لم يمضِ أسبوع على هجوم مسلحين ينتمون إلى جهات أجنبية على عرض عسكري في الأهواز جنوب غربي إيران، إلا وجاء الرّد سريعاً على منفذي هذا الهجوم وقادتهم، ومن كان يعتقد أن الرّد الإيراني سيكون أقل من ذلك فهو واهم، لأن من حارب الإرهاب على مدار السنين الماضية وضحى بالكثير مقابل حفظ أمن المنطقة واستقرارها لن يتوانى عن ردع كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن إيران واستقرارها.
إذن الرّد الإيراني جاء فجر يوم الاثنين “1 أكتوبر/تشرين الأول 2018” مستهدفاً مقراً لقادة مرتكبي جريمة الأهواز الإرهابية الأخيرة شرق الفرات بسوريا، وذلك بـ 6 صواريخ باليستية أرض ـ أرض متوسطة المدى أطلقها الفرع الجوفضائي لحرس الثورة الإسلامية، بحسب ما أعلن الحرس الثوري صبيحة يوم الاثنين، وأشار الحرس الثوري إلى أن الصواريخ قطعت مسافة 570 كم وأصابت أهدافها بدقة.
الدلالات والأهداف
لا أحد يستطيع أن ينكر بأن إيران تتعرّض للكثير من الضغوط على جميع الأصعدة في هذه المرحلة بالذات، على خلفية العقوبات الاقتصادية التي تفرضها أمريكا عليها تباعاً، فضلاً عن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكل من يريد أن يتعاون مع طهران، وهناك من استجاب لرغبة ترامب لكن الأغلبية العظمى استمرت في علاقاتها مع إيران وعملت على الالتفاف على قرارات ترامب قدر المستطاع، فضلاً عن وجود دول أخرى رفضت بشكل كامل العقوبات الأمريكية على إيران وقرّرت الاستمرار في التعاون معها على جميع الأصعدة.
أمريكا تعلم جيداً أن إيران لها ثقلها الكبير في المنطقة وأثّرت بشكل استثنائي على سير الأحداث في العراق وسوريا، وساهمت كثيراً في القضاء على الإرهاب في المنطقة وعملت على تجفيف منابعه ونجحت في تحقيق ذلك، وهذا كان بمثابة صاعقة زلزلت كيان واشنطن التي ادّعت أنها تحارب هذا الإرهاب منذ ما يقارب العقدين دون أن تستطيع القضاء عليه وعلى العكس انتشر كالنار في الهشيم ودمّر البنية التحتية لبعض دول المنطقة وتراثها وثقافتها، ولم تستطع هذه المنطقة الخلاص من رجس هذا الإرهاب إلا بعد أن تكاتفت هذه الدول وشعوبها إلى جانب بعض الدول التي تريد أن تقاتل الإرهابيين بشكل فعلي، وإيران من بين هذه الدول.
عندما عجز الغرب وأتباعهم في الشرق عن إرضاخ طهران كان لا بدّ من معاقبتها في الداخل ونقل المعركة إلى داخل البلاد، وهذه المحاولات قديمة نوعاً ما، وكانت المحاولة الأولى في أوائل يونيو من العام الماضي عندما هاجم مسلحون مجلس الشورى الإيراني وضريح الإمام الخميني في طهران وأسفر عن مقتل 17 شخصاً وتبناها التنظيم المتطرف “داعش”، وفي ذلك الوقت أطلق الحرس الثوري مجموعة صواريخ من غرب إيران على “قواعد للإرهابيين” في منطقة دير الزور في سوريا التي يسيطر عليها خصوصاً تنظيم داعش.
ويمكن اعتبار هجوم الأهواز اختباراً جديداً للقدرات الإيرانية وقدرتها على الرّد وتحديد الفاعل، ولكن للمرة الثانية أو الثالثة على التوالي تظهر إيران حجم استعدادها للقضاء على الإرهابيين وتلقينهم درساً في قوة الرد والردع، وبالتالي تغلق إيران الباب للمرة الألف على أسيادهم وتبرهن لكل من يريد نقل المعركة إلى داخل البلاد أن الرّد سيكون قاسياً وسريعاً، وهذا يظهر بشكل أو بآخر حجم الاستعدادات والقدرات التي تملكها الجمهورية الإسلامية.
وأثبتت إيران أنها عندما تقول أنها سترد بقوة على أي اعتداء فإنها تنفّذ ذلك على الفور، وهذا يجعل الدول التي تريد أن تعبث بأمن إيران تحسب ألف حساب قبل أن تقوم بأي خطوة.
الرد يؤكد أيضاً أن محاربة إيران للإرهاب في سوريا والعراق وخياراتها في الدفاع عن تلك الدول كانت عين الصواب، ورؤيتها لمستقبل البلاد كانت ناضجة لذلك استطاعت هذه الدولة أن تحبط كل العمليات الإرهابية التي تستهدفها، وما فعلته في العراق وسوريا كان مهماً بالنسبة لأمنها قبل أن يكون مهما لأي جهة أخرى وقد أظهرت الأيام صدق هذه الرؤية الاستراتيجية.
هناك نقطة أخرى يجب الحديث عنها ظهرت بين سطور هجوم الأهواز، وهي أن بعض دول المنطقة بالإضافة إلى أمريكا وبعض الدول الغربية تعرضوا لخسارة كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وخسروا جميع أوراقهم في هذه المنطقة، فضلاً عن كون بلادهم تعرضت لهجمات إرهابية متفرقة وحتى اللحظة فإن بعض هذه الدول غارقة في حروب وأزمات دبلوماسية لا حدود لنتائجها وانعكاساتها، وتدخلت هذه الدول في الشؤون الداخلية لدول جارة لها، على عكس إيران التي دخلت سوريا بناءً على رغبة حكومتها وشعبها، وقالت مراراً وتكراراً إنها مستعدة للخروج متى طلبت سوريا ذلك، ولكنها هناك لإعادة الاستقرار لتلك البلاد.
إيران كانت شوكة خانقة في حنجرة المشاريع الغربية التي كانت تهدف لتفتيت المنطقة وتدمير بنيتها التحتية والقضاء على مستقبل شبابها ليسهل السيطرة عليهم، وتعاون إيران مع سوريا والعراق ودول مثل روسيا ساهم بشكل كبير في الحد من ظاهرة الإرهاب، لان هذا الحلف كان يعمل بشكل جدي وعملي على تجفيف منابع الإرهاب.
وفي الختام… لا يصحّ إلا الصحيح ومستقبل البلاد لشعوبها التي تدافع عنها وليس لجهات غربية تدعم هذا النظام أو تلك الحكومة.
ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here