإنخراط في حربها المقدسة ضد أعدائها الذين عرّفهم ‘بوش الصغير’ بـ”محور الشر” وعلى رأسهم إيران، فاتضحت الصورة، وبانت معالم الحروب والمعارك والصراعات المقبلة.

 

فأنشأ البيت الأبيض خلال السنوات اللاحقة بالاشتراك مع حلفائه الرئيسيين (المملكة المتحدة، كندا، استراليا، وإسرائيل بطبيعة الحال) منظومة تضليل تسمح لإدارة بوش بتوجيه تعليمات للحكومات الأربع كل يوم تتعلق بتبرير الحرب على العراق أو تشويه سمعة إيران، كما يؤكد ‘تيري ميسان’ في إحدى خلاصاته حول أحداث نيويورك و واشنطن.

 

حروب أمريــكا العبثيــة ضـد إيـــران

 

كل ما جرى بعد ذلك ويجري اليوم في المنطقة من خراب، سواء من خلال الحرب المباشرة ضد العراق والتي انتهت باحتلال بغداد وإسقاط صدام حسين سنة 2003 بذريعة أسلحة الدمار الشامل، أو الحرب بالوكالة التي خاضتها إسرائيل ضد لبنان سنة 2006، أو الحرب الكونية بالوكالة التي أعلنت ضد سورية مع انطلاق ما سمي في حينه بـ”الثورة” الشعبية المفتعلة ربيع عام 2011 لإسقاط الرئيس ‘الأسد’.. هي جميعها حروب شنت وتشن ضد إيران.

 

قد يقول قائل أن الحرب على العراق كان هدفها تفكيك الدولة والجيش وتقسيم البلاد إلى دويلات ثلاث، خدمة لإسرائيل، وهذا صحيح جزئيا، لكن الهدف الأمريكي الإستراتيجي الأكبر كان ولا يزال هو إيران، وإسقاط العراق كان بهدف إشاعة الفوضى في هذا البلد وتحويله إلى مستنقع للإرهاب ليكون شوكة دامية في الخاصرة الإيرانية، ما سيمكن إمراطورية روما من تفجير الوضع فيها من الداخل، بدليل أن القاعدة التي دخلت العراق بدعم وتمويل سعودي لم تكن تحارب المحتل الأمريكي بالمطلق، بل كان هدفها يقتصر على قتل العراقيين وتدمير مقدراتهم لتفجير فتنة سنية شيعة المستهدف منها بالنهاية هي إيران.

 

وإلا، فلماذا لم تضرب أمريكا السعودية رأس الإرهاب وصانعه ومموله وداعمه، ما دام أن من نفذوا أحداث الحادي عشر من شتنبر/أيلول 2001 هم سعوديون في معظمهم؟

 

وبالتالي، فأين ما وجهت وجهك لرصد التوجه الأمريكي العدواني ستجد إيران هي الغاية والمبتغى بالنهاية. وكلنا يذكر محاولة أمريكا إشعال ثورة شعبية في طهران بمناسبة الإنتخابات الرئاسية الثانية زمن الرئيس ‘أحمدي نجاد’، ولو قْـدّر لها أن تنجح لكانت إيران الإسلامية اليوم في خبر كان.

 

لكــن لمـــاذا إيـــران؟

 

الأمر لا يتطلب كثير ذكاء لمعرفة أن إيران هي العائق الأكبر والتهديد الأخطر، والسد المنيع الذي يحول دون تحقيق مشروع “الشرق الأوسط الصهيوأمريكي الكبير” الذي من شأنه تخريب أي توجّه في المنطقة لنسج وحدة إسلامية جامعة بين دولها.. إنه بالمختصر المفيد الخوف من عودة الإسلام ليشكل حبل الله المتين الذي يجتمع حوله كل المسلمين فينتهي عصر الظلم والظلام ويسود الأمن والعدل والإزدهار والمحبة والتعاون والسلام. وهذا بالضبط هو ما لم تستطع أمريكا تحقيقه بشعار “النظام العالمي الجديد” الذي “سيحارب الإرهاب ليعم العدل والخير كل شعوب الأرض” كما قال ‘بوش الأب’ في خطاب تحرير الكويت.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي تتخوف منه أمريكا وإسرائيل، لأنهم في عقيدتهم الإديولوجية العميقة، يعتبرون أن “الثورة الإسلامية الإيرانية” التي حاولوا إجهاضها في المهد عندما ورّطوا الغبي ‘صدام حسين’ في حرب طاحنة ضد إيران دامت 8 سنوات دون أن تحقق أهدافها، قد تنتشر كبقعة الزيت في كامل دول المنطقة، لما تمثله من قيم روحية أصيلة، وما تعلنه من أن هدفها هو تحرير الأرض والإنسان المسلم من هيمنة دول الإستكبار لتكون الأرض لله يرثها الصالحون والمستضفون من عباده المخلصين.

