يبدو أن حادثة إسقاط الطائرة الروسية “إيل-20” قبالة مدينة اللاذقية الساحلية السورية، لن تمرّ مرور الكرام ويتضح هذا من خلال التصريحات الروسية المتكررة وعلى أعلى المستويات بأن “إسرائيل” هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن إسقاط هذه الطائرة، واليوم جددت وزارة الدفاع الروسية هذا الكلام وأكدت أن مسؤولية إسقاط الطائرة تقع على الجانب الإسرائيلي، وهذا ما يفتح باب التساؤل مجدداً حول مستقبل العلاقة بين روسيا والكيان الاسرائيلي وكيفية التعاطي الروسي مع التجاوزات المتكررة من الطرف الاسرائيلي تجاه سوريا وسيادتها؟!.
تفاصيل إسقاط الطائرة وتداعياتها
قدمت وزارة الدفاع الروسية اليوم شرحاً مفصلاً كشفت من خلاله تفاصيل إسقاط طائرتها بسوريا، وقال المتحدث باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف -اليوم الأحد بمؤتمر صحفي – إن قيادة القوات الجوية الإسرائيلية أبلغت قيادة القوات الروسية في سوريا بالضربة القادمة على مواقع سورية لمنع التصادم العسكري.
وأضاف إن المعلومات التي وصلت من ممثّلة هيئة الأركان العامة للقوات الجوية الإسرائيلية كانت تفيد بأن “إسرائيل” سوف تُغير على مواقع بشمال سوريا بعد دقائق، ولكن بمرور دقيقة واحدة، شنّت أربع مقاتلات إسرائيلية “أف 16” غارات جوية على منشآت صناعية بمحافظة اللاذقية بقنابل “جي بي يو 39” موجهة.
وأوضح كوناشينكوف أنه بهذا التصرف فإن الطرف الإسرائيلي قام بإخبار القوات الروسية بتنفيذ عمليته العسكرية ليس بشكل مسبق بل تزامناً مع بدء الغارات، ولم تشن القوات الجوية الإسرائيلية غاراتها بالمناطق الشمالية في سوريا “كما أخبرتنا بل في ريف اللاذقية التي تقع بمنطقة الساحل الغربي السوري”.
وتحدث كوناشينكوف عن أن طاقم الطائرة الروسية تعرّض لتضليل من الجانب الإسرائيلي، حيث لم يمنح تلك الطائرة “فرصة الخروج لمنطقة آمنة” مضيفاً: إنه لم يتمْ الإخبار بمكان وجود المقاتلات “أف 16” الإسرائيلية، وشدد كوناشينكوف على أن هذه الأعمال تعتبر انتهاكاً مباشراً للاتفاقيات الروسية الإسرائيلية الموقّعة عام 2015 “للحيلولة دون وقوع حوادث تصادم بين قواتنا المسلّحة في سوريا.
التداعيات
لا يمكن أن ننكر بأن العلاقة بين روسيا والكيان الاسرائيلي جيدة وجيدة جداً وهناك تنسيق بينهما على كل المستويات، إلا أن مجموعة التطورات الأخيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط فرضت معادلات جديدة كان لها علاقة بشكل مباشر بطبيعة الميدان في الدول التي تشهد حروباً أهلية معقدة مثل سوريا والعراق، وبما أن الأزمة السورية وصلت إلى خواتيمها لمصلحة الحكومة السورية الرافضة لأي علاقة مع كيان الاحتلال وتعتبره حتى اللحظة كياناً محتلًا لا يمكن التفاوض معه بأي شكل، واليوم الحكومة تتحدث من موقع قوة بعد سيطرتها على أغلبية أراضي البلاد ولديها حلفاء أقوياء مثل روسيا وإيران والصين وغيرهم وبالتالي ليس لديها أي دافع للتنازل لإسرائيل وما حصل يجعلها تمضي أكثر في مشروعها المقاوم لكيان الاحتلال.
روسيا تعلم جيداً مدى خطورة “إسرائيل” على المنطقة لكنها تعالج هذا الأمور بروية وذكاء عالٍ لتجنب الوقوع في حروب طاحنة يخسر فيها الجميع، و”إسرائيل” تعلم بأن روسيا لن تتخلى عن حليفتها الاستراتيجية “سوريا” وكذلك الأمر بالنسبة لـ”ايران” التي تشترك معها بنفس الرؤية بالنسبة للعديد من القضايا الدولية وهناك مصالح مشتركة بين البلدين لا يمكن إغفالها أو إلغاؤها، وبالتالي موقف “إسرائيل” ضعيف أمام روسيا في هذه الملفات وبعد أن باءت جميع محاولاتها بالفشل بإقناع الجانب الروسي بالتخلي عن سوريا وإيران تعمد اليوم لتوجيه ضربات غير مباشرة لموسكو، لتكون بمثابة تحذير لها لعدم الغرق في الدفاع عن سوريا، وصلت الرسالة إلى روسيا لكن الرد لم يكن متوقعاً.
نبدأ بالرد المباشر والذي جاء التصريح عنه عبر وكالة إنترفاكس الروسية التي أكدت إغلاق عدد من المناطق في المياه الدولية شرق البحر المتوسط وفوقها أمام الرحلات الجوية والملاحة البحرية، قرب سوريا ولبنان وقبرص، في الفترة ما بين 20 و 26 من الشهر الحالي، مرجعة ذلك لإجرائها مناورات بحرية، والغريب أن موسكو اتخذت هذا القرار رغم أنها قبل أسبوع نفّذت مناورات عسكرية مشابهة بالمنطقة، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن القرار يستهدف بالدرجة الأولى الجانب الإسرائيلي الذي لم يعد بإمكانه التحليق فوق الأجواء السورية كيفما يشاء.
الأمر الثاني: “إسرائيل” اليوم متخوفة جداً من أن تزوّد موسكو دمشق بنظام الدفاع الجوي “اس 400” والذي سيكون بمثابة ردّ فعلي على جميع الغارات التي شنتها “إسرائيل” على سوريا خلال عمر الأزمة، وسيمنع طائرات الاحتلال من التجوّل قرب السماء السورية بحرية، وسيكون إسقاط أي طائرة إسرائيلية تقترب من حدود سوريا غاية في السهولة، لذلك وجدنا أن “إسرائيل” أرسلت على الفور وفداً إلى موسكو بقيادة سلاح الجو عميكام نوركين لتخفيف حدة التوتر وتوضيح ملابسات الحادثة ولكن دون جدوى فقد أصرّت موسكو على تحميل “إسرائيل” مسؤولية هذا العمل الإجرامي وأكد الكرملين حينها أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يخطط للقاء قائد سلاح الجو الإسرائيلي.
الأمر الثالث: بالرغم من العلاقات الجيدة بين روسيا و”إسرائيل” إلا أن الأخيرة لا تريد أن تتواجد موسكو في المنطقة لكونها تقوّض مصالحها وأهدافها العدوانية، ويجعل حلفاءها في سوريا وإيران أقوى من أي وقت مضى، ولكن هذه حقيقة على “إسرائيل” تقبّلها وما يجري اليوم في الشرق الأوسط سيكون للمحور القادم من موسكو عبر طهران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى مياه البحر الأبيض المتوسط وهذا آخر ما كانت تتمناه “إسرائيل” بعد 70 عاماً من الاحتلال والإجرام. ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here