نشرت صحيفة لوموند الفرنسية مؤخراً معلومات تفيد بأن السعودية هدّدت باستخدام القوة العسكرية ضدّ قطر إذا حصلت على منظومة “أس 400” الدفاعية الروسية.
ووصل القلق السعودي من هذا الموضوع إلى حدّ توجيه رسالة من الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للضغط على قطر لثنيها عن شراء المنظومة الدفاعية الروسية المتطورة وإلا ستتخذ السعودية الإجراءات الضرورية للقضاء على تلك المنظومة، بما في ذلك القيام بعمل عسكري، بحسب لوموند نفسها.
لماذا كل هذا القلق من قطر؟!، وهل حقاً تشكل هذه الدولة الصغيرة خطراً على سياسة السعودية أم إنّ ضعف سياسة ابن سلمان أوصلها إلى حدّ الخوف من أي تحرك إقليمي يقوّض عليها مساعيها للهيمنة على هذا الإقليم؟!.
أولاً: يجب أن نوضح بأن تعامل السعودية بهذه الطريقة مع دولة ذات سيادة مثل قطر يعدّ اعتداءً على سيادتها وتدخلاً في شؤونها الداخلية، ويظهر فيما لا يدعو للشك الازدواجية التي تتعاطى فيها السعودية مع دول الجوار، فعلى سبيل المثال، كانت السعودية تسعى بشكل حثيث للحصول على منظومة “اس 400″، لكن الاعتراض الأمريكي حال دون ذلك، بخلاف تركيا التي ما زالت تقاوم الضغوطات الأمريكية.
طبعاً هذه الازدواجية قديمة، وبما أن الحديث عن حرب على دولة جارة، فلا بد من ذكر مثال مشابه: منعت السعودية وحلفاؤها عبد ربه منصور هادي من الدخول في مفاوضات مباشرة مع أنصار الله بعد فترة من بدء العدوان، لكنها أقامت قنوات سريّة للمفاوضات!!!!!
ثانياً: تتعاطى السعودية مع دول الجوار وبالأخص في سياستها على وجه العموم كنموذج مصغّر عن السياسة الأمريكية في المنطقة وتحمل نفس منطقها في التعامل مع الآخر، ومن هنا يمكننا فهم معاداة السعودية لكل من لا ينتهج نفس سياستها أو يماشيها فيها إن كانت على وجه حق أو لا، ولا نعلم إن كانت السعودية مجبورة على مثل هذه التصرفات بإيعاز أمريكي لا يمكن الوقوف في وجهه، خاصةً أن أمريكا لا تريد أن تهدد قطر بشكل مباشر طالما أنّ هناك دولة اسمها “السعودية”، بينما فعلت هذا الأمر مع تركيا عندما ذهبت إلى روسيا لإبرام مثل هذه الصفقة، وربما يتعلق مثل هذا التصرف بحجم الدول ومدى تأثيرها على سياسة أمريكا في المنطقة.
أمر آخر أعتقد أن واشنطن تسعى إليه عبر قناة الملك سلمان، وهو منع قطر من حيازة أسلحة شرقية فهي تسعى لأن تكون هيكلتها العسكرية أمريكية بامتياز، خاصة أنها تملك قاعدة عسكرية هناك، وقد تجد واشنطن في مثل هذه الصفقة خطوة أولى للروس لدخول قطر وقد يكون تمهيداً لإنشاء قاعدة عسكرية روسية هناك وهذا ما لا تسمح به واشنطن، ولكن وبما أن الموضوع لم يتجاوز حدّ السعي لامتلاك المنظومة الروسية، فأمريكا صامتة حالياً، وتدير منع قطر من حيازة السلاح الروسي من الكواليس، وفي حال امتلكت هذا السلاح، وهو حقها، فلن تكون أمريكا في أحسن حالاتها، وقد تدفع السعودية لممارسة ضغوط أكبر على قطر، عبر التهديد والوعيد ولا نعتقد أن الموضوع سيتجاوز هذا الحد.
ثالثاً: حصول قطر على منظومة “أس 400” المتطورة لا يناسب السعودية وربما تعتبره حقيقةً تهديداً لها بمعزل عن التحريض الأمريكي، لأن هذا النظام الدفاعي يزيد ويعزّز قوة قطر الدفاعية في مواجهة مخططات ومغامرات السعودية العسكرية، ويمنح قطر المزيد من القوة والثبات في وسط مشحون سببه سياسة السعودية في المنطقة، والتي كان آخرها محاصرة قطر قبل عام، وفشل هذا الحصار بكل المقاييس ولذلك اليوم ليس مستغرباً بالنسبة لنا أن يجنّ جنون الرياض في حال حازت قطر على هذه المنظومة الدفاعية.
رابعاً: لم تستبعد السعودية بحسب صحيفة لوموند الفرنسية القيام بعمل عسكري ضد قطر ولكن هل هذا ممكن الحدوث؟!، أن تتورط السعودية في حرب جديدة مع جارتها قطر هذا أمر مستبعد، لعدة أسباب منها: عدم قدرتها على تحمّل تكاليف حرب جديدة في ظل اقتصاد داخلي يعاني فيه المواطن من غلاء الأسعار وقلة فرص العمل، فضلاً عن عجز في الميزانية.
يضاف إلى ذلك وجود القوات التركية التي تحول دون هذا الهجوم خاصة أن هناك معاهدة دفاع مشترك، كذلك وجود القاعدة الأمريكية تمنع هذا الأمر، هذه نقاط القوة بالنسبة لقطر، ولكن لا يمكن أن ننكر بأن قطر تخشى أن تظهر في موقف ضعف أمام السعودية فتصبح لقمة سائغة بالنسبة لها أو قد تكرر معها تجربة “أنصار الله” في حال أبدت أي ضعف تجاهها.
بكل الأحول حصول قطر على منظومة “اس 400” له دلالات مهمة منها فشل الحصار ومضي قطر قدماً في الدفاع عن نفسها وتحصين بلادها من أي اعتداء محتمل، وهذا حق مشروع لها، فمن المستغرب أن تلهث السعودية للحصول على مثل هذه المنظومة ومن ثم تمنع غيرها من الحصول عليها.
وفي هذا الإطار قال المحلل السياسي الروسي يفغيني سديروف في لقاء مع الجزيرة إن شراء قطر منظومة “اس 400”  يعدّ شأناً قطرياً، ثم إن روسيا لديها اعتبارات براغماتية واقتصادية تسترشد بها في التعامل مع الدول الأخرى، ولفت إلى أن حيازة أي دولة لهذه الصواريخ يؤدي إلى حماية أمنها الجوي.  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here