 

كما وأن إيران إرتكبت خطيئتان لا يمكن أن لا تدفع ثمنهما حتى لو دمرت المنطقة بكاملها: الأولى، قضية الرهائن الأمريكيين في السفارة بطهران أثناء الثورة. والثانية إغلاق سفارة إسرائيل وتحويلها إلى سفارة لفلسطين والتركيز على مواجهة هيمنة أمريكا “الشيطان الأكبر” في المنطقة والتهديد بإقتلاع السرطان المسمى “إسرائيل” من جسم الأمة، بل والتحضير للمنازلة الكبرى الآتية ولو بعد حين.

 

فبدأت حملة جهنمية صهيو – وهابية مركزة على إيران من خلال استغلال العامل المذهبي “السني – الشعي” في الصراع لتفتيت العالم الإسلامي وإشعاله ليذبح المسلم أخاه المسلم، ما يقطع الطريق أمام أية محاولة للتقارب والتعاون بين إيران ومحيطها الجغرافي الطبيعي.

 

وكلنا يذكر كيف إجتمع الحكام العرب بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، و وضعوا خطة سياسية وإعلامية لمواجهة ما كانوا يعتبرونه في بداية الثمانينات من القرن الماضي “خطر إنتقال عدوى الثورة”، لمعرفتهم أن الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية ومطالبة الشعوب بالديمقراطية والحرية من شأنها أن تشكل أرضية خصبة قد تستغلّها إيران لزعزعة إستقرار الطغات الفاسدين والعملاء المستبدين. خصوصا وأن الدين هو العامل المحفز والمحرك للجماهير. فلم يجدوا ما يْنفّرون به الناس من إيران غير سلاح التكفير، وزادت عليه السعودية ومشيخات الخليج الطموح الإمبراطوري الفارسي العائد للإنتقام من العرب، فخرج العاهل الأردني ليتحدث لأول مرة عن “الهلال الشيعي” فرد عليه بذكاء النبيه ‘نبيه بري’ رئيس مجلس النواب اللبناني: “نعم هلال شيعي.. لكن وسط قمر سني”.

 

وكان لبريطانيا الخبيرة بالإسلام وأنظمة الحكم وشعوب المنطقة الدور الكبير في صياغة إستراتيجية “كي الوعي” التي ستكون عنوانا للحرب على الإسلام، والتي يمكن وصفها بـ”سلاح الضد النوعي”، أو “إسلام ضد الإسلام” أو بمفهوم ميكيافيلي “فرق تسد”.

 

وحيث أن العدو الكبير الذي قرّر الغرب مواجهته وفق الرؤيا التوراتية اليهودية والمسيحية البروتستانتية هو “الإسلام”، فكان من الضروري أن تقوم الوهابية التي وضعت عقيدتها الإمبراطورية البريطانية لتحوّلها إلى سلاح ضد “الخلافة العثمانية”، فجاء الوقت للإستفادة منها في إشعال نار الفتنة المذهبية. فتحوّلت إيران بقدرة قادر إلى دولة “شيعية” و “فارسية مجوسية” برغم أن الفرس المسلمين لا يشكلون إلا 45% من السكان، وتم تكفير الشيعة، و وصفهم فقهاء جهلة منافقون بأبشع الأوصاف والصفات، فألّبوا الرأي العام العربي ضد “الشيعة”، لما للعامل الإديولوجي الديني من تأثير على ضعاف العقول والعقيدة، بمن فيهم عديد المثقفين والمتنورين.

