استطاع كيان الاحتلال الإسرائيلي منذ التأسيس وحتى وقت قريبٍ جداً أن يتحكّم من خلف الستار بإدارة المنصات الإعلامية في الداخل الإسرائيلي وفقاً لرؤى قادة الكيان ابتداءً بالجدّ المؤسس ثيودور هرتزل الذي سعى إلى تحويل صحيفة “دي ولت” التي أسسها في فيينا بين 1909_1911م إلى درع حامية للشعب اليهودي، وتكون سلاحاً ضد أعدائه، وليس انتهاءً بأول رئيس وزراء في “إسرائيل” ديفيد بن غوريون عام 1948 الذي قال: “علينا ألّا نعطي معلومة للعدو، علينا ألا نساهم في دبّ الفزع في أوساط الجمهور”.
سياسة بن غوريون ومن جاء بعده لم تحجب المعلومة فقط عن العدو بل حجبتها أيضاً عن عامة الإسرائيليين، وكان لهذه السياسة تأثير إيجابي من حيث السيطرة على عقول الصهاينة وتوجيه الأنظار نحو الأشياء التي تريدها القيادة فقط دون التطرق لكل ما يظهر العدو الصهيوني بمظهر الضعف، وتم تطبيع الداخل الإسرائيلي على هذا الأساس من خلال التحكم بالمحتوى الذي يتم تقديمه للناس، وحاول القادة الصهاينة مؤخراً كيّ الوعي العربي من خلال اقتحام أسوار الدول العربية عبر الإعلام ودسّ السم بالعسل عبر إيجاد منصات إسرائيلية تخاطب الجماهير العربية وتتقرب منها عبر الكشف عن نقاط الضعف في هذه المجتمعات ومن ثم دغدغة رغباتها لإبعادها عن واقعها وحكامها وإحداث شرخ في هذه المجتمعات علّها تتطبع مع الصهاينة.
ومقابل هذا يتم تقديم مواد إعلامية للإسرائيليين تظهر العرب على أنهم يريدون قتل الإسرائيليين جميعاً وليسوا دعاة سلام، وبأن الإسرائيليين هم فقط من يتمتعون بالديمقراطية والحرية في هذا الشرق، ولكن اليوم لم يعد بإمكان “إسرائيل” أن تحجب المعلومة كما كان الحال في السابق في ظل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل أي حدث بسرعة البرق وبعضها يكون من خلال تقنية “البث المباشر” ما يسبب إحراجاً للإعلام الإسرائيلي الذي يعمل ليل نهار ومنذ 70 عاماً على إخفاء هذا الجانب المظلم من ضعفه وهشاشته أمام المقاومين الفلسطينيين ناهيك عن الكذب الممنهج في نقل نتائج المعارك وعدد الضحايا والذي يتم انتقاؤه بعناية لتحريض الجماهير ضد العرب من جهة والمساهمة في حشد الرأي العام الداخلي والخارجي ضدهم مقابل إخفاء الإجرام ضد أطفال فلسطين وغيرهم أو تبرير ذلك من خلال كيّ الوعي للإسرائيليين.
واليوم لم يعد الحال كما كان في السابق فقد أظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي تراجعاً كبيراً في ثقة المواطن الإسرائيلي بالإعلام العبري حيث عبّر أغلبية الإسرائيليين عن عدم ثقتهم بوسائل إعلامهم، وبحسب الاستطلاع الذي أجرته سلطة البث الثانية العبرية فقد عبّر 64% من المستطلعة آراؤهم عن فقدانهم الثقة بالإعلام العبري وذلك بنسبة تتفوق على نسب ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية، حيث يرى 59% بأنهم لا يثقون بالكنيست و57% لا يثقون بالحكومة، وحول أسباب عدم الثقة بالإعلام العبري عدد المشتركون في الاستطلاع أسباباً من بينها التقارير والأخبار الكاذبة، والتغطية السياسية المنحازة، وتقديم وجهة نظر واحدة، بالإضافة لتغليب المصالح والعنصرية والمبالغة في التهويل.
وحاليا تتبوّأ الصحافة الاسرائيلية المركز 101 عالمياً من حيث حرية الصحافة، بسبب تقييدها للإعلام تحت مسمى “سمح بالنشر” من الرقابة العسكرية.
