كنوزميديا –  أزمة الروهينجا هي عنف ممنهج يُمارس من قبل السلطة الحاكمة في ميانمار، وترغب السلطة الحاكمة في تهجير المسلمين من الإقليم بدعوى أنهم مهاجرون غير شرعيين. أزمة الروهينجا تتجسد تحديدا في الاضطهاد الديني والعرقي الذي تتعرض له أقلية الروهينجا والتي تعتبر قومية عرقية تنتمي إلى الشعوب الهندية وتسكن في ولاية أراكان غرب بورما أو ميانمار، وحسب التقديرات الرسمية هناك أكثر من 800 ألف مسلم روهينجي يعيشون في أراكان وتعتبرهم الأمم المتحدة أكثر الأقليات التي تتعرض للاضطهاد في العالم، وهناك الكثير منهم الذين يحاولون الفرار دوماً للعيش في مخيمات اللاجئين في بنجلادش المجاورة أو تايلاند الواقعة على الحدود مع بورما.
من هم الروهينجا؟
الروهينجا هم أقلية مسلمة تتعرض للكثير من الاضطهاد والمضايقات والملاحقات الأمنية في ميانمار وقد أصبحوا بلا دولة في الوقت الحالي وذلك بعد أن رفضت ميانمار الاعتراف بمواطنتهم، وقد وصفت متحدثة الأمم المتحدة وضع الروهينجا بأنهم أكثر شعب يعد بلا أصدقاء في العالم، إذ يتم رفضهم داخل بلادهم الذي يقولون بأنه وطنهم حيث يعيش نحو قرابة المليون روهينجي في ميانمار وترفض السلطات السياسية الحاكمة في ميانمار منحهم الجنسية، وكذلك لا ترغب الدول المجاورة في استضافتهم على أراضيها.
وقد ذكر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن ما يواجهه الروهينجا في ميانمار قد بلغ حد الجريمة ضد الإنسانية، وأضاف “تون خين” الذي يعمل في منظمة الروهينجا البورميين ببريطانيا أنهم يواجهون أعمال جماعية وحشية على يد قوات الأمن بالجزء الشمالي من ولاية راكين، والروهينجا هم إحدى الأقليات الكثيرة العرقية في ميانمار ويقولون إنهم ينتمون إلى نسل التجار العرب الذين وفدوا إلى المنطقة قبل أجيال، ومن الجدير بالذكر أن تاريخ ميانمار والتي تسودها الأغلبية البوذية اشتهر على مر العصور بالقلاقل الطائفية والتي ساعد على استمرارها وربما استغلها أيضاً الحكم الدكتاتوري العسكري الذي امتد لعقود.
جدير بالذكر أن السلطة الحاكمة في ميانمار تفرض عدداً من القيود الاقتصادية والدينية على سكان الروهينجا المسلمين في إقليم أراكان تلك القيود هي؛ مصادرة الحكومة الميانمارية لكل أراضي المسلمين وقوارب الصيد الخاصة بهم دون إبداء أية أسباب، وكذلك فرض الضرائب الباهظة والغرامات المالية ومنع بيع المحاصيل الزراعية إلا للعسكر بسعر زهيد وذلك بهدف إبقاء الروهينجا فقراء أو إجبارهم على ترك البلاد، هذا بالإضافة إلى منع مسلمي الروهينجا من شراء الآلات الزراعية الحديثة وبالنسبة للناحية الدينية يُمنع على المسلمين طباعة الكتب الدينية والمصاحف هذا بالإضافة إلى منعهم من إطلاق لحاهم أو ارتداء الزي الإسلامي أو ذبح الأضاحي أو إقامة الشعائر الدينية. أزمة الروهينجا أزمة الروهينجا ليست حديثة العهد ولا وليدة اليوم وإنما هي ضاربة في جذور التاريخ وذلك منذ دخول الإسلام إلى ميانمار عبر إقليم أراكان الذي يقطنه الروهينجيون، حيث استقر المسلمون في الإقليم ممثلين في التجار العرب وذلك في القرن الثاني الميلادي، واستمر ملوك أراكان في الحفاظ على الوجود الإسلامي بالإقليم حيث كان يتم توظيف المسلمين في مختلف المناصب المرموقة داخل السلطة الحاكمة بسبب تفوقهم وعلمهم بكل أصول وقواعد التجارة والاقتصاد، وازداد عدد المسلمين بالإقليم بسبب أوضاعهم الجيدة وتجارتهم الوفيرة، وأضحوا قوة مؤثرة داخل أراكان وذلك على الرغم من بوذية الدولة الأم واستمرت الأوضاع على هذا النحو الجيد حتى حدث الغزو البورمي لأراكان عام 1785 وبسببه فر أغلب سكان أراكان من اضطهاد البورميين إلى مقاطعة شيتاكونج المجاورة والتي كانت تابعة آنذاك للبنغال البريطاني.
