كنوز ميديا –  عقب ذلك بدأت تكثر الأحداث الميدانية، والسياسية الدولية التي صبّت كل ضغوطاتها على دمشق، كلّ ذلك ساهم في ترسيخ الانقسام اللبناني، الى حدّ الإنخراط في النزاع السوري.
لم تُخفّف موجات النازحين، ولا زحف الإرهابيين نحو لبنان عبر الحدود الشرقيّة، من الرهانات اللبنانيّة المتبادلة، لكن الغريب أن تلك الرهانات نفسها، لا زالت قائمة حتى اليوم، ولو بمستوى أقل.
أمسك السوريون بكل مساحات الحدود مع لبنان، وسقطت الكانتونات في القلمون، والمناطق السوريّة المحاذية لشبعا والعرقوب اللبنانيّة، التي كانت تتلقى فيها المجموعات المسلحة دعما اسرائيلياً، معنويا على الأقل، ما يعني أن كل مساحة سوريّة تتصل بلبنان صارت بيد دمشق.
هذا يعزز من موقف المؤيدين للحكومة السورية، الذين يدعون إلى أخذ مصلحة لبنان في الحسبان، ويضعف موقف معارضيه، وخصوصا أن هزائم المسلحين “المعارضين” توالت، والتسويات الدولية بشأن سوريا اتسعت، فأعادت دمشق مناطق حمص، وحلب، وريف دمشق، ودرعا، الى حضن الدولة، وسلكت الطريق إلى إدلب، آخر حصون المسلحين، لتبقى مساحات صحراويّة في الشرق المتصل بالعراق ضمن سيطرة “داعش”.
هذا يؤكد أن الدولة السورية، انتصرت، من دون ادنى شك، فلماذا تكابر بعض القوى اللبنانيّة، ولا تعترف بالمستجدّات؟ لماذا لا تقرّ بهزيمة رهاناتها على تنحي الرئيس السوري بشار الأسد؟
لا تزال تلك القوى نفسها تتحدث عن عدم اتضاح مستقبل الأسد، وهل يقدّم الرئيس السوري بعد انتصار مشروعه وخياره، ما لم يقدّمه في الحرب، يوم كانت حياته مهددة من قبل المجموعات المسلحة؟
بالطبع، لن يقدّم الآن أيّ تنازل جوهري بحجم الرهانات التي تتكئ عليها قوى لبنانية، بقاؤه حتمي، واستمرار سياساته قائمة، والعلاقة مع لبنان تندرج في السياق والرؤية نفسها.
اليوم يتبين أن الحاجة اللبنانيّة هي ماسّة لاعادة العلاقات إلى دورتها الطبيعية الكاملة: لإعادة النازحين بإنتظام، لاستخدام الاراضي السوريّة في تصدير المنتوجات الزراعية الى الدول العربيّة، عبر معبر نصيب الحدودي بين سوريا والاردن، بعدما زاد التصدير عبر البحر من كلفة المنتوجات الزراعيّة، عاملان كافيان وحدهما لإبراز أن المصلحة اللبنانية تكمن بتحسين العلاقات مع سوريا ضمن أطرها الطبيعية التاريخيّة بين البلدين.
فليستفد اللبنانيون من عِبَر الماضي، هم يعلمون جميعهم أن سوريا انتصرت، عليهم الآن مدّ اليد، لحجز مكان في مساحات إعادة الإعمار المرتقب في سوريا، لاسيما أن موقع لبنان يفرضه بوابة لتلك الثورة العمرانية الآتية، لكن بدل ذلك، تعمد قوى لبنانيّة على استحضار مصطلحات الازمة، وكأنّ لبنان خارج سياق المنطق، والمستجدات، وهذا يدفع ثمنه اللبنانيون في السلم، كما دفعوه في زمن الحرب.ml
المشاركة

اترك تعليق