حتى في أصعب ظروفها أي إبّان الحرب الإيرانية العراقية وعندما كانت الجمهورية الإسلامية في سنواتها الأولى، مع كل ما ترتّب على تلك السنوات من صعوبات في بناء الدولة الفتية والقوات المسلحة، لم تسمح القوات البحرية الإيرانية، للأساطيل العسكرية للدول الغربية بفرض هيمنتها على مياهها الإقليمية، أو تحجيم حركة الملاحة الإيرانية في الخليج الفارسي والمحيط الهندي، حيث لا تزال حاضرة في الأذهان تلك المشاهد للزوارق السريعة التي يقودها مجاهدو القوات البحرية للحرس الثوري، وهي تشتبك مع المدمرات الأمريكية في أعوام 1988-1989 وذلك بالرغم من الاختلاف الكبير بميزان القوى بين الطرفين من حيث المعدات والإمكانات، إلا أن الجمهورية الإسلامية أوصلت للجميع منذ ذلك الحين رسالة مفادها بأنها الأقوى في حرب الإرادات وأن مياهها الإقليمية ونفوذها في الخليج المسمّى باسمها منذ مئات السنين “الخليج الفارسي” خط أحمر لن تسمح بتجاوزه.
واليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً على تلك الأحداث، لم تعد القوات البحرية الإيرانية كما كانت في السابق، بل طورت قدراتها بشكل أكبر بكثير من السابق، وحققت الردع أمام أقوى الأساطيل البحرية في العالم ومدمراتها وحاملات طائراتها، استناداً على الذات، وأصبحت الأساطيل الأمريكية تحسب ألف حساب عند الاقتراب من المياه الإقليمية الإيرانية، فضلاً عن ممارسة أي عمل عدواني ضدها.
ففي الأمس مثلاً تداولت وسائل الإعلام العالمية تسجيلاً مصوّراً بثّه التلفزيون الإيراني، يظهر احتكاكاً في ​مضيق هرمز​ بين القوات البحرية للحرس الثوري وحاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس ​تيودور روزفلت​، ويظهر في التسجيل زوارق سريعة للحرس الثوري تقترب من حاملة الطائرات الأمريكية، ثم يحذّر البحارة الإيرانيون الأمريكيين عبر الاتصالات اللاسلكية، بوجوب الابتعاد عن قواربهم، ونصحوهم بـ “الامتناع عن التهديد أو استخدام القوة بأي شكل”.
كما شكلت حادثة اعتقال إيران لقوات “المارينز” الأمريكية الذين دخلوا بصورة غير قانونية إلى المياه الإقليمية الإيرانية بالخليج الفارسي في بدايات عام 2016، مؤشراً قوياً على الاقتدار الذي تتمتع به القوات البحرية للحرس الثوري، حيث انتشر تسجيل مصوّر آنذاك للجنود الأمريكيين وهم راكعون ورافعون أيديهم فوق رؤوسهم أثناء احتجازهم، ليتم إطلاق سراحهم خلال فترة قصيرة بعد أن تم التأكد من حدوث خلل فني مع أجهزة الملاحة التي كانت بحوزتهم وتقديمهم الاعتذار وقيام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بتقديم توضيح لنظيره الإيراني محمد جواد ظريف خلال مكالمة هاتفية أجراها معه.
ويولي سماحة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي، أهمية خاصة للقوات البحرية، حيث أكد في مناسبات عدة أهمية تنمية هذه القدرات، كونها تقف في خط المواجهة الأول في الدفاع عن البلاد، مشدداً على ضرورة استمرار حضور هذه القوات في المياه الحرة، والتي تشكّل قوة استراتيجية للبلاد، وكذلك على تعزيز قدرات هذه القوات في مجال المعدات والقوة القتالية، ويرى الإمام الخامنئي في وجود القوات البحرية الأمريكية في المنطقة إثارة للفتن ونشر للفساد، وبأن إيران معنية بالحوار فقط مع دول المنطقة، وليس مع أمريكا التي تتواجد على بعد آلاف الكيلومترات من سواحلها، وتشكّل وجوداً أجنبياً في المنطقة.
وقد طوّرت القوة البحرية للحرس الثوري معدات غير تقليدية لتعزيز قدرتها في المواجهات غير المتماثلة، معتمدة بشكل كلي على الذات، حيث قامت بصناعة وتطوير زوارق سريعة قادرة على التحرك في المياه وعلى الأرض والقيام بالمناورات، وتمتاز بسرعتها الكبيرة وحجمها الصغير ما يساعدها على توجيه الضربات بدقة والعودة بسرعة، كما تم تطوير قوارب يصل طولها إلى 16 متراً مزودة بصواريخ يصل مداها إلى 90 كيلومتراً ومصنوعة من الستيل وضد الرادار، بإمكانها الاقتراب من العدو لمسافات قريبة جداً، كما لديها القدرة على تغيير موقعها بسرعة والإفلات من الرادار.
كما عززت القوة البحرية الإيرانية من قدراتها خلال إدخال أسراب من الغواصات الصغيرة والطائرات من دون طيار المجهزة بقنابل متفجرة، وعدد من الحوامات البحرية، كذلك إدخال المروحيات البحرية، والصواريخ والبالستية المضادة للسفن، هذا إضافة إلى عدد من المدمرات الضخمة المصنعة محلياً، والفرقاطات القاذفة للصواريخ، وأهم ما يميّز القوة البحرية للحرس الثوري هي العقيدة القتالية والجهوزية العالية التي يمتاز بها أفرادها من حيث سرعة التحرك والاقتراب من العدو، والأخذ بزمام المبادرة.
وتشعر أمريكا بقلق كبير أمام تعاظم القدرات البحرية للحرس الثوري الإيراني، إذ تتوجس من قدرة هذه القوات على إغلاق مضيق هرمز في حال فرض عقوبات على صادرات النفط الإيراني، وهو ما يقوّض القوة الأمريكية في المنطقة، ويفقد أمريكا ورقة ضغط على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أن أكثر ما يثير فزع أمريكا هو توسع نطاق النشاطات البحرية الإيرانية خارج الخليج الفارسي ليشمل المياه الحرة بدءاً من بحر عمان وحتى المحيط الهندي، بل وصولاً إلى باب المندب على البحر الأحمر.
وإلى جانب تعزيز قدراتها، تعمل القوات البحرية للحرس الثوري على إرساء التعاون مع دول الجوار، حيث شاركت هذه القوات في العديد من المناورات البحرية في عمان وقطر في محاولة لإيجاد منظومة أمن إقليمي لا يستند إلى قوة أجنبية، كما ساهمت قوات الحرس الثوري، بتخليص وإنقاذ عشرات السفن سواء الشرقية أم الغربية من القراصنة في المياه الحرة، خاصة أمام السواحل الصومالية.
إن اقتدار القوة البحرية للحرس الثوري، أكسب إيران أهمية استراتيجية كبيرة، ومن المتوقع أن تواصل إيران تعزيز قدراتها في هذا المجال، ما يجعلها في صف الدول الأولى في القوة البحرية في العالم.  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here