خلال العقد الماضي، أضحت مراكز حاضنات الأعمال من أبرز المراكز التي تساعد الدول على تقوية اقتصادها وذلك عبر احتضان أفكار شبابها الطامح والمبدع ما يجعل ريادة الأعمال من أهم عناصر التنمية في الاقتصادات الحديثة، وفي سبيل إنجاح ذلك تقوم الحكومات العالمية بالتنسيق مع شركات متخصصة في العديد من المجالات من أجل خلق بيئة تتماشى مع خصائص المحيط وذلك في سبيل تعزيز مفهوم الاقتصاد القائم على المعرفة التطبيقية، وتقوم هذه الشركات والمراكز بتبني ابتكارات وأفكار الشباب وتوجيهها بالاتجاه والمسار الذي يلبّي ويوائم صفاتهم وقدراتهم، ونقل التكنولوجيا والخبرات لتتقاسمها مع شركات جديدة يقودها شباب مبدع يحتاج لكل أنواع الدعم.
ونظراً لأهمية هذا المجال، ولعبه دوراً مهما في اقتصادات الدول، بدأت العديد من الحكومات العالمية بإعادة النظر في أنظمتها التعليمية والتدريبية وإضافة بعد جديد يستهدف إثارة اهتمام الطلاب أو المتدربين أو الخريجين من الشباب وتنمية قدراتهم وتوجيههم نحو خيار العمل لحسابهم الخاص، وتأسيس مشاريع كخيار بديل أو موازٍ لخيار العمل بأجر لدى الغير، ومن هنا سوف نتناول في مقالنا التجربة الإيرانية فيما يخص مراكز حاضنات الأعمال والدور الكبير الذي تلعبه في تقوية الاقتصاد الإيراني.
حاضنات الأعمال في الاقتصاد الإيراني
تكشف أحدث التقارير الصادرة مؤخراً عن معهد “ريادة الأعمال والتنمية العالمية” الإيراني أن مراكز حاضنات الأعمال تشهد تطوراً ملحوظاً في السوق الإيرانية، بحيث تم إنشاء أكثر من 3800 شركة في هذا الاتجاه، كان لها أثر كبير على المبيعات والصادرات الإيرانية، حيث سجلت 60 ألف مليار تومان إيراني على الصعيد الداخلي و450 مليون دولار على صعيد الصادرات الإيرانية الخارجية في مجالات كثيرة أبرزها كان في مجال “التكنولوجيا الحيوية” التي تعدّ من أبرز وأهم الشركات الناشئة في الشرق الأوسط.
من ناحية أخرى، وبسبب تطور وتقدّم الجمهورية الإسلامية في إيران في هذا المجال، حصدت إيران خلال العام الماضي المرتبة 72 عالمياً متقدمة 13 مرتبة بعد أن كانت في المرتبة 85. ومن هنا، ومع هذا الارتقاء، تمكّنت الجمهورية الإسلامية من تحديث نظامها الريادي عن العام السابق، وهي من بين الدول العشرة الأوائل من حيث تحسين نظامها الخاص بتنظيم المشاريع، والذي يقع في مكان أعلى من دول مثل إيطاليا وبولندا وكندا وإيرلندا وكوريا الجنوبية، كما تحتل إيران المركز الحادي عشر بعد تقدمها 3 مراتب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومع هذا التقدم، يعتقد الخبراء الإيرانيون أن شركات حاضنات الأعمال، بغض النظر عن مدى نجاحها في سوق العمل، لا يمكن تقييم نجاحها الآن لأنها في بداية الولادة والتحوّل، ومن أجل الوصول إلى المراكز الأعلى، يجب عليها أن تمرّ في مجموعة خطوات رئيسية، ويرى الاقتصاديون، بحسب تقرير معهد “ريادة الأعمال والتنمية العالمية”، أن من أبرز التحديات التي تقف في وجه تقدم ونجاح هذه المراكز هي قلة رؤوس الأموال والاستثمارات في هذا المجال، بحيث يشكّل هذا التحدي نسبة 32.1 من مجمل المشكلات التي تواجه الشركات في إيران، كما ويشكل نقص القوى العاملة الماهرة والمبدعة 14.2 في المئة من هذه التحديات، و14.6 في المئة تتعلق بقضايا قانونية، و11.3 في المئة تتعلق بمشكلات منظمتيه، من ناحية أخرى، تشكّل التحديات التي تتعلق بمجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نسبة 10.4 في المئة من هذه التحديات، و2.3 في المئة تتعلق بتحديات البنية التحتية التقنية، و5.2 في المئة تتعلق بالقضايا الثقافية والاجتماعية، و9.9 في المئة ترتبط بضعف سياسة الحكومة الإيرانية.
ومن هنا، ومع الأخذ بعين الاعتبار المزايا والتحديات التي تواجه هذه الشركات في إيران، يبدو  أن الحاجة إلى دعم الحكومة الإيرانية لهذه الشركات كبيرة جداً، حيث يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في عقد صفقات مع الدول المجاورة من أجل جذب رؤوس الأموال أو العمل على تحسين صورة هذه الشركات في المنطقة والعالم.
كما ويرى الاقتصاديون في إيران، أنه من أجل تنمية هذه الشركات وتطور عملها وأثرها على الاقتصاد الإيراني، يجب على المستثمرين الإيرانيين الاعتماد على هذه الشركات عوضاً عن الشركات الخارجية، ومن خلال القيام بذلك، سيتكمن الإيرانيون من وقف التهديدات الاقتصادية الخارجية عبر تسلل الأعداء إلى المراكز الاقتصادية والتكنولوجية الحساسة، فضلاً عن الأرباح الضخمة التي سيحققونها من خلال تنفيذ هكذا استراتيجية في البلاد، الأمر الذي يسهم كثيراً في تطور الموقع التكنولوجي للبلاد، وهذا ما أشار إليه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، السيد علي الخامنئي، الذي قال: على البلاد التخلص من الاقتصاد الذي يعتمد على النفط والاعتماد على الشباب المتعلم والمبدع ما يساهم في تطوير اقتصاد البلاد، وجاء ذلك تحت عنوان “الاقتصاد المقاوم”، ومن هنا يعتقد العديد من الخبراء ورجال الدولة أن هذا النوع من الشركات يمكن أن يكون ذا فائدة كبيرة في الحالة الراهنة للاقتصاد الإيراني، كما أنها تعدّ دعامة قوية للاقتصاد المقاومة.
ختاماً، مما تقدم نرى أن شركات حاضنات الأعمال تحوز أهمية كبيرة لدى مختلف الدول العالمية، بحيث إنها تعدّ محرّكاً ودافعاً أساسياً لتغيير ثقافة المجتمع إلى ثقافة الأعمال، كما تمثّل أحد المداخل الأساسية للتطور الاقتصادي لمختلف المجتمعات، إلا أن الواقع العربي في هذا المجال اليوم يظهر عكس ذلك، ويظهر عدم اهتمام رؤساء وحكام الشعب العربي بشعوبهم و مواطنيهم، حيث تشير الأرقام بحسب آخر الإحصاءات إلى أن عدد شركات حاضنات الأعمال لا يزال ضئيلاً جداً، ففي مصر مثلاً يبلغ عدد الشركات 10، وفي الأردن يبلغ عددها 24 أو غيرها من الدول العربية، وهذا يظهر الجهل العربي في أهمية استثمار هكذا نوع من الشركات في سبيل تطوير اقتصادها وإيجاد فرص عمل للشباب العربي الذي يفرّ إلى الدول الغربية التي تستغله وتنجح في الاستفادة من إبداعاته لمصلحتها.  ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here