السَماويُّ يحيى شاعرٌ لامعٌ، أطرب محافل الثَّقَافَة وَفضاءات الأدب بإبداعِه المائز، وَعذوبة قريضه المستمد مِنْ افتتانه بالجمال، وَتشبثه بالحياة، وَتمسكه بالأمل وَالتفاؤل، وَاحترامه الإنْسَان وَحرصه عَلَى الدفاعِ عَنْ قضاياه وَالتعبير عَنْ همومِه، وَهو أيضاً عاشق لعملِه فِي التدريس، فضلاً عَنْ افتتانِه بسبرِ أغوار الحياة بمتعةٍ وشغف منذ نعومة أظفاره، الأمر الَّذِي جعل المطالعة هوايته المألوفة، فكان الكتاب – وَمَا يَزال – ملهمه الأول، يتألق دوماً مَا بَيْنَ يديه وَهو يحمله مَعَه أينما توجه فِي حلِه وَترحاله. وَليس خافياً أنَّ القراءةَ المستدامة تفضي إلى توسيعِ مدارك الإنْسَان وتجعله فِي إطلاعٍ دائم عَلَى مختلفِ التجارب، ولنا أنْ نتصورَ مدى حاجة مَنْ يمتهن الأدب وَنظم الشِعر إلى المطالعةِ الدائمة؛ لأجلِ تنمية الإبداع فِي تركيبِ الصورة الشِعرية وإثراء القصيدة بالجميلِ مِن المفرداتِ وَأكثرها عذوبة. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ الأديبَ المصري عباس محمود العقاد ( 1889 – 1964 ) الَّذِي يُعَدُّ واحداً مَنْ أهمِ الأدباء الَّذين لمعت أسماؤهم فِي القرنِ العشرين، يشير إلى القراءةِ بالقول ” لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً فِي تقدير الحساب .. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة – دون غيرها – هي التي تعطيني أكثر من حياة “. وإسرافاً فِي حبِه للقراءةِ وَشغفه بِمَا يكتنزه الكتاب مِنْ مضامين يضيف العقاد قائلاً ” ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئا جديدا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة ؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون؟ ”.
 
    لطيف عبد سالم
وَقد كان حقاً سعيداً وَمستمتعاً فِي ممارستِه لِمهنةِ التدريس الَّتِي أحبها، وَشغفَ بِهَا حتى حدود العشق، حيث كان يحاور طلابه، ويعيش معهم، متقمصاً أعمارهم وَمستويات وَعيهم؛ إذ كانت علاقته الإنسانيَّة بِهمْ تُنسيه الكد وَالتعب اليومي، وَمَا يَزال للآن مؤمناً بتلك السجية المستنيرة عَلَى الرغمِ مِمَا جلبت لَه لاحقاً مِنْ مُشكلاتِ مَعَ بعضِ الإدارات المدرسية، حيث كانت إحداها السبب فِي نقلِه إلى ثانويةِ التحرير بمدينةِ السماوة، فالسَماوي يحيى كمَا وصفه الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول ” إنَّ السماويّ يحب العربية ويتقنها حدّ الإبداع، ولا يرضى بسواها لكتابة أدبه الغزير… هو نجمةٌ مضيئةٌ ومشعةٌ في سماء الأدب العربي المُعاصر، سراجه لا ينضب زيته، ولا تنطفئ فتيلته، سكب معاناته الإنسانيّة والوطنية في  قصائدَ حلّق خلالها بأجنحةٍ لا تحدها سموات، عصرَ فيها قلبه، ومنح من وهج شرايينه كتابات