عن سابق إصرار وتصميم دون أن تخفي قباحة أفعالها تتجه “إسرائيل” نحو طمس الهوية الفلسطينية عن بكرة أبيها، مرّ 70 عاماً وهذه المحاولات مستمرة، واستطاع الغرب أن يسهّل الطريق للصهاينة ليعيثوا فساداً في بلاد المقدس ولكن صمود الفلسطينيين حال دون تمكّن الإسرائيليين من الوصول إلى مطامعهم في القضاء على التاريخ والجغرافيا، ولكن هذا لا يعني أن “إسرائيل” توقّفت عن المضي قدماً في هذا الاتجاه، وآخر هذه التصرفات تمثلت بمحاولة الكيان الإسرائيلي اقتلاع قرية “الخان الأحمر” البدوية شرق مدينة القدس المحتلة من مكانها.
استهداف قرية “الخان الأحمر” حرّك ضمائر الأحرار في جميع أرجاء المعمورة الذين انتفضوا في وجه العدو الإسرائيلي مدافعين عن حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم والدفاع عنها، وتحدّث الجميع عن أن ذلك يعرقل عملية السلام ويصعّد الخلاف والتوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين وقد يقود إلى انتفاضة جديدة لا حدود لها على طول الأراضي الفلسطينية المحتلة وقد ذاق الإسرائيلي مرارة هذه التجربة ولا يريد أن يعيد التجربة بالتأكيد ومع ذلك نجده يلعب بالنار عبر ممارسة لعبته القذرة في “التطهير العرقي” التي يستخدمها ضد أبناء فلسطين ولا يتوانى لحظة واحدة عن ذلك، أملاً منه في إنهاء الوجود غير الإسرائيلي في تلك البلاد والاستيلاء على كل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ومدينة القدس.
كيف يتصرف الفلسطينيون مع التوسع الإسرائيلي؟!
فلسطينيو “خان الأحمر” أثبتوا مقاومة وممانعة لا حدود لها في الدفاع عن أرضهم والذود عنها، فقد تصدّى أبناء “الخان الأحمر” بمشاركة ناشطين أجانب لمستوطنين من جماعة أم ترتسو المتطرفة وصلوا إلى مدرسة تجمع الخان الأحمر، في خطوة استفزازية لأهالي التجمع، الذين أقرّت محكمة الاحتلال العليا هدم وترحيل تجمعهم البدوي لمصلحة البناء والتوسع الاستيطاني.
واشتبك الفلسطينيون مع أعضاء الجمعية الاستيطانية المتطرفة بالأيدي، ونجحوا في منعهم من الوصول إلى داخل التجمع، وقال شهود عيان إن المستوطنين وصلوا إلى التجمع بعلم الشرطة الإسرائيلية التي تمركزت على الشارع القريب لتوفير الحماية لهم.
وحول آخر التطورات هناك، قال مدير دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير، وزير شؤون القدس في حكومة الوفاق الوطني، عدنان الحسيني، صباح يوم الجمعة: ” إن اقتحام مستوطنين وعربدتهم تحت أعين جنود الاحتلال في قرية الخان الأحمر المهددة بالهدم شرق القدس، تعبير عن انزعاجهم وامتعاض حكومتهم المتطرفة من وقفة الصمود والشموخ التي يقفها أهل القدس وأهالي الضفة الغربية في الخان الأحمر”.
وأوضح الحسيني أنه وعدد كبير من أبناء شعبنا يواصلون الاعتصام على أراضي الخان الأحمر لليوم الثالث على التوالي من أجل التصدي لأي محاولة لهدم قرية الخان الأحمر بعد قرار الحكومة الإسرائيلية العنصري القاضي بهدم القرية وإخلاء سكانها.
ما هو الخان الأحمر؟!
الخان الأحمر هو خان مبني بالطوب الأحمر القديم، بقيت آثاره إلى يومنا هذا وهو قريب من مقام النبي موسى، فيه آبار وسجن وغرف كبيرة ومرافق عدة، يعود إلى حقبة إسلامية قديمة أو إلى حقبة بيزنطية بسبب وجود توابيت قديمة على الطراز البيزنطي الفلسطيني، وكان يُعرف الخان باسم دير أفتيموس، نسبة لمار أفتيموس القديس المسيحي الذي أسس ديراً يضم كنيسة في المكان عام 428م، أو أنه سمي بذلك تبركاً باسمه، وقد جُدد في مراحل تاريخية عديدة، ويبدو أنه كان ضمن محطات الطريق بين أريحا والقدس، بدليل وجود خان أو نُزل فيه.
