انتهت سريعاً الجولة الأكبر بين المقاومة والكيان الإسرائيلي في غزة منذ عملية “الجرف الصامد” في عام 2014، حاول كلّ طرف أن تكون له اليد العليا، ورمي الكرة في ملعب الطرف الآخر عبر تكريس المعادلات السابقة أو ترسيخ معادلات جديدة.
نجحت المقاومة في هذه الجولة، والأيّام القريبة قد تكون هادئة أو خطيرة أكثر، وفق مصدر “إسرائيلي”، كون الساعات الأربع وعشرين الماضية وضعت المنطقة على صفيح مواجهة شاملة وساخنة، أكثر من تلك التي شهدناها 2014 في ظل دعوات إسرائيلية لاجتياح غزة، وربّما تكرار سيناريو الشجاعية مقابل دعوات فلسطينية لمفاجآت جديدة تذهل “الإسرائيليين”.
لم تلتحف المقاومة الفلسطينية بالأمس الصمت أو سياسة “ضبط النفس” الذي اعتدنا عليها مؤخراً وامتدت لفترة طويلة، وفهمها ا”لإسرائيلي” على أنّها رسالة ضعف، بل آثرت الرد العسكري وتكريس معادلات جديدة حتى لو أدىّ الأمر إلى حرب مفتوحة وقد أظهر “الإسرائيلي” بالأمس عدم قدرته على الدخول فيها، رغم محاولته إعلامياً إظهار العكس تماماً.
الكيان الإسرائيلي، كعادته، حاول الهروب سريعاً إلى الأمام عبر رمي الكرة في ملعب إيران فقد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي العميد رونين منيلس في مقابلة مع إذاعة الجيش، إن إيران تقف خلف كواليس التصعيد في الجنوب، هذا الكلام سيكون أيضاً عنواناً لكلام المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي في إطار استراتيجية إدارة ترامب تجاه إيران، ومن هنا من غير المستبعد استخدام “الإسرائيليين” ومن خلفهم الأمريكيين ما حصل بالأمس للحدّ من مسيرات العودة على الحدود مع قطاع غزّة، ولكن يبدو أن الضغوط السياسية لن تفلح كون هذا الخيار مدعوم بزخم شعبي.
مواجهات الأمس التي تعدّ الأقوى منذ حرب 2014 حملت جملة من الرسائل التي ستكون عنواناً لأي مواجهة مقبلة، بعُدت زمنياً أم قربت، يمكن الإشارة إليها في جملة من النقاط:
معادلة الردع: تتمثّل الرسالة الأولى بتمسك المقاومة بمعادلة الردع وهذا ما يمكن قراءته من خلال البيان المشترك للقسام وسرايا القدس “القصف بالقصف والدم بالدم، وسنتمسك بهذه المعادلة مهما كلف ذلك من ثمن”. هناك رسالة فلسطينية واضحةً إلى صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، مفادها بأن ظروف القطاع الصعبة لا تعني أن “إسرائيل” تستطيع أن تستبيحه، وهذا ما دفع بالمقاومة لإعادة “قواعد الاشتباك” إلى مربعها الصحيح بعد أن طفح الكيل من التصعيد الإسرائيلي المتدرج ضد بنية المقاومة وعناصرها والمتظاهرين السلميين.
القبّة الحديدية: أثبتت معارك الأمس فشل القبّة الحديدية التي تتعرّض لأول اختبار حقيقي منذ اكتمالها، فقد تمكّنت من اعتراض 17 قذيفة فقط من أصل 130 قذيفة وصاروخاً، فضلاً عن وجود خسائر مادّية حتّى لتلك الصواريخ التي أسقطت، هذا الأمر سيدفع بالكيان لإجراء جولة حسابات تقنية جديدة.
تكاتف الجبهة الداخلية الفلسطينية: أثبتت فصائل المقاومة من خلال بيانها المشترك حجم التكاتف الفلسطيني الذي انعكس شعبياً على أراضي القطاع. يخطئ الكيان الإسرائيلي إذا ما اعتقد أن سنوات الحصار على غزة ستثني الشعب الفلسطيني عن الوقوف إلى جانب مقاومته، وقد أظهرت جولة الأمس حالة واسعة من التعاطف والتضامن والدعم والمؤازرة من قبل أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، مقابل حالة من الهلع والاضطراب الذي ساد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، في الحقيقة هناك ثلاثة أسباب رئيسية لوقوف الشعب الغزّي إلى جانب مقاومته، الأوّل كون هذه المقاومة ولدت من رحم حرمان هذا الشعب، وهم منها وهي منهم، الثاني يتعلّق بأحقيّة هذه المقاومة وشرعيتها سواء بشكل عام، أم في المعركة الأخيرة تحديداً كون الكيان الإسرائيلي هو المعتدي، والثالث يتعلّق بالنتائج التي لمسها الشعب الفلسطيني من المفاوضات السياسيّة التي لم تؤمّن سوى المصالح الإسرائيلية.
تصدّع الجبهة الداخلية الإسرائيلية: يعاني الكيان الإسرائيلي من أزمة سياسيّة هي الأكبر خلال العقدين الماضيين وقد ظهر هذا الأمر بشكل واضح بالأمس حيث حمّل رئيس حزب العمل الإسرائيلي، أفي غباين، حكومة نتنياهو المسؤولية عن التصعيد الأمني في غزة، الاعتراض السياسي للحرب قد يجرّئ الإسرائيليين على الخروج إلى الشارع في أيّ حرب مقبلة، كونهم سيدفعون تكاليف نتنياهو خاصّة إذا ما كانت ضربات المقاومة قاسية وموجعة، تعد هذه المسألة أحد أبرز نقاط القوّة لدى حركات المقاومة، ولاسيّما أن الإعلام العبري يؤكد دوماً محاولات فرار نتنياهو من الفساد عبر الحرب والتصعيد العسكري.
الجبهة الشماليّة: المشهد على حدود غزّة قد يتكرر على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة ولكن بأضعاف مضاعفة، كون نتنياهو قد أوضح أثناء الاجتماع الأخير لحكومته أنه سيوجّه ضربات قوية إلى لبنان لمنع “حزب الله” من تطوير أسلحة غير تقليدية، أو نقل هذه الأسلحة إليه من إيران عبر سوريا، حزب الله نجح في تكريس معادلات ردع على الأراضي اللبنانية وهو ما لم يفعله حتى اليوم في سوريا، وبالتالي إن كسر نتنياهو لهذا الخطّ الأحمر يعني أننا سنكون أمام مشاهد هي الأقوى بالتأكيد منذ عام 2006، وربّما في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ردّ حزب الله سيكون متوازياً مع معادلات الردع التي كرسها منذ 2006، وحاول التأكيد عليها في عملية مزارع شبعا ردّاً على شهداء القنيطرة.
الدعم الأمريكي نفسه: ومن الرسائل الأخرى، الدعم الأمريكي المطلق للكيان الإسرائيلي في مجلس الأمن بقيادة نيكي هايلي، في الحقيقة الأمر ليس بجديد على أمريكا، ولكن دبلوماسيّة “التويتر” التي يعتمدها ترامب وتسير خلفها هايلي قد توهم البعض أن الأمر جديد، جون بولتون الذي هو اليوم أحد أركان إدارة ترامب كان سابقاً يجلس على مقعد هيلي، كان أكثر صرامة وأقل استعراضاً، لذلك لم تعوّل حركات المقاومة في يوم من الأيام على أمريكا والأمم المتحدة بشكل عام، وما حصل من مكاسب كان عبر الميدان حصراً.  ml
المشاركة

اترك تعليق