 

وفي غمرة هذا الحماس، أصبحت إيران هي العدو وتحولت “إسرائيل” إلى حيف وصديق عزيز للحكومات الدائرة في فلك السعودية.. وبموازات هذه الحملة الإديولوجية الخبيثة، كانت إسرائيل تصب المزيد من الزيت على النار، فاتهمت إيران بأنها تسعى للحصول على سلاح نووي لتدمير “إسرائيل” وإزالتها من جغرافية المنطقة ومن الوجود.. وبقية قصة الحصار والعقوبات وخلافه معروفة اليوم للجميع.

 

لكن مواجهة إيران بشكل مباشر مغامرة خطير وغير مضمونة العواقب، نظرا لقوة إيران وأدرعها في المنطقة، ما يهدد بإشعال حرب إقليمية مدمرة ستكون إسرائيل حتما في مرمى نيرانها، ناهيك عن المخاطر الكبيرة التي تمثلها هكذا مقامرة على الإقتصاد العالمي بمرته في حال قررت إيران غلق مضيق هرمز الذي يمر منه 40% من حاجيات الغرب للنفط، وبدأت بتدمير منشآت البترول في السعودية، وضربت القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج وفي شرقي آسيا، والتي يقدر عدد التي توجد في مرمى الصواريخ الإيرانية بـ 78 قاعدة، وهذه ستكون كارثة بكل الحسابات السياسية والعسكرية والإقتصادية.

 

حـــرب ضـــد الله

قد لا نكشف سرا إذا قلنا أن ما مرّ معنا من أهداف تعتبر في مجملها وإن إختلفت المقولات والصياغات التبريرية، أهداف تكتيكية جزئية ومرحلية من أجل تحقيق غاية أكبر بكثير مما تتصور الشعوب، هذه الغاية هي محاولة إطفاء نور الله، لكن ليس بالأفواه هذه المرة كما دئب على فعل ذلك اليهود عبر التاريخ، بل بتفتيت الأمة الإسلامية بالنار والخراب بعد أن تم القضاء على الأمة العربية مع رحيل الزعيم العربي جمال عبد الناصر. وتعرف أمريكا وإسرائيل أن كل محاولة لإحياء “القومية العربية” هي كمن يحاول اليوم بعث الروح في جسد ميت، وأصبحت صورة “الزعيم” يتاجر بها في مصر لأهداف إنتخابية لتضليل الشعب وإيهامه بأن الزمن الجميل سوف يعود، والتاريخ يقول أن من مات لا يعود، وأن ما مضى فات والمْأمّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها لتبني ما تسعى لتحقيقه في غد قريب أو بعيد.

 

ومن شأن إسقاط طهران، وفق الرؤية الأمريكية والصهيونية، أن يضمن أمن وإستقرار إسرائيل، وتدفق صادرات النفط دون عوائق من الخليج إلى الغرب غبر مضيق هرمز. لكن الأهم من هذا وذاك، هو الإعتقاد الراسخ بأن تفجير إيران من الداخل من خلال سياسة التقارب والإحتواء التي تعتمدها إدارة أوباما حاليا، سيمكن من إضعاف كل أعداء إسرائيل ويمهد الطريق لعودة المسيح عليه السلام للقدس الشريف، بعد أن تتحول “إسرائيل” إلى دولة يهودية وتقيم هيكل سليمان المزعوم مكان بيت المقدس الشريف.

هذا الهدف الكبير المتمثل في إسقاط إيران، آخر قوة إقليمية كبرى تطمح لإقامة علاقة أخوة وتعاون بين الدول العربية والإسلامية في المنطقة للخروج من المأزق الذي أوجدت فيه الأمة نفسها بتبعيتها للمستبد الأمريكي.. أقول، هذا الهدف لو تحقق لا قدر الله، لما عاد للعرب والمسلمين في الشرق من تاريخ ولا حضارة ولا دور، ولتحولوا إلى تجمّعات هجينة ومتصارعة في إطار ممالك وإمارات ومشيخات صغيرة وضعيفة لا رؤية لها ولا مشروع ولا مبادىء ولا قيم ولا أخلاق.. ليموت الحلم، ويقبر الأمل، فيغضب الله في سماه، ويقرر أن يرحم الأعراب بالموت أو بالتخلف العقلي، حتى يعيشوا عبرة لمن سيأتي بعدهم من الأمم.

