كنوز ميديا / متابعة – يشكل ملف المقابر الجماعية التي خلفها حكم النظام المباد عبئا ثقيلا على عاتق مئات العوائل العراقية من مختلف الطوائف والقوميات ممن مازالوا في دائرة البحث عن قبور ورفات ابنائهم التي يتم اكتشاف البعض منها بين فترة واخرى ، جثث الشهداء كانت تدفن في اماكن مهجورة وبعيدة من قبل الاجهزة القمعية للنظام المباد ويشرف على اخفاء معالمها بدقة وعناية ، ثم صعب تقادم السنوات التي سبقت سقوط الحكم الدكتاتوري من مهمة اكتشاف تلك المقابر التي مازال الكثير منها جاري البحث عنه.

حكايات

في مؤسسة الشهداء التي تعنى بعوائل الضحايا الذين اعدمهم نظام صدام تجلس عشرات المسنات والارامل وكبار السن في قاعة الانتظارالقريبة من غرف الموظفين ، فهم آباء وامهات وابناء يبحثون عن احبابهم ، وسط اعداد صور الشهداء التي تزين جدران القاعة وباقي ممرات المؤسسة، لايشعر الزائر بالملل ، اسماء وتواريخ دونها الزمن عن بطولات رجال ونساء وشيوخ قارعوا ظلم الحاكم المستبد ، وحتى الموت لم يشف غليل القاتل فغيب اجسادهم في دهاليز وحفر في اراض

نائية .

يقول اسعد خليل (55) سنة : في العام 1991 اعتقل ازلام صدام شقيقي (حسين) من دارنا في منطقة الحيانية في محافظة البصرة، ثم جاء بعد ساعة من عملية الاعتقال رجال الامن مع (شفل) كبير وقاموا بهدم الدار التي نسكن فيها، ومنذ ذلك التاريخ مازلت ابحث عن شقيقي لعلي اجده في احدى المقابر الجماعية التي ملأت المدن العراقية، وقد توفيت والدتي من حزنها على فقدان شقيقي وتحملت انا تربية اولاده الاربعة، واضاف خليل بعد ان رافقنا اللجان المختصة في اكتشاف وفتح المقابر الجماعية لاحظنا حجم المصاعب التي يواجهها العاملون على هذه العملية وقدرنا جهودهم المبذولة لاستعادة جثث ورفات ابنائنا الذين قتلوا ظلما ، وفي نهاية العام 2009 عثرت على رفات شقيقي في منطقة مهجورة في البصرة بعد ان ادلى احد الشهود بمعرفته عن المكان الذي اعدم فيه بعض رجال الانتفاضة من قبل الاجهزةالامنية .

خاتم الزواج

زهرة حسن مجمان ( 48 ) سنة اعدم زوجها (علي كاظم عزيز) عام 1994 بسبب انتمائه لحزب الدعوة الاسلامي قالت : بعد العام 2003 بحثنا في بعض المواقع التي دلنا عليها شهود كانوا متسترين على اماكن المقابر خوفا من بطش النظام السابق، لكني لم اجد شيئا ، وفي بداية العام 2012 رافقت احدى اللجان مع عوائل اخرى في منطقة نائية قرب محافظة النجف ، وكانت عملية البحث صعبة وشاقة بسبب اختلاط رفات الشهداء مع بعضها، فالنظام المجرم كان يقوم بالاعدامات بشكل جماعي ويلقي بالجثث في حفر كبيرة باراض معزولة وبعيدة عن المدن ، وتضيف مجمان : تعرفت على رفات زوجي من حلقة الزواج التي نقش عليها اسمي عند احد الصاغة في العام 1986 عندما خطبني وقد وجدتها بحالة جيدة في عظمة (بنصر) يده اليسرى .

مازال مفقودا

والد الشهيد مهدي حميد جازع ابدى حسرته على فقدان ابنه الذي اعتقل من قبل جهاز الامن العام في العام 1987 ولم يجد له اي أثر حتى الآن بالرغم من مرافقته لاغلب اللجان المختصة بفتح المقابر الجماعية ، اذ بين حميد الذي جاوز عمره السبعين عاما ان ولده كان موظفا في شركة نفط كركوك وتم القاء القبض عليه في مقر عمله وعندما ذهب للسؤال عنه لم يلق جوابا ثم اخبروه فيما بعد بان ابنه قد تم اعدامه في العام 1989 ، لكنه لم يستلم جثته ومازال يبحث ويأمل من الجهات المعنية بمساعدته في العثورعلى رفات ابنه الشهيد .

