كنوز ميديا / بغداد – في شهر آب من عام 2007 ، وصل فريق من مكتب التحقيقات الفيدرالية الى العراق للتحقيق في عملية اطلاق نار من قبل شركة أهلية كانت توفر الأمن للأميركان في منطقة حرب . في حينها لم يكن اسم الشركة – بلاك ووتر – يعني شيئا لأعضاء الفريق، إلا أن ما كشفوه سبّب صدمةً لهم .

وصف شهود عيان قافلة لمتعاقدي بلاك ووتر كانت تطلق النار عشوائيا على حشود من السيارات في ساحة النسور بالعاصمة بغداد ما تسبب في مقتل 17 مدنيا عراقيا . فتاة كانت تراقب أمها و هي تموت ، و أخرى توفيت و هي تحتضن رأس ولدها المخضب بالدم . لدى عودة الفريق إلى الولايات المتحدة قال أحد أعضائه جون باتاريني “هذه الجريمة أشبه بمجزرة ماي لاي”.

ان عملية اطلاق النار في ساحة النسور، ومجزرة مدينة حديثة في الأنبار التي ارتكبها جنود المارينز و أودت بحياة 24 مدنيا، إضافة الى الانتهاكات في سجن أبو غريب ، أصبحت وصمة عار في حرب العراق. تمت إدانة خمسة من حراس بلاك ووتر بجريمة القتل ، أما السادس فقد دخل في صفقة إقرار بالذنب للشهادة ضد زملائه .

لكن بمرور السنوات ، ظهرت القضية مرة أخرى الى السطح بسبب أخطاء الحكومة بعد ان كادت تتلاشى . تحاول النيابة العامة جمع ما بقي من القضية ، لكن جرى في العام الماضي إسقاط الاتهامات ضد أحد المتعاقدين بسبب نقص الأدلة. في نيسان عانت الحكومة من انتكاسة ذاتية أخرى عندما حكمت محكمة الاستئناف الفيدرالية بأن الادعاء العام قد غاب عن الموعد النهائي وسمح بانتهاء فترة التقادم ضد متعاقد ثان هو نيكولاس سلاتن القناص العسكري السابق من ولاية تينيسي والذي يعتقد المحققون بأنه أول من أطلق النار في ساحة النسور . عندها رد القاضي الدعوى ضد سلاتن . رفضت محكمة الاستئناف الادعاء القائل بان اطلاق سراح سلاتن سيجهض العدالة . ان كان الظلم قد وقع فان ذلك كان بسبب تأخير الحكومة الذي” لا يمكن تفسيره “.

كان رد فعل وزارة العدل أنها اتهمت سلاتن بجريمة القتل من الدرجة الأولى التي لا ينطبق عليها مبدأ التقادم لكنها تحمل عبئا اكبر من البراهين .

ستعيد المحاكمة التركيز على القضية التي ألهبت المشاعر ضد الأميركان في الخارج وساعدت في ترسيخ صورة شركة بلاك ووتر على أنها شركة قتل تتملص من العقاب بسبب عقودها المربحة مع الحكومة الأميركية .

جرى بيع الشركة – التي تعرف اليوم باسم ” أكاديمي ” – من قبل مؤسسها ايريك برينس ، الى مجموعة من المستثمرين الأهليين بعد ثلاث سنوات من حادث ساحة النسور . إلا أن الصعوبة التي واجهتها الحكومة في رفع دعوى ضد المستخدمين السابقين ربما كانت لتعزيز الانطباع بأن المتعاقدين الأميركان لم يكونوا خاضعين لأية أحكام في العراق رغم محاولات إدارة أوباما لتهدئة مخاوف العراقيين بشأن القضية وبشأن تعبير نائب الرئيس جوزيف بايدن عن “اعتذاره الشخصي” في عملية اطلاق النار.

وقالت سوزان بيرك المحامية التي مثلت الضحايا العراقيين في ساحة النسور خلال دعوى تسوية القضية عن طريق دفع مبالغ لم يكشف عنها ” ان التأخير المستمر و الأخطاء تتسبب بتقويض الثقة بالنظام القضائي”.