 

ولمن لا يتّفقون معنا حول هذا التحليل، نحيلهم على ما قاله رئيس الكيان الصهيوني ‘شيمون بيريس’ لموقع ‘والاه’ بمناسبة ما يسمى عيد “الإستقلال للدولة العبرية”، من أن “الربيع العربي هو نتاج تحولات كبيرة بدأت منذ انهيار الدولة العثمانية، وتقسيم الشرق الأوسط بين الإمبراطوريات”. مضيفا: “نحن الآن في شرق أوسط جديد، ومن ناحية تاريخية يعتبر ذلك نهاية اتفاق سايكس بيكو، ونهاية عهد الإمبراطوريات العثمانية الفرنسية والانجليزية، فمع خروجهما بدأنا نرى البنيان يتفكك أمام أعيننا ولا أحد يمكنه التكهن بما سيحل مكانه”.

 

الإستراتيجيـــة الإيرانيــة لإقتـــلاع “إسرائيـــل”

قد لا يسعفنا المجال هنا للحديث عن الإستراتيجية التي وضعتها طهران لمواجهة هذا العدوان الغاشم الذي يستهدفها ومن خلالها الإسلام والمسلمين في إطار حربها على الله ودينه، لكننا نستطيع الحديث اليوم بشكل مقتضب عن وجه من أوجه اللعبة التي تتقنها إيران في مواجهة المخططات المعادية التي يحيكها القطب الصهيو – أمريكي – الوهابي الذي يحمل بذور الموت والخراب ليس للعرب والمسلمين فحسب، بل لكل دول العالم بما في ذلك الغرب نفسه، بدليل التهديد الذي أصبح يمثله الإرهاب اليوم.

 

لقد نجحوا إلى حد ما في تشويه الإسلام وتقديمه على أنه دين إرهاب وقتل واغتصاب وخراب، وتعمدوا نشر صور الفظاعات التي قام بها الإرهابيون الوهابيون في العراق وسورية ولبنان، من ذبح وقطع للرؤوس وإعدامات جماعية وقتل على الهوية، وتفجير للسيارات المفخخة في المواطنين الآمنين، وتدمير المساجد والكنائس والمستشفيات ومعامل الأدوية والمصانع وكل أسباب الحياة، ناهيك عن اختطاف المدنيين واستعمالهم كدروع بشرية، وإختطاف رجال الدين المسيحيين…

 

لكن الهدف كما أصبح واضحا هو بعث رسالة لشعوب الغرب أن “انظروا ماذا يصنع المسلمون بالصوت والصورة.. هذا هو دينهم المسمى ‘إسلام’، والمشكلة تكمن في كتابهم المسمى “قرآن”، لأن نصوصه تحرض على الكراهية والعنف، لكن لا كلمة عن الفرق بين الإسلام و الوهابية، لأن الوهابية هي “الإسلام” بدليل أن مملكة الزيت والرمال هي زعيمة العالم الإسلامي، ففيها ولد الإسلام وبها مقدسات المسلمين والملك السعودي هو خادع الحرمين الشريفين.

 

أما هذا المصاب الجلل الذي حل بالأمة من الماء إلى الماء، وبدل انتظار أن يستفيق العرب من دوختهم والمغفلون من سباتهم، كانت إيران تعمل في صمت لقلب الطاولة على الإمبراطور الأمريكي وإنهاء الوجود الصهيوني في المنطقة، لإدراكها أن فلسطين والقدس الشريف بما تمثله للمسلمين قاطبة من “وعد الله الآتي” هي الهدف والغاية في النهاية.

 

بعد نجاح تجربة حزب الله اللبناني التي أبهرت العالم في مواجهة إسرائيل وتحرير الأرض وإقامة توازن رعب مع الكيان الصهيوني، إرتأت طهران أن تستنسخ هذا الأنموذج في دول المنطقة، لمقاومة الهيمنة الأمريكية وإفشال مشروعها، والإستعداد للمنازلة الكبرة مع العدو الصهيوني.

 

فقامت بتأسيس “حزب الله” العراقي الذي قاوم المحتل الأمريكي وطرده، وبعد ذلك بدأنا نسمع عن حزب الله السعودي الذي صنفته الرياض في بيانها الأخير ضمن المنظمات الإرهابية، وحزب الله الكويتي، ثم شيىء يشبه حزب الله في اليمن وإن كانت معالمه لم تتضح بعد، لأن التنظيم الذي نعرفه حتى الآن هو جماعة الحوثيين.

