في خطوة مفاجئة زار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم الأربعاء الماضي اسلام آباد عاصمة باكستان، وذلك للقاء رئيس الوزراء الجديد عمران خان ومحاولة طي صفحة الخلافات بين البلدين، وتعدّ هذه الزيارة الأولى لمسؤول أمريكي بعد فوز حزب الإنصاف المعارض للسياسة الأمريكية في المنطقة بالانتخابات البرلمانية ونجاحه في الحصول على الكتلة الأكبر ما سهّل لزعيمه خان الطريق في الوصول إلى رئاسة الحكومة.
أهداف الزيارة
قبل وصول وزير الخارجية الأمريكي إلى باكستان، رحّب بومبيو بتصريحات عمران خان حول محاولة تحسين العلاقات مع أمريكا، مؤكداً أنه يجب “إعادة ضبط” العلاقات بين البلدين. وتأتي هذه الزيارة والتصريحات الأمريكية في وقت تشهد فيه العلاقات بين الطرفين توتراً كبيراً إذ قامت أمريكا الأسبوع الماضي بوقف مبلغ 300 مليون دولار على شكل مساعدات إلى باكستان وذلك للضغط على الأخيرة اقتصادياً ودفعها إلى القبول بالشروط والأهداف الأمريكية في المنطقة، وخاصة في الموضوع الأفغاني الذي يعتبر أولوية أمريكية في آسيا الوسطى.
فمن الناحية الأولى، تعدّ باكستان أقرب طريق لتقدّم الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية وقوات الأطلسي الموجودة في أفغانستان (25 ألف مقاتل) وذلك عبر استخدام المطارات والطائرات والمروحيات الباكستانية، أما من الناحية الأخرى، تمثل قضية محادثات السلام في أفغانستان مجالاً آخر للحفاظ على اهتمام واشنطن بدور إسلام آباد ومحاولة مواءمته مع النهج الجديد للمحادثات المباشرة مع طالبان التي تم إطلاقها خلال الأشهر القليلة الماضية، ففي منتصف يوليو 2018، وبعد أن أصرّت طالبان على رغبتها في التحدّث مباشرة إلى أمريكا قبل الانضمام إلى طاولة المفاوضات، ذكرت وسائل إعلامية أن ترامب أرسل بومبيو إلى كابول لتوفير الشروط اللازمة لإنجاح هذه المحادثات، ومن هنا يرى البيت الأبيض أن باكستان هي واحدة من أهم الجهات المؤثرة على الساحة الأفغانية، وهي قادرة على المساهمة بشكل إيجابي في المحادثات، حيث لطالما رفضت إسلام أباد الحل العسكري في أفغانستان فيما يتعلق بطالبان وشددت على الحل السياسي.
ومن الأهداف الأخرى التي تطمع أمريكا لها من خلال تحسينها للعلاقات مع باكستان هي استمرار اسلام آباد في محاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعتبر أمريكا عدوها الأول والرئيسي، فأمريكا بنظرهم عدو الإسلام الأول، كما أنها تعمل مع الهند ضد باكستان، إضافة إلى المجازر التي ارتكبتها وترتكبها الطائرات الأمريكية بحق المدنيين حيث جعلت من الفكر الجهادي ينتشر بشكل كبير في باكستان ما يشكّل خطراً كبيراً على القوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان، لذلك فإن عدم القدرة (بسبب الانهيار الاقتصادي) أو تردد إسلام أباد في مواجهة هذه الجماعات هو أمر يخافه السياسيون الأمريكيون، حيث قرر الكونغرس في نوفمبر 2012 تقديم 320 مليون دولار على شكل مساعدات لباكستان لمواجهة هذه الجماعات الإسلامية.
