نفّذت السلطة الوطنية الفلسطينية بالأمس تهديدها لأمريكا، برفع شكوى ضدها أمام محكمة العدل الدولية، بسبب نقل سفارتها إلى القدس المحتلة وانتهاكها للقانون الدولي، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يمكن للجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في لاهاي أن تحقق للفلسطينيين؟، خاصة وأن واشنطن كانت قد هددت الهيئة الدولية بمحاكمة قضاتها ومعاقبتهم ومصادرة أموالهم إن هم تجرؤوا على المسّ بأمريكا أو “إسرائيل” أو أيّ من حلفائها.
سجل أمريكي حافل بالممارسات الإجرامية
قضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والدور غير النزيه في القضية الفلسطينية عموماً هو فقط أحد فصول التجاوزات الأمريكية بحق شعوب العالم، فلدى الإدارة الأمريكية سجل حافل بالممارسات الإجرامية، حيث قادت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية أكثر من 75 صراعاً وتدخلاً عسكرياً لاحتواء ثورات التحرر وتثبيت الطغاة، واستخدمت جميع أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، والممنوعة وفق مواثيق دولية في اعتداءاتها على الشعوب، والمثال الأكثر صرامة هو استخدامها القنابل الذرية ضد اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، كما استخدمت السلاح الكيميائي في فيتنام، وارتكبت أمريكا الكثير من جرائم الحرب في العراق وأفغانستان والصومال.
ومنذ هجمات 11 سبتمبر أطلقت الإدارة الأمريكية موجة من أعنف حروبها تحت مسمى “الحرب على الإرهاب” والتي بدأت باحتلال أفغانستان في نوفمبر 2001 ثم احتلال العراق في ابريل 2003 بدعوى واهية بحجة أسلحة الدمار الشامل والتي اعترفت لاحقاً بكذبها.
 وبعد غزوها لأفغانستان، افتتحت أمريكا معتقلاً في قاعدة غوانتنامو البحرية الكوبية، فيما لا يزال 600 أسير محتجز فيه دون اتهام أو محاكمة وترفض واشنطن أن تعترف لهم بوضعية سجناء الحرب عملاً بمعاهدات جنيف أو أن تقرّ لهم بحقوق أخرى تنصّ عليها المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
وأحصت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان أكثر من مئة ألف قتيل على الأقل من المدنيين منذ عام 2007 إلى يوليو 2011. وسجّل “مشروع إحصاء أعداد الضحايا في العراق” نحو 115 ألف قتيل من المدنيين في تبادل إطلاق النار من عام 2003 إلى أغسطس 2011، كما أن الجرائم والتجاوزات بحق معتقلي سجن أبو غريب في العراق، تبقى شاهداً على الوحشية التي تعاملت بها أمريكا مع شعوب العالم، هذا عدا عن الدور الذي لعبته في إيجاد تنظيم داعش الإرهابي في كل من سوريا والعراق، والذي اعترف ترامب خلال حملته الانتخابية بمسؤولية إدارة أوباما فيه.
كما تسببت الهجمات التي قامت بها طائرات الدراون الأمريكية على أهداف مختلفة في اليمن وباكستان تحت عناوين “مكافحة الإرهاب” بسقوط آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء.
هل تفلح الجنائية الدولية بمحاسبة أمريكا؟
الجواب على هذا السؤال يتوقف على عاملين: الأول هو مدى قدرة محكمة الجنايات الدولية على محاسبة أمريكا، والعامل الثاني هو مدى نزاهةهذه المحكمة:
1- قدرة المحكمة الدولية:
بالرغم من أن التاريخ الحديث يشهد بأن أمريكا بوصفها قوى عالمية كبرى، لم تخضع يوماً للقانون الدولي، وتاريخها الإجرامي الطويل بقي من دون محاسبة، بل إن الهيئات الدولية كانت دائماً منحازة للمصالح الأمريكية، ووسيلة لمعاقبة خصومها، إلا أن مراقبين يرون أن التوعّد الصادر عن الإدارة الأمريكية بمعاقبة المحكمة الجنائية الدولية، لهو دليل على خشية واشنطن منها. وبالرغم من أن قرارات هذه المحكمة لن تكون ملزمة لأمريكا، كونها غير عضوة فيها، إلا أنها ستجعل الساسة الأمريكيين عرضة للملاحقة في الدول الموقعة على ميثاق المحكمة، وستعزز الصورة السلبية لأمريكا في العالم، كما أن توجيه أي تهمة قانونية لأمريكا من قبل المحكمة الدولية، سيؤدي إلى تقويض الأفعال العسكرية لها بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن، وهذا قد يفتح عليها ملفات أخرى ما زالت مغلقة كالملف السوري وتسليحها لفصائل معارضة، وكذلك اليمن والعراق، وما يترتب عليه من دفع تعويضات لتلك الدول.
2- نزاهة المحكمة الدولية:
من ناحية أخرى يرى مراقبون أنه حتى في حال كانت محكمة الجنايات الدولية قادرة على ملاحقة أمريكا، فهل ستكون نزيهة؟، وهل ستكون مصانة من الضغوط الأمريكية؟ إذ إن التجربة التاريخية في العصر الحديث تثبت بأن هذه الهيئة الدولية مارست دوراً سياسياً لمصلحة الغرب في القضية الليبية عام 2011، حيث صدرت مذكرة توقيف واتهام للرئيس الراحل معمر القذافي وابنه سيف الإسلام واللواء عبدالله السنوسي في مدة زمنية لم تتجاوز الأسبوع، إضافة إلى قضية الرئيس السوداني عمر البشير التي لم تستغرق سوى ثلاث أسابيع لاستصدار الحكم في حين تستغرق أعمال التحقيق في هكذا قضايا مدة سنوات، كما أن أداء المحكمة تجاه قضية الاضطهاد الذي تعرّض له مسلمو الروهينغا كان متباطئاً جداً بالرغم من وجود أكثر من دليل موثق وقانوني لعمليات قتل واغتصاب وترحيل وتطهير جماعي.
فالتحقيق الدولي يتباطأ ويتسارع وفقاً للدولة المتهمة، إذا كانت من الدول القوية أم الضعيفة، وعليه يبدو أن فرص محاسبة حقيقية لأمريكا، ستكون ضئيلة، فحتى لو كانت محكمة الجنايات الدولية قادرة على محاسبة أمريكا، فإنه من الصعب أن تكون نزيهة تجاه القضايا المرفوعة ضدها.   ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here