 

ثم جاءت المفاجأة اليوم من طهران، حيث أعلن قيادي سابق في الحرس الثوري الإيراني عن قيام بلاده بتشكيل حزب الله السوري على نمط حزب الله في لبنان للدفاع عن نظام وشعب سورية، معتبراً أن “طبيعة الحرب الدائرة في سورية ساهمت في تشكيل هذا الحزب”.

 

وقال اللواء حسين همداني في كلمة له أمام اللجنة الإدارية لمحافظة همدان الواقعة بمركز إيران الأربعاء، أن “من بين الدول التي خلقت الأزمة السورية هي أمريكا لضمان أمن الكيان الصهيوني ولمنع نفوذ إيران بالمنطقة”، مؤكدا أن “الرئيس بشار الاسد يخوض حرباً بالنيابة عن ايران بنفس الدرجة التي تقاتل فيها ايران عبر حزب الله ودعم الحرس الثوري، للدفاع عن نظامه من خطر السقوط”.

 

لكن حزب الله في سورية يعتبر بكل المقاييس تجسيدا لما سبق ووعد به الرئيس السوري من فتح جبهة الجولان للمقاومة، بعد أن أعلن أن سورية لم تعد ممانعة فحسب، بل تحولت إلى دولة مقاومة. هذا يعني عمليا أن المقاومة جاهزة، وأم فتح جبهة الجولان قد لا يتأخر كثيرا بعد الإنتهاء من تطهير البؤر الإرهابية الكبيرة في الشمال والشرق والوسط، ليتم التفرغ لجبهة الجنوب وفتح أبواب الجحيم على “إسرائيل”.

 

قد نعود للحديث عن هذه الشبكة الأخطبوطية لـ”حزب الله” في دول المنطقة، لمحاولة فهم ما تخطط له إيران في المدى المنظور والمتوسط والبعيد، سواء في العراق أو سورية أو لبنان أو – ربما – السعودية في حال لم تتب عن غيها وتنتهي من تخريب المنطقة خدمة لأمريكا وإسرائيل، لأنه موضوع غاية في الأهمية والخطورة أيضا، وعليه يتوقف مستقبل المنطقة في حرب الوجود والمصير.

 

وأكاد أجزم أن هذه الإستراتيجية الإيرانية الرهيبة والفعالة هي من دفعت بالسعودية للتراجع قليلا ومراجعة سياساتها الإرهابية خطوة خطوة حتى لا تظهر في موقع الضعيف الخائف، لأنه أمام المقاومة لن تنفع السعودية لا الصواريخ ولا الجيوش الغربية ولا حتى النووي الإسرائيلي. ولعل الإعلان عن تفكيك خلية إرهابية كبيرة قبل يومين هو أول الغيث لتنقلب الصورة رأسا على عقب، والآتي أعظم، لأن السعودية لا تستطيع مواجه إيران والمقاومة “حزب الله” السعودي والعراقي واليمني، لأنها مطوقة من كل جهة، كما أن محور المقاومة لا يمكنه أن يتحمل أكثر مما تحمله حتى الآن.

 

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد: – هل تحضر إيران للمنازلة الكبرى مع العدو الصهيوني في عقر داره، فيتحقق وعد الله في الثانية، لتنتهي المعركة الكبرى بعد الصواريخ والبنادق بالسيوف والعصي والحجر داخل فلسطين المحتلة، فينتهي عهد الظلام ليبدأ فجر مشرق جميل وجديد تجتمع فيه الأمة على قلب رجل واحد حول حبل الله المتين؟…

لا شك في ذلك، لأن الله تعالى لا يخلف وعده ولو كره الكافرون، ألم يقل أن حزب الله هو الغالبون.. وبالتالي، ليس أمام السعودية إلا العودة عن غيّها وضلالها أو الموت الزئام..

فماذا أنتم فاعلون يا أعراب الزيت؟

المصدر :  بانوراما الشرق الاوسط

1 تعليقك

  1. شكرا للكاتب الكريم على هذا التحليل القريب جدا من الواقع . ولكن عندما حاصرت امريكا ايران اقتصاديا بدا على الاخيرة الضعف وبادرت الى تنازلات على مستوى رئاسة الجمهورية ( انتخاب روحاني ) وعلى مستوى البرنامج النووي . بينما كان احمدي نجاد يقول ان امريكا لن تستطيع ان تفعل شيء لايران وانها مجرد حرب نفسية .

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here