المجتمع الإسرائيلي ليس كما كان، هناك مشكلات بنيوية عميقة داخله بدأت تطفو على السطح بشكل كبير لم يعد بالإمكان إخفاؤها مهما تضافرت جهود الحكومة الإسرائيلية والإعلام للتغطية على ما يجري من مشكلات اجتماعية داخل “إسرائيل”، والحلول أصبحت عقيمة أمام ضخامة المشكلة التي يتم تفريغها عبر تكبير وهم “العدو” الخارجي الذي يريد أن يفتك بهذا المجتمع لإجباره على الالتحام والتعاضد فيما بينه، ولكن إلى متى؟!
“إسرائيل” تحتضر من الداخل
يقال بأنه ما بني على خطأ فهو خطأ، و”إسرائيل” منذ نشأتها وهي معجونة ببذور الانقسام والصراع المجتمعي، والأسباب كثيرة في هذه المضمار، من أبرزها الاختلاف في الهويات، والانتماءات الثقافية، والفكرية، والجغرافية، والمجتمعية بتعدد الدول التي انتقل أو ينتقل منها اليهود إلى الأراضي الفلسطينية، وهذا ما ظهر جليًّا في ظهور تباينات مجتمعية تحت مسميات مختلفة في مختلف مراحل حياة الكيان الصهيوني، فحسب الأصول ينقسم المجتمع الصهيوني بينالإشكنازي”، و”السفارديم” و”الفلاشا”، وكذلك سياسيّاً منقسم بين اليمين واليسار والوسط، وفكريّاً ودينيّاً هناك متدينون (حريديم) وعلمانيون، وقوميّاً وعِرْقيّاً كاليهود والعرب.
لا توجد هوية موحدة في “إسرائيل” وهذا كفيل بأن يكون من الصعب على الحكومة بناء مجتمع موحد له نفس الهموم والأهداف، ولم يعد الرابط الديني وحده كفيلاً بإبقاء هؤلاء “اليهود” القادمين من أكثر من 100 دولة على نبض قلب رجل واحد، خاصة في ظل ظهور شريحة علمانية ويسارية كبيرة أصبح من الصعب إقناعها بالأفكار التي نشأت عليها “الدولة اليهودية” لذلك وجدنا خلال الأعوام الماضية هجرة معاكسة من داخل الكيان الإسرائيلي إلى أوروبا وغيرها من الأماكن، فانتماء هؤلاء المهاجرين إلى ثقافات مختلفة عن ثقافة الناس الذين اجتمعوا معهم فضلاً عن اختلافها عن ثقافة الشرق نفسه، ناهيك عن انعدام الأمن هناك والشعور الدائم بالخطر جعل هؤلاء يبحثون عن أماكن أكثر أمناً وتناسب ثقافتهم أكثر من الوهم الذي صنعته لهم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
وتتحدث عن هذه الحالة المزرية التي وصل إليها المجتمع الإسرائيلي الكاتبة اليهودية ياعيل دايان ابنة موشي دايان في كتابها المعنون بـ”وجه المرأة” بشكل أدق، حيث تقول: “ما بين التصدع القومي والتصدع الديني والطائفي والطبقي، تتشكل عوامل انهيار دولة إسرائيل” في المستقبل، أو على أقل تقدير دخولها في دوامات الصراع الداخلي… نحن نعيش فوضى مطلقة في مجتمعنا”.
محاولات “إسرائيلية” إسعافية
بالرغم من التفرقة التي يقوم بها كيان الاحتلال بحق اليهود القادمين من إفريقيا على وجه الخصوص وتفضيل الآخرين عليهم، إلا أنه اليوم أصبح بأمس الحاجة للجميع في ظل فشله في ضبط جبهته الداخلية والخارجية، وإحساسه بأن الأمور ليست في مصلحته بالرغم من الخلل الذي يحدث في الدول المجاورة لفلسطين المحتلة، ولذلك وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أمس الاثنين، على قرار يسمح بهجرة ألف يهودي إثيوبي من “الفالاشامورا” إلى “إسرائيل” بحجة لمّ شمل الأسر المنقسمة بين “إسرائيل” وإثيوبيا.
وقال نتانياهو خلال اجتماع لجنة وزارية تبحث الصعوبات التي تواجه اليهود الإثيوبيين من حيث الاندماج “سنسمح بهجرة ألف من الفالاشامورا الذين يعيش أبناؤهم في “إسرائيل.
وأضاف: “لن نقبل بأي نوع من العنصرية تجاه اليهود اللإثيوبيين وسنحارب هذه الظاهرة” على حد تعبيره.
حديث نتنياهو عن العنصرية يمثل اعترافاً واضحاً بعنصرية هذا الكيان تجاه البعض على حساب البعض الآخر، فمثلًا بالمقارنة بين حالة يهود الفلاشا أي المهاجرين اليهود ذوي الأصول الإثيوبية، وبين حالة المهاجرين اليهود السوفيت، الذين انضموا إلى “إسرائيل” في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نجد أن الدولة قامت باتخاذ تدابير عنصرية مع يهود الفلاشا، فقامت بعزلهم عن باقي المجتمع بحجة الأمن، بالإضافة إلى العنصرية في التعامل، والوظائف الحكومية، والخدمات المقدمة لهم، وعلى النقيض تماماً.. نجد أن حالة اليهود السوفيت اتخذت فيها الدولة تدابيراً استيعابية أكثر وذلك من أجل الاستفادة من القدرات العلمية والعملية من اليهود السوفيت.
وبالطبع نتيجةً لذلك لن يكون هناك انتماء/هُوية لهؤلاء الفلاشا، وعلى العكس أصبح السوفيت الأسرع في عملية الاندماج في المجتمع، وكما يبدو.. نستطيع أن نستنتج أن المجتمع الإسرائيلي عنصري، وبلا هوية محددة، ولا تمارس الدولة أعمالاً تؤهل حقاً لتوحيد الهُوية الإسرائيلية.
حالياً يعيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 140 ألفاً من اليهود الإثيوبيين، بينهم أكثر من 50 ألفاً من مواليد “إسرائيل”، ينحدر معظمهم من مجتمعات ظلت معزولة عن العالم اليهودي طوال قرون، وقد اعترفت بهم السلطات الدينية الإسرائيلية في وقت متأخر، وكان نحو 80 ألف يهودي إثيوبي هاجروا إلى “إسرائيل” عبر جسرين جويين تم تنظيمهما عامي 1984 و1991.
ويعتبر الفالاشامورا أنفسهم يهوداً ينحدرون من إثيوبيا، إلا أنهم لا يستفيدون من قانون العودة الذي يسمح لأي يهودي في الشتات بالهجرة إلى “إسرائيل” ليصبح مواطناً بشكل تلقائي، وقد أرغم هؤلاء على اعتناق المسيحية إبان القرن التاسع عشر.
نتنياهو يشعر بالخطر بعد اقتراب الأزمة السورية من نهايتها وفشل الجماعات الإرهابية المسلحة في حسم الأمور لمصلحتها في جميع الأراضي السورية، حتى أن خطة التقسيم أصبحت من الماضي لذلك قد يخشى نتنياهو من أي معركة قادمة في الجبهة الشمالية أو الجنوبية لأن محور المقاومة أصبح اليوم أقوى من أي وقت مضى بالرغم من جميع المحاولات لتفكيكه.ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here