ويعدّ أحد أهم الأهداف التي سعى بومبيو إلى تحقيقها خلال زيارته إلى اسلام آباد، هو منع باكستان من الانضمام إلى الحلف الصيني الروسي الإيراني، وفي مبادرة حسن نية أمريكية، سافر بومبيو أولاً إلى باكستان من ثم إلى دلهي وذلك لإيصال رسالة إلى القادة الباكستانيين مفادها أن أمريكا تقف في الحياد بين أزمات الطرفين، وقال بومبيو للقادة الباكستانيين: إن أمريكا مستعدة لإعادة المساعدات إلى باكستان لكن بشرط ابتعاد اسلام آباد وروسيا والصين وإيران.
الموانع في وجه عودة العلاقات الأمريكية الباكستانية
بالنظر إلى المستوى الحالي للخلافات بين أمريكا وباكستان، وعلى الرغم من تفاؤل وزيرة الخارجية الأمريكية حول تحسين العلاقات، يمكن القول إنه لأسباب متنوعة لا يمكن لهذه العلاقات أن تعود كما كانت في العهد السابق وذلك لأسباب عديدة وهي:
1- رئيس الوزراء الباكستاني الجديد، عمران خان، وعلى الرغم من أنه دعا إلى “علاقة موثوقة” مع أمريكا، إلا أنه خلال حملته الانتخابية أطلق شعارات معادية للسياسات الأمريكية في المنطقة وخاصة من ناحية تدخلها في المناخ السياسي الباكستاني، كما أن إعلان خان عن طموحه لإحداث علاقات “موثوقة” مع أمريكا يعني بشكل غير مباشر أن هذه العلاقات سيئة جداً وليس هناك ثقة بين الطرفين، كما أن مؤيدي عمران خان يرون في أمريكا عدوهم الأول وقد زاد هذا العداء بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض منذ عامين.
2- تبدل السياسة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب فيما يخص التعاطي مع الحلفاء، حيث قام الأخير بإلقاء الأعباء المالية والعسكرية على حلفائه دون الالتفات إلى أوضاعهم الاقتصادية. وفي هذا السياق أقرّ الكونغريس الأمريكي قراراً يقتضي بموجبه وقف المساعدات الأمريكية إلى أفغانستان بقيمة 330 مليون دولار امريكي، وهذا ما لم يعجب اسلام آباد والشعب الباكستاني الذي يشترط تبدّل هذا النهج مقابل عودة العلاقات مع أمريكا.
3- إن الإجراءات العملية للطرف الأمريكي في مباحثات السلام مع طالبان في أفغانستان ليست واضحة على الإطلاق، وخلال العام الماضي، بالإضافة إلى زيادة القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، زادت أيضاً عمليات هذه القوات، الأمر الذي يتعارض مع شعار السلام الذي تطلقه واشنطن، كما أنها تدير عمليات نقل مسلحي داعش إلى أفغانستان من أجل محاربة طالبان وخلق حالة من عدم الأمان والاستقرار في البلاد ما يؤثر على الأمن القومي الباكستاني، ولمعالجة هذا الأخطار، شارك مسؤولو الأمن الإيرانيين والباكستانيين والصينيين والروس في اجتماع أوائل يوليو 2018 لدراسة سبل مواجهة انتشار داعش، خاصة في أفغانستان وآسيا الوسطى.
4- اتخاذ أمريكا الهند (عدو باكستان الأول) حليفاً لها، ذلك من أجل تقوية الهند مقابل التوسع الصيني، ما جعلها تبحث عن حليف تستطيع من خلاله تعويض الخسائر التي منيت بها بعد وقف المساعدات الأمريكية ومنعها من الاقتراض من صندوق النقد الدولي، ومن هنا رأت اسلام آباد بيكين الحليف المناسب الذي يمكنه لعب دور كبير في تنمية الاقتصاد الباكستاني الفاشل، وقد استفادت باكستان بالفعل من الصين التي ضمتها لمشروعها الكبير “الحزام والطريق” الذي تسعى من خلاله بكين إلى السيطرة الاقتصادية على العالم.  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here