عند عودة فريق مكتب التحقيقات الفيدرالي من العراق عام 2007 ، و بعد عرض الإفادات ، اعتقد أعضاء الفريق بان لديهم حجة قوية. سرد الشهود حكاية مرعبة ، و في حين ذكر حراس بلاك ووتر ان اطلاق النار بدأ بعد تعرضهم لكمين من مسلحين ، قال مسؤولون عسكريون أميركان ان ذلك لا أساس له من الصحة ، و حتى لو كان هناك كمين فان اطلاق قاذفات القنابل في مثل ذلك المكان المزدحم كان مفرطا.

في عام 2008 قال جوزيف بيرسيشيني مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية ومسؤول مكتب واشنطن حينها ” كان تحقيقا في حماية حقوق الإنسان الأساسية التي ينبغي منحها لكل أبناء الشعب و ليس فقط لمواطني الولايات المتحدة “. قال المحققون انهم شعروا منذ البداية بتقويض قضيتهم. كتب ديفيد فارنغتون الوكيل الأمني في وزارة الخارجية ان زملاءه جمعوا أغلفة القذائف بعد حادث اطلاق النار مباشرةً في محاولة لتنظيف المشهد من أجل حماية شركة بلاك ووتر.

يتذكر فارنغتون اجتماعا قال فيه مسؤولون في وزارة الخارجية ” لدينا ما يكفي من الأدلة لإبعاد هؤلاء الرجال الآن “. كما منح محققو وزارة الخارجية حصانة محدودة لمتعاقدي بلاك ووتر مقابل تصريحات في عملية اطلاق النار . بعد ان سرّب شخص ما هذه التصريحات الى المراسلين، حاول المحققون التأكد من ان شهودهم لم يتأثروا بتلك التصريحات التي لم يكن بالإمكان استخدامها كدليل .

مع ذلك لازال مكتب التحقيقات الفيدرالية واثقا من نفسه . قال السيد باتاريني في المحكمة ” لدينا ما يكفي من الأدلة مثل الشظايا و الأغلفة و الشهود التي تغنينا عن الأدلة المادية”.

جاء التطور البارز عام 2008 عندما أقر أحد الحراس – جيرمي ريجواي – بالذنب في القتل العمد و اعترف بانه و زملاءه اطلقوا النار بدون مبرر على مدنيين عزّل . تم نشر ذلك الإقرار في نفس اليوم الذي أعلنت فيه نيابة واشنطن تهم القتل ضد خمسة من متعاقدي بلاك ووتر .

ولكن بعد عام كانت القضية تبدو خاسرة، حيث رد قاض فيدرالي الدعوى مقتبسا كلام وزارة العدل بأن ذلك كان سلوكا ” متهورا “. وجد القاضي ان المدعين العامين كينيث كول و جوناثان ماليز قد شوها الأدلة و انتهكا حقوق المتهمين . ردا على ذلك، استبدلت وزارة العدل فريق ادعائها الذي صار موضوعا للتحقيقات الداخلية.

وفي خطوة غير اعتيادية عكست الحساسية الدبلوماسية للقضية ، أعلن السيد بايدن شخصيا، خلال رحلة الى العراق، بأن الحكومة ستستأنف القضية قائلا ” ان رد الدعوى ليس حكما بالبراءة”. و كما ذكرت محكمة الاستئناف فيما بعد ، فان القضية ضد الحراس الأربعة – لكن ليس سلاتن – قد تلوثت، و قالت انها تخطط لاتهامه مرة اخرى باستخدام أدلة غير ملوثة . إلا أن ذلك لم يحصل في حينها ، و في أيلول 2012 انتهى سريان فترة التقادم في جريمة القتل البالغة خمس سنوات .

من المقرر إعادة استدعاء السيد سلاتن الإثنين المقبل بتهمة جريمة قتل جديدة من الدرجة الأولى ، و يقول الادعاء انه يريد محاكمته الشهر المقبل مع زملائه القدامى . من المتوقع ان يعارض محامو الدفاع ذلك ما قد يتسبب بالمزيد من التأخير .

بوجود سلاتن أو بدونه، فان القضية ضد الحراس الثلاثة المتبقين ستتحول الى المحكمة ، و من المحتمل ان يكون السيد ريجواي هو الشاهد الأساسي فيها ، كما ان الحكومة مستعدة لرسم صورة مخيفة للشركة التي أصبحت ذراعا من أذرع المجهود الحربي للولايات المتحدة في العراق.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here