أفرزت الانتخابات العراقية الاخيرة مؤشرات يمكن اعتبارها تحولا في اتجاهات الناخب العراقي من الولاء لطائفة والعشيرة الى البرنامج الاصلاحي القادر على معالجة ازماته الحالية. ففي تحول ظاهر لما درجت عليه العمليات الانتخابية التي شهدها العراق على مدى الاعوام التسعة الماضية فقد اثبت الناخب العراقي تحولا نوعيا في معرفته بحقائق الامور وعدم انخداعه بالشعارات التي تدغدغ مشاعره من دون ان تقدم له اي منجز يلبي احتياجاته وتطلعاته.

وفي هذا المجال فقد جاءت المؤشرات لفوز قائمتين ليبراليتين مستقلتين طرحتا مشروعين وطنيين بعيدا عن الطائفية والعرقية والمحاصصة بكل اشكالها بعدد لابأس به من مقاعد البرلمان الجديد ليؤكد هذا التحول  الذي تشهده الساحة العراقية للمرة الاولى منذ انتخابات عام 2005 .

وتعتبر مصادر عراقية ان مؤشرات فوز اائتلافي العراق والتحالف المدني الديمقراطي بعدد 7 او 8 مقاعد برلمانية لكل منهما يضع عليهما مسؤولية الحفاظ على هذا التغيير في اتجاهات الناخبين وتوسيعه وتعضيده من خلال التناغم مع احتياجات الناس وخدمتهم وطرح الخطط والمشاريع التي تنتشلهم من واقعهم المزري حاليا في جميع مجالاته السياسية والامنية والخدمية.

وفي هذا الاطار يقول الكاتب العراقي علي معموري ان المجتمع العراقي بوصفه مجتمع جماعي، تغيب فيه الفردانيّة إلى حدّ كبير لذلك، تتأثر قراراته بقرارات رجال الدين وشيوخ العشائر والقادة السياسيّين وهذا ما نراه واضحاً في سلوك الناخب العراقي منذ العام 2003 ولغاية اليوم من ضمن تطورات عامة لم تخرج من هذا الإطار.

واضاف أن الكيانات المتنوّعة في البلد اتجهت نحو هويّتها الجماعيّة وأدّى ذلك إلى تقسيم قومي وطائفي وعشائري في داخل البلد، إذ صوّت الأكراد والعرب لقوائم تمثل قوميتَيهما وفي داخل كل واحدة من تينك القوميّتَين الرئيسيّتَين، صوّت الشيعة والسنّة كل لمذهبه. أما في داخل تينك المجموعتَين، فقد ظهر الانقسام العشائري في سلوك الناخب العراقي.

واوضح انه سرعان ما عرفت النخب السياسيّة هذا المزاج لدى الناخب العراقي. لذلك اتّجه السياسيّون إلى تلبية هذه الرغبة الجماعيّة، فحاولوا التقولب بالهويات القوميّة والدينيّة والعشائريّة. ومن هذا المنطلق، قامت شخصيات علمانيّة من أمثال أحمد الجلبي برفع راية البيت الشيعي، في حين انضمت أخرى من أمثال حسن العلوي بخلفيته العروبيّة وسابقته البعثيّة إلى قائمة التيار الصدري في الانتخابات الأخيرة. كذلك، حاولت شخصيات إسلاميّة من أمثال هادي العامري الظهور بزي شيوخ العشائر في فترات من نيابته في البرلمان. وثمّة أمثلة كثيرة أخرى من هذا القبيل.

وقد تنوّعت وتكاثرت مراكز القدرة والتأثير الاجتماعي تدريجياً منذ العام 2003، إذ شاركت دور رجال الدين وشيوخ العشائر مراكز قوة جديدة تمثلت بالأحزاب السياسيّة المختلفة. فقد كان للمراجع الدينيّة القول الفصل في خيارات الناخب العراقي وكان شيوخ العشائر يفرضون آراءهم السياسيّة على جماعة كبيرة من أبناء عشائرهم. لكن الأحزاب تحوّلت اليوم إلى كيانات جماعيّة كبيرة تنافس السلطة التقليديّة للمؤسسة الدينيّة والعشيرة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here