تشنّ السعوديّة منذ سبتمبر الماضي اعتقالات واسعة طالت كبار الأمراء والدعاة ورجال الأعمال. ورغم أن اعتقال الأمراء استحوذت على حصّة الأسد إعلامياً، إلا أن النصيب الأكبر من حملات الاعتقال طال الدعاة فقد وثّق حساب معتقلي الرأي اعتقال 105 مواطنين، من الدعاة والنشطاء والأكاديميين والكتاب السعوديين خلال عام واحد.
ورغم انتماء  شريحة واسعة منهم إلى ما يسمّى  بـ”تيار الصحوة”، إلا أن الكثير من المعتقلين كانوا من المطبّلين للنظام السعودي في السنوات الفائته، بل كانوا الحربة التي يستخدمها النظام في مواجهة أي محاولات لشقّ الطاعة. لكن بن سلمان ومنذ صعوده إلى سلّم ولاية العهد يشن هجوماً عنيفاً على الدعاة والأمراء بل حتى رجال الأعمال، وكل من يمكن أن يشكّل ورقة قوّة أو ضغط في مواجهة قرارته.
حاول ولي العهد الجديد اقناع الشعب بالاصلاحات الاجتماعيّة والتحرّر وخلع الثوب السعودي “المتزمّت”، كبّل الدعاة الذي انتهج بعضهم التسبيح بحمده، فيما لزم آخرون الصمت وأما من فكّر بالاعتراض فكان السجن بانتظاره. لاحقاً أوجس خيفة من الأمراء السعوديين، فشكّل هيئة مكافحة الفساد ونجح في التشفّي من جميع الأمراء في فندق الريتز.
بعيداً عن الوهم الذي باعه بن سلمان للشعب السعودي عبر بوابة الاصلاحات الاقتصادية ورؤية 2030، وبصرف النظر عن الفشل العسكري في العدوان على اليمن والذيّ كلّف البلاد والعباد فاتورة هي الأقسى منذ تأسيس السعودية، لا بدّ من الإشارة إلى جوانب أخرى في تجربة بن سلمان وكسره لقواعد ومحرّمات كانت راسخة وثابتة، نذكر منها:
أوّلاً: نجح بن سلمان في كسر شوكة أمراء آل سعود التي ترسّخت منذ ولادة الدول السعوديّة الثالثة بداية القرن الماضي. فقد شكّلت مجزرة الأمراء أرضية خصبة لتعذيب الأمراء السعوديين على أيدي ضباط بن سلمان الذي استخدموا حربته في اعتقال أمراء الصفّ الأول، بعد أن كان محرّماً في السابق على روؤساء هؤلاء الضباط الإشار إلى أمير من الدرجة الثالثة، فكيف باعتقال وتعذيب وإذلال أمير من الدرجة الأولى؟
ثانياً: جانب آخر كرّسه بن سلمان اليوم يتعلّق بكسر الشوكة الوهابيّة التي ذاق الشعب السعودي مراراتها طول قرون مضت. وفي الحقيقة، لا يريد في سلمان إنهاء دور هذه الحركة التي قدّمت للعائلة السعوديّة الحاكمة الكثير على صعيدي الداخل والخارج، بل يريد تكبيلها داخلياً خشية التواطؤ مع أي فريق من الأمراء يخرج على سلطان “ولي العهد”، كون هذا التواطؤ سيؤدي إلى وقوف جزء من الشعب في وجه بن سلمان الذي فشل في تحقيق وعوده الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
ثالثاً: ولكن من غير الصواب حصر الدعاة المعتقلين بالحركة الوهابيّة، بل إن الجزء الأكثر شهرة منهم هم من أتباع تيار الصحوة الذي يبدي أرائه السياسيّة، بخلاف ما يهوى السلطان. إن هذا التيار هو الأخطر في أجندة ولي العهد نظراً لإمكانيّة ارتباطه مع تيارات تعادي سياسيات بن سلمان الإقليمية. باتت حركة هؤلاء من أشدّ المحرّمات في القاموس السعودي، حيث يتعرض كل شخص يبدي أي تعاطف ولو كان انسانياً مع هؤلاء الدعاة إلى الاعتقال الفوري.
رابعاً: ربما سمح بن سلمان ببعض الحريات كقياة المرأة للسيارة أو غيرها من الحريات المقيّدة، ولكن ماذا عن الحريات الأخرى؟ على سبيل المثال لا الحصر، توضح منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدوليّة أن سبب اعتقال الداعية السعودي سلمان العودة يعود لرفضه إملاءات سلطات بلاده بكتابة تغريدة تؤيد حصار قطر، وقيامه بكتابة تغريدة تدعو لإصلاح العلاقات الخليجية.
حساب حقل الاعتقالات، لم يكن كحساب بيدر بن سلمان، الاعتراضات لم تهدأ أبداً، بل ترتفع شيئاً فشيئاً الأمر الذي تسبّب بأزمة دبلوماسيّة غير مسبوقة مع كندا، واعتراضات أخرى بسبب الجرائم بحقّ أطفال الشعب اليمني، وبين هذا وذاك يبقى مشروع بن سلمان معلّقاً دون تحقيق أهداف المرجوّة تزامناً مع ارتفاع وتيرة حلقات الاعدام. نعم، ما حقّقه بن سلمان اليوم هو كسره للهيبة التي كان يتمتّع بها الأمراء السعوديون خلال العقود السابقة، وما حقّقه أيضاً أنه كسر شوكة الوهابية في المجتمع، رغم ان اضمحلالها يحتاج إلى وقت ليس بالقصير. هذه الأمور بشكل أو بآخر تؤكد ما ذكرته مجلّة نيوز ويك الأمريكية أن النظام السعودي يعاني من مخاطر الانهيار البطيء في ظل ولي العهد محمد بن سلمان، بل ربّما يحصل ما توقّعته صحيفة التايمز البريطانيّة في عددها الأخير أن “أيام بن سلمان باتت معدودة”.
في الخلاصة، المشهد السعودي ليس على ما يرام بالنسبة لبن سلمان، وأي فتوى تطال ولي العهد كتلك التي طالت الرئيس التركي أردوغان من منظر تيار السلفية الجهادية أبو محمد المقدسي، ستجعل ولي العهد السعودي في وضع لا يحسد عليه. الجميع يخسر في السعوديّة حتى أولئك الذين نجحوا في الفرار إلى خارج المملكة أمثال الكاتب السعودي جمال الخاشقجي. ربّما ربحوا حريّتهم، إلى انّهم قد خسروا وطنهم إلى اجل غير مسمّى، ولكن بعضهم قد يقول “إلى ذلك الحين يموت الملك أو يموت جحا أو يسقط النظام الحاكم”!
السعودية, محمد بن سلمان, تيار الصحوة, الدعاة, الأمراء
ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here