سامي العبودي –

عاش العراق وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود أعتى دكتاتورية شاهدتها الإنسانية على مر العصور, وقد يقول قائل إن هنالك  دكتاتوريات اشد وطأة  من نظام صدام البائد, أقول إن دكتاتورية صدام حسين كانت متفردة بامتياز, بنشر التخلف الفكري, والديني والسياسي والاجتماعي, وأطبق على العراقيين بطوق من الظلام والظلم معاً, وعاش المواطن العراقي طيلة العقود الثلاث في عزلة فريدة من نوعها لم يشهد لها مثيل في عالم البشرية, عزلة من جميع الجوانب, حتى أصبح العراق هو السجن الكبير لأبنائه يقضون فيه فترة السجن الأبدي مع الإشغال الشاقة, حتى أصبح في مقدمة الدول الأكثر تخلفاً وجهلاً.

مضت ثلاثة عقود من عمر العراق عاش فيها أبناؤه بمبدأ الفكر الواحد والرأي الواحد والحاكم الواحد الذي لا شريك له, صاحب الصفات العليا والخصال الحميدة عبد الله المؤمن وأبو الليثين وصاحب البيعتين وووو…..

وعلى الرغم مما مربه النظام البائد من حروب وحصار ما أدى إلى  إنهاكه , فإنها  لم تثن هذا النظام عن تغطرسه وتماديه عن التكشير عن أنيابه وجعله الشعب العدو الأول ليصب نيران غضبه عليه, وتجسدت افعاله بالمقابر الجماعية والإعدامات العشوائية, ناهيك عن الدمار الشامل الذي لحق بالعراق جراء رعونته وغطرسته وإقحام العراقيين بنزاعات دولية وإقليمية هم بعيدون عنها كل البعد, لالشيء سوى لإشباع رغباته الجامحة الرعناء, حتى أصبح العراق بلد منتهي الصلاحية  وعلى  جميع الأصعدة المادية والبشرية.

وشاء القدر الإلهي بسقوط هذه الدكتاتورية عن طريق التدخل الدولي الخارجي في العام 2003، وظهور الحكم الديمقراطي الذي دعا إليه الغرب, واصفاً إياه بالتجربة الديمقراطية في العراق الجديد وما لحقته من توابع هذه المرحلة وصحبت معها ويلات زادت آلام العراقيين على آلامهم ومحنتهم, ولعل أهم معالم وإفرازات هذه المرحلة هي الحرب الطائفية التي اندلعت في العام 2006 ومن بعدها الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة.

وما بعد العام 2003 وبعد تشكيل أربع حكومات عن طريق انتخابات ديمقراطية, والبدء بتطبيق الدستور الجديد, سرعان ما يدخل العراق في حيز الدكتاتورية الجديدة والفريدة من نوعها, وتحت مظلة الديمقراطية, وتتمثل بعدة أشكال.

الشكل الأول دكتاتورية الشعب لمرشحيهم في الحكومة الجديدة, حيث أصبح المسؤول أداة طيعة بيد ناخبيه من أبناء عشيرته, والكيان السياسي الذي يدعمه لوجستياً, فيصبح مسؤولا عديم الإرادة يتخذ قراراته وفقاً لما تملي عليه قاعدته الجماهيرية والحزبية, فهو في واقع الأمر مسير لا مخير, مغلوب على أمره, لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.

والشكل الآخر والذي لم يمر به تاريخ البلدان قاطبة ولعله من اخطر أنواع الدكتاتوريات في العالم كونه ليس حكماً فردياً يسهل النيل منه وإزاحته, وهو الفساد المجتمعي والديني والاقتصادي والإداري، هذا الشكل من الفساد يتحول تدريجياً إلى دولة يصعب إسقاطها بالتدخل الخارجي, وهو فساد يضرب كافة مرافق الدولة, وعلى جميع الأصعدة والمستويات، وهذا ما يتوجه إليه العديد من الأحزاب السياسية والاجتماعية بغية الحصول على المكاسب الرخيصة, غير آبهين بضمائرهم وعقائدهم ومعاناة أبناء شعبهم الذي ذرفوا عليه دموع التماسيح وصولا إلى مبتغاهم وإرضاء لرغباتهم الدنيوية الخسيسة, دون مخافة الله عز وجل.

والنوع الثالث نشأ من دكتاتورية طائفية، تمثل طبقة طفيلية تقتات على الدماء جراء الصراع الطائفي ناهبة لثروات البلاد ومتواطئة مع المخططات الإمبريالية الصهيونية حتى اللحظة الراهنة.

ولابد من الإشارة إلى إن جميع المحاولات الرامية لمحاربة الفساد ستفشل، كونه اوجد طبقات سياسية واجتماعية متوحشة تخدع الناس وتلهيهم بصراعات جانبية لتحكم سيطرتها على كافة مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، ويكون الاقتصاد والسياسة في قبضتها.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here