تقارير دولية

منظمات دولية اكدت أن عدد ضحايا المقابر الجماعية في العراق تجاوز الـ400 ألف شخص وفق تقارير خاصة تم اعدادها بالتعاون مع مؤسسات عراقية حكومية ومدنية، وقد اعتبر السادس عشر من شهر آيار يوما وطنيا للمقابر الجماعية في العراق، ففي مثل هذا اليوم من نيسان العام 2003 جرى اكتشاف أول مقبرة ‏جماعية في محافظة بابل بعد سبعة وثلاثين يوما من سقوط النظام السابق، وقد جاء في تقرير احدى المنظمات الدولية (لقد اسهمت الظروف والأوضاع المختلفة في اتساع مديات المقابر الجماعية في العراق بشكل غير مسبوق في أي ‏بلد من بلدان العالم، حتى ان جرائم النظام المباد خلال ثلاثة وعشرين عاما تجاوزت جرائم الحكم النازي ما بين ‏العامين 1933 و1945، ويخطئ من يتصور ان جرائم غرف الغاز النازية او ما يعرف بالهولوكوست تفوق في ‏فظاعتها المقابر الجماعية التي ملأت العراق عرضا وطولا).

وتشير تقارير دولية مختلفة الى ان عدد المقابر الجماعية المكتشفة في العراق ناهز الـ350 مقبرة في مختلف ‏‏المحافظات، وتؤكد ان بعضها يحتوي على عشرات الجثث المقيدة الأيدي، وجماجم مثقوبة بفعل إطلاق ‏الرصاص من ‏الخلف، كما أن هناك آلاف الجثث المكدسة في مقابر ‏أخرى تمتد لمئات ‏الأمتار، ووفق الدراسات الاحصائية لمؤسسات عراقية حكومية وغير حكومية، وأخرى لمنظمة الامم المتحدة ومنظمة ‏العفو ‏الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الانسان، فإن عدد ضحايا المقابر الجماعية تجاوز أربعمائة الف شخص.

معدوم هارب

محمد فزع حسن ( 68) عاما احد الناجين من عملية اعدام جماعي في محافظة ميسان قال : خلال الانتفاضة الشعبانية في العام 1990 تم اعتقالي مع اكثر من خمسين معارضا وتم اقتيادنا الى مقر الشعبة الحزبية قرب المحافظة في مركز محافظة واسط ثم نقلنا بسيارات (حمل) قطعت طريقها وسط منطقة معزولة لاكثر من نصف ساعة وكانت اعيننا معصوبة وايدينا مربوطة مع بعضنا ثم انزولنا من السيارة وبدؤوا باطلاق النار علينا فتساقطنا في حفرة كبيرة تم حفرها مسبقا بحفارميكانيكي، وبسبب تكدس جثث الشهداء فوق بعضها وتلطخها بالدماء الغزيرة التي كانت تسيل من اجساد المعدومين لم يميز رجال الامن بقائي حيا تحت جثة احد الشهداء، ولحسن حظي ان (الشفل المخصص) لدفن الجثث قد تعطل لاكثر من ساعة بسبب انشغاله بدفن مقبرة قريبة، فتمكنت من الافلات والخروج من الحفرة بعد ان ذهب رجال الامن لاحضار الشفل، وكتبت لي حياة جديدة من اجل ان اظهر مظلومية رفاقي الشهداء الذي كانوا معي في نفس الحفرة .

عدوانية النظام

الدكتور خالد علي الالوسي تحدث عن ذكرى المقابر الجماعية قائلا : ابرز الظروف والعوامل التي اسهمت في اتساع مديات المقابر الجماعية، هي الطبيعة الاجرامية لرئيس النظام السابق، ‏ونزعته الدكتاتورية القائمة على رفض أي توجه معارض له حتى وان كان له طابع سلمي، وقد سعي صدام الى تصفية جميع خصومه، والمتعاطفين معهم، وقد تسببت المغامرات والحروب التي خاضها النظام بخسائر بشرية هائلة من الشهداء والمفقودين ومنهم ضحايا المقابر الجماعية . وهؤلاء لم يكونوا ينتمون الى طائفة او شريحة مذهبية او قومية او دينية أو مناطقية معينة، ‏بل انهم كانوا يمثلون مجمل النسيج الاجتماعي العراقي. وطيلة احد عشر عاما منذ سقوط النظام لم تخلوا اية مدينة عراقية من وجود المقابر، فكان للكرد نصيبهم وكذلك العرب من ابناء الشيعة والسنة، ‏والتركمان وحتى المسيحيين والصابئة .