 يُذكر أن الحكام البوريين قاموا وقتها بإعدام آلاف المسلمين الذين رفضوا الهروب من أراكان مفضلين الموت على أرضهم، بعدها احتلت بريطانيا إقليم أراكان وذلك من أجل توسعة شركة الهند الشرقية وبسبب أودية أراكان الخصبة وأيضا حاجة بريطانيا إلى العمالة الرخيصة من سكان الإقليم، وخلال أحداث الحرب العالمية الثانية انسحب البريطانيون من إقليم أراكان تحت ضغط هجمات الجيش الياباني تاركين ورائهم فراغاً في رأس السلطة الحاكمة ولذلك اندلعت أعمال عنف كبيرة بين الروهينجا المسلمين وبين جماعات موالية لبريطانيا وقوميين من بورما؛ فبريطانيا قبل انسحابها مباشرة من الإقليم قامت بتسليح جماعات الروهينجا المسلمين وذلك من أجل إنشاء مناطق عازلة تفصلهم عن اليابانيين، وعليه فقد دعم الروهينجا البريطانيين ودعم البورميين الجانب الياباني، وعندما علمت اليابان بما فعله الروهينجا –بإيعاز من البورميين- ارتكبت ضدهم الكثير من الفظائع حيث أفرط اليابانيون في قتلهم واغتصابهم وتعذيبهم وكان إجمالي قتلى الروهينجا بعد المجزرة اليابانية حوالي 40 ألف روهينجي.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها أسست جماعة الروهينجا حركة للجهاد في شمال أراكا أسموها حركة المجاهدين وكان هدفها إقامة الدولة الإسلامية ذاتية الحكم في إقليم أراكان، وكانت هذه الحركة شديدة النشاط حتى حدوث الانقلاب العسكري عام 1962 بقيادة الجنرال “ني وين” الذي قام بعمليات عسكرية عديدة ضد حركة المجاهدين وأسمى تلك العمليات باسم ” عملية الملك التنين” وكان نتيجتها أن فر الكثير من مسلمي الروهينجا إلى بنجلادش المجاورة هرباً من الصراع الدائر على السلطة السياسية في أراكان، وقد اعتمد المجلس العسكري الذي حكم بورما لمدة تزيد عن نصف قرن على القومية البورمية من أجل تعزيز حكمه، وقد تم توجيه الاتهامات لحكومات بورما المعاقبة بأنها تتعمد إثارة أعمال الشغب ضد الأقليات العرقية بالإقليم مثل الروهينجا والصينيين.
قضية مسلمي الروهينجا
أزمة الروهينجا طفت على السطح السياسي وعادت مرة أخرى للغليان بسبب أعمال الشغب التي حدثت بإقليم أراكان عام 2012 والتي كانت عبارة عن سلسلة متواصلة من الصراعات المستمرة بين مسلمي الروهينجا والبوذيين، وجاءت أعمال الشغب بعد أسبوعين من الخلافات الطائفية التي أدانها الكثير من أتباع الطائفتين، والسبب المباشر لأعمال الشغب تلك هو قتل البوذيين لعشرة من مسلمي الروهينجا بالإضافة إلى اغتصاب وقتل امرأة روهينجية، حيث دخل الطرفان في حرب شوارع بسببها فرضت الحكومة حظراً للتجوال وقامت بنشر قواتها في مناطق الاضطراب كما قامت بإعلان الطوارئ في كل إقليم أراكان، وقد تدخل الجيش في إدارة الإقليم وقام بتدمير أكثر من 300 منزل من منازل الروهينجا، ووفقاً لتصريحات “تون خين” رئيس منظمة روهينجا بورما في المملكة المتحدة أنه وفي يوم 28 يونيو 2012 قام الجيش بقتل 650 مسلم من مسلمي الروهينجا وفُقد أكثر من 1200 وتشرد أكثر من 80 ألف مسلم روهينجي، واتهم خين الجيش والشرطة البورمية بأنهم لعبوا دوراً رئيسياً في استهداف الروهينجا خلال حملة الاعتقالات الجماعية، أما الحكومة في ميانمار فقد دأبت دائماً على التأكيد أن مسلمي الروهينجا ليسوا جماعة عرقية ولكنهم في واقع الأمر مهاجرون بنغال خلفهم الاستعمار ورائه وآن أوان عودتهم لبلادهم الأصلية، ولهذا فدستور ميانمار لا يدرج مسلمي الروهينجا ضمن جماعات السكان الأصليين الذين لهم حق الحصول على المواطنة.
أزمة الروهينجا
لا تقتصر الأزمة فقط على العنف الممنهج والمقصود الممارس ضدهم من السلطة التي ترفض الاعتراف بهم في الوقت ذاته ولكنها تتمثل أيضا في رفض الدول المجاورة استقبالهم فالحكومة الهندية التي تسعى في الوقت الحالي إلى تعزيز علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع ميانمار صرحت بأنها وضعت خططاً عملية من اجل ترحيل أكثر من 40 ألف لاجئ من مسلمي الروهينجا خارج الهند قائلاً بأنهم لاجئون غير شرعيون وغير مرحب بهم.
ختاما، تجدر الإشارة إلى أن رئيسة دولة ميانمار الحالية الزعيمة البورمية “أونغ سان سو كي” والحاصلة على جائزة نوبل للسلام، لم تعلق على أحداث العنف الممنهج ضد مسلمي الروهنيجا؛ ربما لأنه تواجه ضغوط سياسية كبيرة تجعلها لا تستطيع إدانة الجيش الذي وضعها تحت الإقامة الجبرية لسنوات طويلة قبل أن تبدأ عملية التحول الديمقراطي وتصل أونغ لسدة الحكم، ولكن يجب التنويه إلى أن الزعيمة البورمية الحالية تملك نفس المشاعر العدائية التي تملكها المؤسسة العسكرية القوية وتملكها الجماهير الميانمارية ضد أقلية الروهينجا المسلمة.
 ml 
المشاركة

اترك تعليق