كنوزميديا –   منذ عدة عقود كان لأمريكا علاقات جيدة مع الدول الخليجية وكانت تتسم تلك العلاقات بتبادل المصالح حيث كانت تلك الدول الخليجية تقدّم الكثير من الأموال، وبشكل أكثر دقة “الفدية” الاقتصادية الكبيرة لأمريكا بطرق مختلفة عن طريق القيام باستثمارات ضخمة في أمريكا أو شراء الأسلحة أو إعطاء الكثير من التنازلات النفطية مقابل كسب ودّ وحماية القوات العسكرية والنخب السياسية الأمريكية لمواصلة الهيمنة على شعوبهم، وحول هذا السياق صرّح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قبل بضعة أيام أنه اتصل هاتفياً مع ملك السعودية وقال له بصراحة: “إن أمريكا لو سحبت مظلة الدعم الأمريكية عن العائلة الحاكمة في السعودية، فإن تلك العائلة لن تتمكن من البقاء في منصبها لأكثر من أسبوعين”، ولهذا فإنه يمكن القول هنا بأن هذه التصريحات سلطت الضوء على عمق اعتماد أمراء وملوك الخليج على الدعم الأمريكي، ولذلك سوف نقوم بتسليط الضوء أكثر على واقع المجتمع السعودي والأزمات التي تواجهها الحكومة السعودية من خلال دراسة طبيعة تصريحات الرئيس “ترامب” التي وجّهها لقادة السعودية.
المجتمع السعودي والأزمات المتفاقمة التي يعيش فيها
إن النظام السعودي، نظام غير ديمقراطي ولا يتسم بالانفتاح السياسي، حيث تحكم عائلة واحدة في هذا البلد الكبير شعباً يقارب عدد سكانه الـ 30 مليون نسمة ونظراً إلى أن الجزء الأكبر من إيرادات هذا البلد يأتي من إنتاج النفط، فإن هذا البلد الغني بالنفط يعاني من أزمة الشرعية السياسية للحكام السعوديين وفي الوقت نفسه يعاني من أزمة افتقار الحكومة للكفاءة اللازمة، وذلك لأن حكومات الدول التي تفتقر للديمقراطية لا تعتمد على سياسة استخراج المنابع وإعادة توزيعها بشكل متساوٍ، وصحيح، وزيادة الحركات الاجتماعية التي تطالب بالمزيد من الحريات الثقافية والاجتماعية بين النساء والشباب في المجتمع السعودي، والتي تزداد يوماً بعد يوم مع حدوث تغيرات في النسيج الاجتماعي التقليدي تعدّ مؤشراً يثبت وجود أزمة شرعية سياسية في السعودية، ونظراً لزيادة تلك الاحتجاجات والتحركات الاجتماعية فلقد قامت الحكومة السعودية أولاً، بزيادة استخدام سلطة القهر والقمع ضد تلك الحركات الاجتماعية، وثانياً، التحرك نحو القيام ببعض الإصلاحات الرمزية لإيهام المجتمع السعودي بأن الحكومة السعودية تقوم بتلبية جميع مطالبهم وبالنسبة لأزمة افتقار الكفاءة، حيث إن المؤشرات تؤكد وجود مثل هذا النوع من الأزمات، كالتوزيع غير العادل للموارد، ووجود تمييز عنصري ضد الأقليات مثل الشيعة، ووجود الكثير من الفساد المالي في مختلف المؤسسات والمقار الحكومية، والتضخم، وارتفاع نسبة البطالة، والركود الاقتصادي، ووجود فجوة واسعة بين الإنفاق العسكري والتنمية الاجتماعية والاقتصادية ولقد أثارت تلك القضايا العديد من الاحتجاجات مثل المظاهرات التي حدثت في عام 2011 والتي قُتل وجرح فيها العديد من الأبرياء.
ولكن هل يمكن القول فيما يتعلق بهذه الأزمات أن الحكومة السعودية في وقتنا الحالي تعيش في حالة طوارئ، والتي وفقاً لتصريحات الرئيس “ترامب”، لا تستطيع الصمود من دون الدعم الأجنبي إلا لمدة أسبوعين؟
أمريكا تُعدّ التهديد الأكبر
وفقاً لنظرية “أسس انهيار الأنظمة غير الديمقراطية وعملية الانتقال إلى الديمقراطية”، فإن هنالك أربع ركائز قد تؤدي إلى انهيار الأنظمة غير الديمقراطية (الاستبدادية): (1) الهيمنة والثبات والإكراه، (2) إيديولوجية الشرعية، (3) تأمين الخدمات والوظائف العامة؛ و (4) ضمان مصالح الطبقات الغنية أو القريبة من سلطات الدولة وينتج عن هذه الركائز الأربع، أربع أزمات على مستوى النظام السياسي لتلك الحكومات : 1) أزمة الهيمنة والاستقرار، 2) أزمة الشرعية، 3) أزمة الكفاءة، 4) أزمة الثقة بين أعضاء الطبقة الحاكمة وهنا عندما نتحدث عن وجود أزمة الهيمنة، فإن العديد من التقارير تفيد بأن الشرطة وقوات الأمن السعودية شنّت العديد من الهجمات ضد المعارضة ومنعت الجماهير السعودية من القيام بالاحتجاجات، بل إن الأجهزة الأمنية قامت بقمع وتخويف ومعاقبة المتظاهرين وبالنسبة لقضية أزمة الثقة بين أعضاء الطبقة الحاكمة، فإن خلع “محمد بن نايف” وتولي “محمد بن سلمان” منصبه في ولاية العهد وقيام السلطات الأمنية السعودية بإلقاء القبض بعد ذلك على بعض أمراء العائلة المالكة الغنية من أجل الحصول على جزء من أموالهم، يؤكد وجود أزمة ثقة بين أعضاء تلك الطبقة الحاكمة.
وبهذا كله فإنه أصبح من الواضح أن تصريحات “ترامب” على الرغم من وجود العديد من الأزمات التي تواجه نظام “آل سعود”، تؤكد بأن المجتمع السعودي يعاني حالياً من الكثير من المشكلات، وبالتالي عند فكنا لرموز تصريحات “ترامب” يتبين لنا بأن تلك التصريحات لم تتحدث عن الأوضاع الحالية في السعودية وإنما هي تصريحات يكتنفها الكثير من التهديدات غير المباشرة للنظام الحاكم في السعودية، حيث أعرب “ترامب” بأنه يجب على حكّام السعودية رعاية المصالح الأمريكية وتلبية جميع مطالب واشنطن الضرورية في منطقة الشرق الأوسط وإلا فإن البيت الأبيض سوف يأمر بالقضاء على هيمنة آل سعود في شبه الجزيرة العربية والبحث عن بديل مطيع لهم يسلّمونه زمام الأمور في المنطقة ولهذا فإن الإسهامات التي قام بها “محمد بن سلمان” لدعم مصالح الكيان الصهيوني والوقوف ضد الفلسطينيين، تعتبر دليلاً واضحاً على رضوخ القادة السعوديين لـ”ترامب” ودليلاً على أن ولي العهد السعودي يحاول إرضاء واشنطن لكي يتمكن من الجلوس على العرش.   
ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here