كنوزميديا – ثقافة

صيف تموز 1993 ذلك اليوم الحار جدا وفي احد ضواحي مدينة الثورة قطاع 41 شارع الفلاح كنت اعمل (دوارا ً) أجمع الخردة والنحاس (الصفر) وما جادت به بيوتات تلك المدينة الجميلة الفقيرة من ما تهالك من أجهزة كهربائية لأستبدلها بكيلو غرام أو أقل من السكر والطحين أو اكسسوار نسائي أو أداة منزلية ونادرا ما كنا ندفع المقابل نقداً.

حصار أكل الجلد والعظم وما تبقى من أثاث في تلك البيوت الحزينة. أرى الخوف والتعب في كل مكان وأشم من النوافذ رائحة البصل المقلي يمتزج ببعض البهار الرخيص المخلوط بالطحين.

فقر أكل مقدمات أغطية رؤوس الرجال وأغشى عتمته على عبايات النساء وسرق فرحة الأطفال بعطلتهم الصيفية.

حسين الشمخي شريكي في (العربانة) شاب محاور يجيد لعبة بخس الناس أشائهم وكان ذا صوت جميل جدا تطرب له نساء الحي ليخرجن وهن بالكودري والعباية ليغريهن ببعض المصافي أو القدور وقراصات الشعر ليصبحن أجمل رغم الفقر والعازة والجوع.

ارتمت أمامي تلك الطفلة التي لم تبلغ العاشرة بعد بعينين ذابلتين وشعر متناثر يتوسطه شريط أحمر مهتريء مما تبقى من ملابس قديمة ونعال كبير لأمها الحافية التي جلست ترقبها خلف الباب ساترة نفسها بستارة (الحوش)

– عمو اخذ هذا وانطيني قراصة؟
– عمو ما نشتغل بيهن هذني روحي رديه لابوچ.
– ابوي اخذوه الأمن وأمي تگول بلكي الله يهديه.

بحسرة ووجع جلست على الارض

كانت تحمل حاجتها بين يديها وتنظر لتلك ال(قراصة) كما لو أنها سر للحياة، ترتجف، تنظر لأقرانها وهم يستمتعون ببعض الحلوى. تائهة حائرة.

أكبر أحلامها مشبك جديد تنسج به شعرها المتناثر بفقدان الأب وخذلان القدر. خلف الستار أمها تتوسل بعينيها أن أقبل العرض لأسعف ما تبقى من احترام بعيني طفلتها اليتيمة.

قبلت العرض بالرغم من اعتراض حسين الشمخي وكان عرضها اكبر من مجرد مشبك شعر. أكبر من حلم أب غائب في غياهب الأمن العامة لقد كان عرضها ياسادتي رواية (الحب في زمن الكوليرا) لغابرييل غارسيا ماركيز. رواية لحفظ ماء الوجه، وفرحة طفل، وأوجاع مدينة.

منذ ذلك الحين تحول ماركيز إلى مشبك شعر في شعر طفلة يتيمة.

أول الألم
بغداد 1999

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here