وقد طرد العدو الصهيوني سكان الخان من أرضهم بعد حرب عام 1948 حيث أعلنوها منطقة عسكرية، ثم أقاموا فيها مرافق تجسسية وعسكرية، وبعدها هاجر أهالي الخان إلى المنطقة التي يقطنوها حالياً، حتى أصبحوا يشكلون خطراً على الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن تزايدت أعدادهم، في منطقة يعتبرها الاحتلال منطقة عسكرية تقع ضمن الأحزمة الأمنية الاستيطانية الشرقية، وأنهم سيتحولون يوماً ما إلى خصم أمنيّ لكونهم فلسطينيين، ولأن سياستهم كانت تقضي بتفريغ كل أراضي منطقة البحر الميت من أي فلسطيني، وفصل جنوب الضفة الغربية عن وسطها وإقامة الجدار الفاصل الذي يسمح بضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الشرق لبلدية القدس الكبرى ذات الهوية اليهودية، ولذلك اشتدت عليهم الضغوط الصهيونية ولاسيما بعد حرب 1967م، واحتلال جميع الضفة الغربية، فقد ضيّق عليهم الاحتلال وحاصر حركتهم، بحجة أن وجودهم على طول الطريق الواقعة بين القدس وأريحا، وضيّقوا مساحة الرعي، ومطالبتهم بالرحيل، ولم يكتفوا بذلك بل جعلوا منطقتهم مكبّ نفايات وعوادم، وحرموا معظم خيامهم وبيوتهم المصنوعة من الزنك والصفيح من شبكة المياه والكهرباء، ولم يسمحوا بإقامة مدرسة ابتدائية لهم، وهو ما تحدّاه هؤلاء البدو وأقاموا فيها مدرسة فقيرة بدعم من المحسنين والمتضامنين، كما لا يوجد مركز صحي يخدم التجمّع، ورغم أن أراضي الخان الأحمر تعود إلى عائلات مقدسية من أبو ديس إلا أن الاحتلال صادرها وأعلنها ضمن أراضي “الدولة” وأصدر العديد من القرارات بإخلائها من السكان لتوسيع المستوطنات وإقامة مشروعات.
تنديد بتحركات الاحتلال وقراراته
أثار قرار المحكمة الإسرائيلية إخلاء وهدم تجمع الخان الأحمر شرق مدينة القدس موجة من الاستنكار والإدانة على مستويات ودوائر عدة، فلسطينية وعربية ودولية. وحذرت الأطراف المنددة من خطورة هذه الخطوة، باعتبارها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات المجتمع الدولي.
فقد ندد المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية خطيب المسجد الأقصى الشيخ محمد حسين، بقرار المحكمة الإسرائيلية هدم التجمع وإخلاءه، ووصفه بالقرار العنصري.
وناشد المفتي المواطنين بالتصدي لهذا القرار الظالم، ودعم صمود سكان التجمع في وجه سياسة التطهير العرقي التي تمارسها سلطات الاحتلال بحقهم، تمهيداً لتنفيذ مخططها الاستيطاني التوسعي “إي1” (E1الهادف إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بمدينة القدس المحتلة، وتوسيع حدود المدينة على حساب الفلسطينيين.
وطالب المفتي المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بضرورة التدخل العاجل لإلغاء هذا القرار التعسفي والجائر بحق سكان التجمع، الذين يعانون الكثير جراء التضييق والعقوبات المدروسة والمتواصلة عليهم منذ سنوات طويلة.
من جانبه طالب رئيس البرلمان العربي الدكتور مشعل السلمي المجتمع الدولي بالتدخل الفوري والعاجل وتحمّل المسؤولية القانونية والإنسانية لاتخاذ خطوات جادة وعاجلة، لإجبار قوة الاحتلال (إسرائيل) على الوقف الفوري لقرار تهجير السكان الأصليين لقرية الخان الأحمر وهدم منازلهم، إمعاناً في تنفيذ جريمة التطهير العرقي في تحدٍّ سافر لقرارات الأمم المتحدة بشأن حظر بناء المستوطنات.
وجاءت دعوة السلمي في بيان للبرلمان العربي أرسله إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن الدولي، ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي.
وفي تعقيبه على القرار، دعا مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف “إسرائيل” إلى الامتناع عن هدم قرية خان الأحمر البدوية وإجلاء سكانها، وكتب في حسابه على تويتر “إن عمليات الهدم تقوّض حلّ الدولتين وتتعارض مع القانون الدولي”.
كما هاجمت وزارة الخارجية الفلسطينية القرار وطالبت بالتدخل الدولي، وقالت: إن “القرار يثبت أن النظام القضائي في إسرائيل يخضع للقيادة السياسية، وبالتالي يجب على المحكمة الدولية التدخل ضد هذه السياسة والأمر بإجراء تحقيق ضد إسرائيل”.
من جانبها، قررت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية نقل طلبة الأغوار للدراسة في مدرسة الخان الأحمر، ابتداء بطلبة النبي موسى، ردّاً على القرار الإسرائيلي، مؤكدة على حق الطلبة في التعليم وضمان وصولهم إلى بيئة تعليمية آمنة ومستقرة.  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here