علي الطالقاني /

بيّنت تجربة التحول الديمقراطي في العراق، مع كل التداعيات الناجمة، ان البلد يكابد مشكلات تتعلق بطبيعة تفكير القادة السياسيين وتصورهم لمفهوم الدولة والديمقراطية. وان سقوط النظام عام 2003 لم يحل المشكلة حسب ما كان متوقعاً.. ولعل أكثر ما يمكن الانتباه له في عملية التحول السياسي في العراق هو تشوه مفهوم الدولة الحديثة وتعثر تجسيد القيم الديمقراطية والثقافية في سلوك كل من النخبة والجماهير، كما ولد بصورة مشوهة في رحم الطائفية والمحاصصة، بوساطة العشيرة والارهاب والبيروقراطية وتحويل مؤسسات الدولة إلى مجرد جهاز للسيطرة، وافضت هذه الولادة إلى نشوء دولة ضعيفة لا تفرق بين عمل السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية).

 

برغم الجهود المبذولة من قبل الباحثين والمثقفين، حيث لم تستطع أية مؤسسة حكومية او منظمات مجتمع مدني او حتى منظمات دولية ان تتجاوز مسألة التنظير. ولا شك ان للحسابات السياسية تأثيرا كبيرا على مسار التحولات السياسية..

 

لذا فان تعثر قيام الدولة يلغي مبدأ المواطنة ويمنع تأسيس نظام وثقافة تجعل الجميع متساوين أمام القانون والحقوق، بعيدا عن الطائفية والقبلية والاثنية والعشائرية التي بدورها أثرت على مسيرة نشأة الدولة في وقت من المفترض فيه ان تنشأ بواسطة التطورات الطبيعية السياسية والاقتصادية والمجتمعية.

 

يمر البلد بمرحلة مهمة ينبغي من خلالها ترسيخ مبدأ التعايش السلمي، وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية، ونقل السلطة سلمياً. والحفاظ على حقوق الاقليات وترسيخ مفهوم الحريات العامة. وهي بمثابة فرصة أمام التطور. وبدون هذه الفرصة لا يمكن الحديث عن تشكيل دولة حديثة، تعتمد الاقتصاد والتنمية والثقافة والاجتماع أساسا للتقدم.

 

 

 

تحديات المرحلة القادمة

 

يضم البرلمان العراقي بعد انتخابات عام 2014، ما مجموعه 328 مقعداً لفترة الأربع سنوات المقبلة. وسيكون تشكيل الحكومة الجديدة في غاية الصعوبة بسبب عدم وجود حكومة أغلبية، واعتماد المحاصصة كمنهج لتشكيلها، ولو عدنا الى انتخابات عام 2006 نجد ان استمرار المفاوضات لتشكيل الحكومة امتدّ حوالي شهرين، فيما تم التوافق على تشكيل الحكومة بعد انتخابات عام 2010، أكثر من ثمانية شهور.

 

وبحسب الدستور العراقي يتم اختيار رئيس مجلس النواب في الجلسة الأولى للمجلس، ليتم بعدها وخلال الجلسة الثانية اختيار رئيس البلاد بأغلبية الثلثين خلال مدة شهر واحد، فيما سيكلف رئيس البلاد رئيس الوزراء الذي سيتم اختياره خلال مدة خمس عشرة يوماً ليتم بعدها إجراء التصويت للمصادقة على تشكيل الحكومة في موعد أقصاه ثلاثين يوماً.

 

وبعد ان انتهت الانتخابات العراقية يدور النقاش في وقت مبكر حول هوية رئيس الوزراء القادم، وحسب المؤشرات يعتزم حزب الدعوة ترشيح رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي وتجديد ولايته لتصبح الثالثة، وهو الأمر الذي يتخوف منه محللون من ان اعادة حصول المالكي على ولاية ثالثة قد يؤدي إلى حدوث أزمة في وقت تزداد فيه التجاذبات السياسية مع تزايد حدة العنف والارهاب في مناطق عدة من العراق، فقد أكدت مصادر ان 750 شخصا قتلوا خلال شهر نيسان من عام 2014.

 

ولهذه المخاوف أسباب يستند إليها الكثير من المحللين منها:

 

ـــ مواقف المرجعية الدينية من إدارة حكومة المالكي وخصوصا في مجال مكافحة الارهاب. والفساد وتردي الخدمات.

 

ـــ وجود مخاوف من تزايد حدة التوترات الطائفية ونشوء حرب أهلية.

 

ـــ عدم استطاعة رئيس الحكومة على اجراء تحالفات رصينة وشفافة. فضلا عن سوء علاقته مع باقي الكتل السياسية الشيعية والسنية والكردية.