مقابر جديدة

وزارة حقوق الانسان ادرجت ضمن خطتها للعام الحالي 2014 افتتاح ثلاث مقابر جماعية في ‏محافظات البصرة وميسان والانبار، فيما كشفت عن وجود ‏‏66 موقعا مشخصا لمقابر ضحايا ‏الارهاب بعد العام

2003.‏

مدير دائرة الشؤون الانسانية في الوزارة اركان ثامر تحدث عن هذا الموضوع قائلا: إن خطة المقابر الجماعية ‏للعام الحالي ‏‏2014 تتضمن كشف وفتح مقابر في ثلاث محافظات ‏الاولى في البصرة وهي مقابر ‏الحيانية وهور صلين والهارثة ،وكذلك مقبرة الكهرباء الجديدة في ‏محافظة ميسان ومقبرة سهل عكاز في محافظة ‏الانبار التي تم فتحها في العام 2010 ورفع منها ‏960 رفات، وقد وردت معلومات اخرى للوزارة تفيد ‏بوجود مواقع تضم آلاف ‏الرفات في هذه المنطقة ، هذه المقابر سيتم افتتاحها تباعا بعد الانتهاء ‏من الاجراءات ‏الفنية والقانونية والادارية اللازمة ، وبين ثامر ان عدد المقابر التي تم افتتاحها منذ العام 2008 حتى ‏‏الآن 192 مقبرة في عموم البلاد،فيما بقي 16 موقعا مشخصا لمقابر معظمها موجودة في ‏محافظات الرمادي والموصل وديالى وكركوك، موضحا ان الوزارة تمكنت حتى ‏الآن من رفع 3400 رفات مجهولة ‏الهوية ، خصوصا وان اللجان الفنية تعاني من اشكالية تحديد هويات الرفات بسبب ‏تباطؤ اجراءات معهد الطب العدلي في وزارة الصحة ، فالبرغم من ان الوزارة رصدت مبلغ 5 مليارات دينار للمعهد من اجل استيراد اجهزة فحص ‏لمختبرات (‏dna‏) قبل سنتين ، الا ان المبلغ لم يستغل بالشكل الصحيح وتم ارجاعه الى الميزانية، وكشف مدير الشؤون الانسانية عن ‏اتفاقية مع اللجنة ‏الدولية للمفقودين تتضمن الكشف عن 3 آلاف رفات باخذ 12 الف عينة دم من ذويهم من ‏‏اجل عملية المطابقة ،اذ تسلمت المنظمة 1500 عينة حتى الآن، وقد تم عقد اجتماع مع ‏اللجنة ووزارة ‏الصحة من اجل الانتهاء من تسليم جميع العينات خلال 4 شهور وكذلك حسم ‏جميع الاجراءات القانونية والادارية ‏لحسم هذا الملف.‏

مخاطر

وتطرق المدير الى المخاطر التي تواجه عمل قسم المقابر الجماعية، موضحا ان الخطط متحركة ‏بسبب ‏المتغيرات التي تواجه عمليات الفتح ففي كثيرمن الاحيان ترد معلومات عن وجود ‏مقابر في مكان لكنها ‏تكون خالية من اية رفات، كما ان بعض المقابر تكتشف ‏اثناء تنفيذ المشاريع، وفي هذه الحالة يتوقف ‏المشروع وتكون الوزارة ملزمة بارسال فرق ‏الى المكان والتحري عنه آنيا ، فالنظام السابق كان يتعمد ‏دفن الضحايا في اماكن بعيدة عن مناطق سكناهم من اجل اخفاء معالم ‏الجريمة وهو الامر الذي ‏تسبب بمشكلة في عملية التطابق بين الرفات وذوي الضحايا.‏

واضاف ثامر ان ملف مقابر ضحايا الارهاب بعد العام 2003 يقع ايضا ضمن مسؤولية ‏الوزارة ، لافتا ‏الى وجود 66 موقعا مشخصا لمقابر في بغداد ومحافظات ديالى ‏والانبار وصلاح الدين اذ تم فتح ‏‏21 مقبرة وبقيت 45 مقبرة بانتظار اصدار اوامر الفتح من ‏الجهات القضائية ، وبلغ عدد الرفات التي تم رفعها 257 رفات ،مشيرا الى ‏وجود خصوصية في آليات فتح هذه المقابر كونها ‏تتطلب موافقات المحاكم والجهات القضائية ،اذ ان الوزارة تواجه اشكالية في تأخر اصدار ‏اوامر الفتح كون المحاكم بطيئة الاجابة على كتب ومخاطبات الوزارة بهذا الشأن ‏،كما ان اغلب المقابر تقع في مناطق ساخنة يصعب الوصول اليها .

وافاد انه بموجب الحملة الوطنية لجمع المعلومات وعينات الدم عن ذوي الضحايا التي اطلقتها ‏الوزارة عام ‏‏2011 للكشف عن مصير المفقودين فان عدد مانحي عينات الدم من ذوي ‏الشهداء بلغ 22 الفا و84 شخصا ‏مانحا هم ذوي لـ 9471 مفقودا من المقابر الجماعية اذ تتم ‏مطابقة عينات الدم مع العظام من اجل تحديد ذلك ،في ‏حين بلغ عدد مانحي دم ضحايا ‏مقابر ضحايا الارهاب 774 شخصا من ذوي المفقودين، كما تم ‏جمع عينة لـ 379 مفقودا من ‏حربي الخليج الاولى والثانية .‏

 

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here