كنوز ميديا –  لعلّ الهدف الواضح من “العقوبات الترامبية” هو اخضاع إيران للإرادة الأمريكية وشروطها بالعودة لطاولة المفاوضات، وفق رزنامة جديدة من البنود المتعلقة كما تقول الإدارة ذاتها بالسلوك الإيراني في المنطقة، وتحديدا في ملفات هامة تتعلق بالصراع في سوريا واليمن ولبنان والأهم دعم حركات المقاومة في المنطقة ضد الكيان الصهيوني.
إنّ الإدمان في فرض العقوبات كما يراه البعض، قد يفقد هذا السلاح فعاليته بالفعل، فالولايات المتحدة تركّز على فرض العقوبات على الآخرين  أكثر من التفكير والعمل على حماية الشركات الأمريكية، وهذا هو الخلل الفعلي الواضح اليوم. ففشل ترامب في اقناع حلفائه، وحتى خصومه بالتخلي عن الإتفاق النووي، قد يكون عائقا إضافيا أمام الإدارة الأمريكية لتحقيق ما تريد.
هذه العقوبات الأمريكية المفرطة، طالت العديد من الدول والمؤسسات وحتى الشخصيات، وهي اليوم تتجه إلى إيران لتزيد الأمور تعقيدا، بعد أن اعتقد العالم أنه بالوصول إلى إبرام الإتفاق النووي، قد يكون الحل الدبلوماسي قادر على تخطي العديد من العراقيل. لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحترم الإتفاق، حتى أنها لم تعمل على رفع العقوبات القديمة ولا حتى التحفيف منها، لتأتي إدارة ترامب وتزيد الأمور تعقيدا أكثر فأكثر، بحزمة أولى من العقوبات لتطال القطاعات المالية والتجارية، تليها حزمة ثانية في تشرين الثاني المقبل لحظر بيع النفط الإيراني لدول العالم.
لكن الملفت في هذا الأمر، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تنجح طيلة ثلاث عقود في إخضاع إيران، بالرغم من قساوة العقوبات والحصار الدولي. وبالرغم من كل العقوبات المعلنة، إلا أنّ إيران صمدت، كما أنه لا يزال لديها  العديد من الآليات والأوراق للمواجهة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، إذا كانت العقوبات السابقة المدعومة دوليا، وبقرارات من مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة، لم تنجح في إخضاع إيران ولا في تغيير سلوكها كما تريد الإدارة الأمريكية، فهل أنّ العقوبات “الترامبية” قادرة على فعل ذلك اليوم، في ظل رفض دولي لها؟ في الوقت الذي تصرّ فيه الإدارة الأمريكية على أن هذه العقوبات هي السبيل الوحيد، لجعل إيران تقبل الرجوع للتفاوض من جديد، لكن الرد أتى  اليوم سريعا على لسان الرئيس روحاني ليقول بأنه” ليس هناك أي معنى للمفاوضات مع وجود العقوبات وفرضها”.
وهذا دليل آخر على فشل هذه السياسة الترامبية، وعدم فعالية آلية التهديد بضرب الإقتصاد الإيراني. فالإفراط في إستخدام العقوبات الذي أصبح محل انتقادات كبيرة في الأوساط الدولية، وحتى داخل الولايات المتحدة، يدل على أنّ الأمور ليست كما يريدها ترامب وإدارته. الكل قلق من أن تصبح آلية العقوبات سياسة دولية وخيار أول يستخدمه أي رئيس إدارة أمريكية جديدة ضد أي دولة لا تتماشى سياساتها مع السياسات الأمريكية. وقد يضر هذا الأمر بمصداقية الولايات المتحدة بين حلفائها، الذين باتوا اليوم يشكون علنا من أنهم يجبرون على الإنصياع لسياسات الولايات المتحدة، إضافة إلى احتمال تقويض الدولار، حيث ستسعى الدول المستهدفة بالعقوبات للبحث عن بدائل تتخطى فيها هيمنة الدولار وهذا الأمر سيضرّ حتما بالإقتصاد الأمريكي الهش أصلا والوهمي.
إنّ الحلفاء الأوروبيين لأمريكا يشعرون بالإحباط والضعف من إمكانية مواجهة العقوبات الأمريكية، وبالرغم من أنهّم يعارضونها بشدّة ويصرون على إلتزامهم بالإتفاق النووي ومفاعيله بعيدا عن العقوبات، معلنين بأنهم بصدد اتخاذ تدابير وقائية لمصالحهم الاقتصادية مع إيران في مواجهة الحظر الأمريكي (الإعلان عن اتخاذ قانون لرفض الحظر الأمريكي)، إلا أنهّ من المهم التأكيد أنّ المراهنة على التباين بين الأوروبيين والإدارة الأمريكية في الملف النووي، هي مراهنة خاسرة، فالخلاف الأوروبي الأمريكي، هو خلاف مع إدارة ترامب وليس مع الولايات المتحدة ومصالحها المشتركة، إذ هناك شراكة بين الجانبين من الصعب جدا انفراط عقدها الآن ، فالمصالح الأوروبية مع أمريكا، هي أكثر أهمية وبالأرقام من تلك المعقودة مع إيران.
وعليه، فمن الضروري المراهنة اليوم على الإجراءات والتدابير التي ستتخذها الحكومة الإيرانية، والتي ستكون هي الرادع الأساسي لمجمل العقوبات الأمريكية. فمع الدبلوماسية الإيرانية المتّزنة والواعية، والتي تحاكي القوانين الدولية وتحترم التزاماتها مع العالم، تبرز العديد من الاجراءات العملية التي من شأنها مواجهة العقوبات وتجاوزها، ومن ضمنها قرارت البنك المركزي الايراني الذي قدم تسهيلات لسوق العملة لحل أزمة تذبذب سعر الدولار في السوق المالية الإيرانية وتسهيل عمل سوق الصرافة والتداول ، من المؤكد أنها ستزيل العديد من العوائق في المواجهة للعقوبات الأمريكية.
د.سهام محمد
ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here