 

ـــ رغبته بالاستمرار في منصبه وهو الأمر الذي عده محللون انه سيوقع البلاد مرة أخرى في دائرة الأنظمة الاستيلائية والدكتاتورية التسلطية، مما يعرقل مأسسة دولة ديمقراطية حديثة.

 

 

 

التأثير الدولي

 

ويعتقد الكثير من المحللين أن الصراع في العراق سياسي تديره قوى سياسية مدعومة اقليمياً وتستخدم هذه القوى الطائفة والمذهب أدوات لتحقيق مصالحها، وان الصراع تحول من صراع سياسي الى صراع طائفي.

 

ان القوى السياسية في العراق باجمعها لا تستطيع العمل خارج اطار الضغط الاقليمي المتمثل بايران من جانب ودول الخليج وتركيا من جانب آخر، فضلا عن الدعم الأمريكي “الضعيف” لأي موقف تجاه العراق، وخلال مرحلة انتخابات عام 2006 وعام 2010، اصبح العراق ساحة للصراع بين هذه القوى التي تريد ان يكون البلد خاضعاً تحت سيطرتها. وامتد هذا الصراع طوال السنوات الماضية ليصل الى انتخابات عام 2014، ومما زاد الأمر تعقيدا تأزم الوضع الاقليمي وعدم حصول توافقات بين هذه الدول على ما يدور من أحداث وخصوصا في المنطقة مما قد يكون تشكيل الحكومة العراقية عسيرا جدا، وخصوصا مع تزايد حدية التجاذبات السياسية بخصوص منصب رئيس الوزراء ومناصب أخرى.

 

 

 

الدور الأمريكي

 

لا احد يستطيع ان ينكر ما للولايات المتحدة الامريكية من دور في تشكيل الحكومة في انتخابات عام 2006 التي زادت من دعمها لتشكيل حكومة برئاسة المالكي بصفته مرشحا عن الكتل الشيعية. كما انها عملت من أجل تقريب وجهات النظر بين حكومة بغداد وحكومة اقليم كردستان التي انهارت فيما بعد بخصوص قضايا النفط والاراضي المتنازع عليها.

 

إلّا أنّه يبدو ان موقفها من انتخابات 2014 في العراق غامض الى حد ملفت للنظر، ويقول مراقبون ان بعض المؤشرات تدل على وجود جدل داخل البيت الابيض حول شكل الحكومة الجديدة حيث تقول انها تريد تشكيل حكومة يشترك فيها الجميع وليس بالضرورة ان يكون رئيس الوزراء الحالي على رأس الهرم، لكنها تدعم مواقفه تجاه القضاء على التنظيمات الارهابية. بينما تغض النظر عن قضايا أخرى اقليمية ومحلية تؤثر على مسار السلم.

 

 

 

الدور الإيراني الخليجي التركي

 

من جانب آخر يأتي هنا الدور الايراني حيث ترى ايران في نفسها انها معنية بأن يكون لها حضورا واضحا. ففي انتخابات عام 2006 لعبت طهران دورا محورياً ضد تشكيل حكومة يشكلها إبراهيم الجعفري.

 

الدور التركي من جانب آخر أخذ حيزا من الوقت فالحكومة التركية برئاسة رئيس الوزراء أردوغان تريد ان تتبنى سياسة جديدة، لها أبعاد وأهداف متعددة تمتد الى العراق ودول أخرى، حيث يعتقد أردوغان ان تركيا ينبغي ان تحدث تقدما في الجوانب العسكرية والاقتصادية، وتريد ان تستغل الفراغ الجزئي لأمريكا في المنطقة، وهذا ما توضح عندما تدخلت في افغانستان كما تدخلت بقضية الاعتداء على غزة وما يحدث في جورجيا، واليوم تتدخل بالملف العراقي.

 

أما دول الخليج فانها ترتاب من موضوع العراق وتشعر انها هزمت في العراق أمام ايران لا سيما وأنّ دول الخليج تطمح بان يكون العراق خاضعاً لسيطرتها لأهمية موقع العراق الجغرافي والطائفي واعتباره منفذا لإيران على دول الخليج.

 

ان الدول المتضررة من نجاح تشكيل الحكومة المقبلة ستحاول إعادة خلط الأوراق وترتيبها بما يضمن مصالحها، فعلى العراق ان يعمل على تحقيق عاملي التماسك والوحدة بين طوائفه وترسيخ مفهوم التعايش والانتقال السلمي للسلطة، والالتفات الى مشروع وطني يجمع فسيفساء البيت العراقي بطوائفه المختلفة.

 

 

 

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here