أفرغها في قلبِ القارئ العربي، ليعطيه طاقة روحيّة، وهو يترجم له أحاسيسه ومعاناته، بل قُلّ أحزان شعبه ومحنة بلده ” وَيضيف أيضاً ” هو شاعر وَأديب وَناقد وَباحث، يمتشق القلم لينشر مبادئه وقناعاته المُختمرة بفرن الاعماق بلغةٍ تشد القارئ وتحفر الإبداع فيه، لغة يعجنها ويصقلها لتأتي طوّاعة بين يديه، فميزته لا تكمن في تمكنه من اللغة العربية وحسب، بل في القدرة على استخراج تركيبات لغوية ساحرة. فعندما تتزاوجُ لغة الإبداع بصاحبها فإنّه من غير شك ستولدُ القصيدةُ ويولدُ النصّ الأدبيّ وتولد القطعة النثرية بأبهى حلّة، وكيف إذا كانَ المبدعُ قد انغمسَ في تفاصيل عالقة في جسد الذاكرة لتكتب همّ الوطن ومعاناة الشعب من حاكم أرعن وساسة لا يفقهون من الحياة إلآ الفساد والقتل والتعصب “. وَمثلمَا أشار إليه الشاعر الدكتور ابراهيم الخزعلي بالقول ” إن الأعمال الخالدة في الأدب، هي تلك التي  تحتوي على مضامين انسانية نابعة من أحاسيس صادقة ممزوجة بالألم والمعاناة، وليست تلك الأشكال الجمالية التي لا تحتوي على أية قيمة مضمونية، أو بعيدة عن المصداقية، وهي مجرد ترف برجوازي .. فمن يقرأ السماوي إنساناً ونتاجا، لم يجد فارقا بينهما .. فالسماوي هو نتاجه، ونتاجه هو السماوي، وهذه هي قمة القيمة الإبداعية “. كذلك أشار إليه قارئ كريم اسْمه علي موسى‏ – يَبْدُو أنَّه كان عَلَى معرفةٍ قديمة بِالسَماوي – بمداخلةٍ نشرت فِي أحدِ المواقع الإلكترونية بالقول ” قامة شامخة وشاعر كبير عراقي أصيل، وطني حد نخاع العظم، صامد كالجبل الأشم، لم يتغير، ولم ينحن لجنس بشر، محب للجميع، رقيق الاحساس، شفيف عذب حلو المعشر، أبي النفس “.
 مُـتَّـهَـمٌ بـيـقـيـنـي فـي مـحـكـمـةِ الـظـنـون ..
حـزنـي الـشّـاهـدُ عـلـيَّ
ولـيـس مـن فـرحٍ يُـدافِـعُ عـنـي ! 
أيـهـا الـرّاعـي أعِـرنـي مـزمـارَك
لأنـشَّ بـهِ ذئـابَ الـوحـشـةِ
عـن بـقـايـا خِـرافِ طـمـأنـيـنـتـي ! 
مـنـذ دهـورٍ وهـو يـصـرخ ..
لـم يـسـمـعـه أحـد
لـيـس لأنـه يُـصـفـق بـيـدٍ واحـدة ٍ ..
ولا لأنـه مـثـقـوبُ الـحـنـجـرة ..
إنـمـا
لأنـهـم اعـتـقـلـوا الـهـواءَ
فـي قـاعـةِ الـوطـن 
كـلُّ ضـغـائـن الـعـالـم
أضـعـفُ
مـن أن تـهـزمَ
قـلـبـيـن مُـتـحـابَّـيـن
بالاستنادِ إلى مَا تيسر لَيَّ مِنْ شهادات، وَلاسيَّما أحاديث طلبته الَّذين ارتقى الكثير مِنهم سلالم التطور فِي مَا تباين مِنْ ضروبِ الأدب، مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ عشقَ السَماوي للتدريس انعكس بصورةٍ إيجابية عَلَى تطويرِ الأداء فِي حقلِ التَّرْبِيَة بِمدينتِه، فضلاً عَنْ محاسنِه للطلبةِ الَّذين غرس فِي نفوسهِم بذرة القدرة عَلَى النجاح والسعيّ الحثيث لتَنْمِيَةِ مواهبهم وَتطوير قدراتهم، حيث تعودوا عَلَى النظرِ إلى الدراسةِ بطريقةٍ إيجابية؛ مكنتهم لاحقاً مِنْ التبحرِ فِي بطونِ كتب العُلُوم وَالتمتع بالتجوالِ فِي سوحِ الثَّقَافَة وَالفُنون. يضاف إلى ذلك انعكاس برنامج العمل هَذَا عَلَى أساليبِ التعامل مَعَ أقرانِه مِنْ المدرسين. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ السَماويَ وَمِنْ خلالِ استعراض مَا أُتيح لَيَّ مِنْ أقوالِ بعض مجايليه وَالنظر فِي شهاداتِ آخرين مِنْ طلبته، أبدع فِي أدائِه كمدرس للُغَةِ العربية. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرز وَأهم الدلائل عَلَى إبداعه هو اعتراف مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ فِي محافظةِ المثنى بالنهجِ الَّذِي اختطه فِي طرائقِ التدريس؛ إذ أوكلت إليه أكثر مِنْ مرةٍ مهمة إقامة دروس نموذجية لطلابِه يحضرها مدرسو وَمدرسات اللغة العربية فِي المحافظة، وَلاسيَّما فِي درسِ النحو، حيث كان يقوم بتأليفِ قصيدةٍ تتضمن أبياتها مَوْضُوع الدرس، وَمِنْ خلالِ شرح القصيدة يتم استنباط القاعدة النحوية، كما يتم معرفة بحر القصيدة وَتبيان السمات الأسلوبية وَالبلاغية، بالإضافةِ إلَى رسمِ مواضع الهمزة وما الى ذلك؛ فأصبح ” الدرس النحوي ” درساً فِي ” النقدِ وَالبلاغة وَالمطالعة ” مَعَ حرصه – المتعمد – عَلَى إنسانيَّةِ النص وَإشاعة الفكر الإنسانيّ التقدمي وَثَّقَافَة المَحَبَّة وَالتسامح كبديلٍ للأمثلةِ الجامدة وَالشعارات الَّتِي كان يتضمنها كتاب القواعد أو النحو.
فِي وقتٍ لَمْ يعد فِيه بيتُ شعر أحمد شوقي المشهور ” قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا… كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا “، حاضراً فِي أذهانِ الكثير من التربويين فِي بلادِنا؛ لِتيقنهم مِنْ أنَّهُ أصبح فِي خبرِ كان بوصفِه مِن الأبياتِ الشِعرية الَّتِي لا ينسجم مضمونها مَعَ مَا يجري حالياً فِي أروقةِ مدارسنا بفعلِ تمرد الطلبة عَلَى أساتذتِهم وَعدم مَنحهم المستوى المطلوب مِنْ ” التقديرِ وَالاحترام ” بتشجيعٍ مِنْ بعضِ أولياء الأمور المتفاعلين مَعَ فوضى ديمقراطية المحتل، وجدت مِن المناسبِ استعراض بعض مناقب السَماوي التَرْبَوِيَّة، فالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ مهنةَ التدريس أكسبت السَماوي صداقات واسعة وَحميمة مَعَ الطلاب، وَأكـاد أجـزم أن هَذَا التفاعل الإيجابي كان مِنْ بَيْنَ الأسباب الَّتِي حببت الأدب لعددٍ كبير مِنْ طلابه الَّذين أصبح لبعضهم اليوم حضوره الكبير فِي المشهد الإبداعي العراقي كالأدباء وَالشعراء قاسم والي، إياد أحمد هاشم، نجم عبيد عذوف، باقر صاحب، كاظم الحصيني، الدكتور عبد الرحمن كاظم زيارة، الشهيد المناضل كاظم وروار وغيرهم كثيرون. 