ويبقى السؤال لماذا كل هذا التعتيم حتى الآن في ظل تغيّر الظروف وأساليب نقل المعلومة وإيصالها إلى الجمهور بعشرات الوسائل في ظاهر الأمر أن “اسرائيل” لا تزال تستند على قانون الطوارئ البريطاني الذي يزيد عمره على سبعين عاماً بشأن الرقابة على وسائل الإعلام، “ما يجعل “إسرائيل” الدولة الوحيدة التي تدّعي الديمقراطية في الوقت الذي لديها قانون يفرض الرقابة على حرية الصحافة والإعلام بشكل رسمي”.
الأسباب
أولاً: لا تريد “إسرائيل” إضعاف الجبهة الداخلية لكونها هشّة بالأساس في ظل وجودها في بيئة لا تنتمي إليها “ثقافياً أو فكرياً وحتى اجتماعياً” وهناك عدم تقبّل حتى اللحظة للمجتمع الإسرائيلي من قبل عامة المواطنين العرب في الدول المحيطة، وبالتالي لا بدّ من إخفاء أي معلومة تضرب النسيج الاجتماعي الإسرائيلي، وحتى الصحفيين الاسرائيليين أنفسهم يريدون أن يكون الإعلام على هذا النحو، حيث طالب المحررون من البداية بوجود هذه الرقابة، ومن يراقب الإعلام الإسرائيلي يجد أن الصحفيين لديهم رقابة ذاتية على أنفسهم على الأمور الأمنية، لكن هذا لا يمنعهم من مهاجمة الساسة هناك لإعطاء مصداقية نوعاً ما للإعلام ودوره.
ثانياً: يدّعي الصهاينة وساسته وإعلاميوه أن نقل الحقائق كما هي يساعد المقاومة الفلسطينية واللبنانية في كشف نقاط الضعف لديهم واستهدافها، فقد عزا الخبير العسكري والاستراتيجي العميد صفوت الزيات سبب التعتيم الذي تفرضه “إسرائيل” على وسائل الإعلام كونها مناطق عسكرية قد يتيح كشفها منح فرصة للمقاومة من أجل تعديل إحداثيات صواريخها لإعادة القصف مرة أخرى.
ثالثاً: عدم كسر هالة الثقة بقوة الجيش الاسرائيلي وأسلحته وخاصة نظام القبة الحديدية الذي يعدّ فخر النظام الدفاعي لـ “إسرائيل”، ولكن هذه القبة أثبتت فشلها في عدة حروب وحتى اللحظة ما زالت القيادة العسكرية تدافع عن تأثيرها في ردع العدو.
“إسرائيل” تخدع بالصور التي تقدمها دليلاً على إسقاط صواريخ المقاومة عبر بثها صوراً لانفجارات في الجو أو مواقع اعتراض القبة الحديدية للصواريخ، فمن الناحية العملية تعمل القبة الحديدية على إطلاق صاروخين أو ثلاثة مع انطلاق كل صاروخ من قطاع غزة للتصدي له، وفي حال عدم التصدي يعمل صاروخ القبة عبر نظام الانفجار الذاتي على مسافة ستة كيلومترات في الجو حتى لا يكمل سيره ويسقط على أحد التجمعات الإسرائيلية.
وقد فضحت صحيفة يديعوت أحرنوت هذه القبة خلال حرب عام 2014 وقالت إن عدد الصواريخ التي سقطت على المدن الإسرائيلية بلغ ما يقارب 1350 صاروخاً، في حين تتحدث المصادر الرسمية الإسرائيلية عن أن القبة الحديدية أسقطت ما يقارب 230 صاروخاً أي بواقع 15 % فقط من الصواريخ التي تسقط على المدن الإسرائيلية. 
ختاماً.. السلطات الواسعة للعسكرة وقدرتهم على عرقلة أي مشروع إعلامي، اقتصادي أو سياسي تحت شعارات أمنية، لا يحقّ السؤال عنها، كما تجعل دائرة الإعلام ضيّقة جداً وتقوّض من حرّيته.   ml
المشاركة

اترك تعليق