سَـحَـبَـتْـنـي مـن مـرايـا شُـرفـةِ الـفـنـدقِ نـحـو الـقـاعِ صـخـرةْ 
فـتـشــبَّـثـتُ بـحـبـلٍ مـن دخـانٍ كـلـمـا أنـفـثُـهُ :
يـنـفـثـنـي آهـاً وحـسـرةْ 
فـتـلاشـيـتُ كـمـا فـي الـبـحـرِ قـطـرةْ
 أيـهـا الـعـابـرُ مـن فـضـلـكَ : هـل ألـقـيـتَ نـظـرةْ
 حـولَ هـذا الـبـحـرِ والـشـرفـةِ والـشـارعِ والـبـئـرِ
فـإنـي ضـائـعٌ أبـحـثُ عـنـي مـنـذ أنْ سَــلَّـمَ وادي الـنـخـلِ لـلـعـاصـيـن أمـرَهْ
 لـم أجـدنـي فـي دجـى الـبـئـرِ وبـطـنِ الـذئـبِ والـحـوتِ
فـهـل فـتَّـشـتَ عـنـي ؟
إنـنـي الأعـمـى الـذي هـيَّـأ قـبـلَ الـمـوتِ قـبـرَهْ
كان السَماوي صادقاً فِي مهمته التَرْبَوِيَّة وَالمتمثلة فِي سعيِّه الحثيث للمُسَاهَمَةِ بِبناءِ أجيالٍ محصنة بالعلمِ وَمدركة لقيمةِ الثَّقَافَة وَتأثيرها، بَيْدَ أنَّ كُلَّ مَا فعله لَمْ يكن ذا أهمية فِي صلبِ تفكير إدارة تَرْبَوِيَّة تَنْهَل مِنْ معينِ النظام الشمولي فكراً وَممارسة، حيث فوجئ بقرارِ نقله مِنْ الآفاقِ الَّتِي يجد نفسه فِيها إلى ” مُدِيرِيَّة بَلَديَّة السَماوة “، موظفاً لا عمل له. وَبعد مضي سنة دراسية كاملة قضاها فِي العملِ بمُدِيرِيَّةِ البَلَديَّة، استعاد السَماوي يحيى فرحاً صُودِر منه كيدا فِي أعقابِ إعادة خدماته ثانية إلى قِطاعِ التَّرْبِيَة بسببِ حاجة التَّرْبِيَة يومذاك إلى المدرسين. وَقد مكث فِي التدريسِ سنوات عدة، حتى شروع النظام الحاكم فِي التعاملِ مَعَ هَذَا القِطاع الحيوي بالاستنادِ إلى نهجِ ” التبعيث “. وَحين أعلن السَماوي امتناعه عَنْ الإنتماءِ للحزبِ الحاكم، تم نقله وظيفياً إلى مكتبِ ” بريد السَماوة ” ليمارس فِيه وظيفة ” رزّام رسائل “، عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّه كان باعترافِ ” مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ ” وَإدارة المدرسة وَطلابه، مدرساً ناجحاً لدرجة أنَّ مُدِيرِيَّةَ الإشراف التَرْبَوِيّ كانت تكلّفهُ سنوياً بإقامةِ درسٍ نموذجي لطلابِه، بحضورِ مدرسي وَمدرسات المحافظة؛ إذ فوجئ ذات صباح بأمرٍ صادر مِنْ ” مُدِيرِيَّةِ تَّرْبِيَة محافظة المثنى ” بإنهاءِ علاقته بالتدريس؛ إستنادا للأمرِ الوزاري ” المرقم 42051 وَالمؤرخ فِي الثالثِ مِنْ تموز عام 1980م “، وَ الَّذِي يقضي بنقلِ خدمته الوظيفية مِنْ ” مدرس ” إلى ” رزّام  رسائل ” فِي مكتبِ بريد السَماوة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أنَّ السببَ المعلن فِي أمرِ نقل خدماته – وَعدد آخر مِنْ زملائِه – هو مقتضيات ” المصلحة العامة “، إلا أَنَّ غيرَ المعلن هو : رفضه وَزملائه الإنتماء لحزبِ البعث الحاكم.
 لـسـتُ وحـدي أجـلـسُ الان عـلـى سـاحـلِ ” هِــنْـلي بـيـجْ ” 
أرمـي الـمـوجَ والـرمـلَ بـأحـجـارِ الـنـدَمْ  
لـسـتُ وحـدي فـأنـا فـي قـلـبـيَ اللهُ 
وفـي عـيـنـيَّ بـحـرٌ
 ويـدي تـحـمـلُ أوراقـاً وتـبـغـاً وقـلـمْ
 وبـأعـمـاقـي جـبـالٌ مـن هـمـومٍ
 وسـهـولٌ مـن ألـمْ
 لـسـتُ وحـدي .. 
إنـنـي فـردٌ ولـكـنْ بـيـن أضـلاعـي شـعـوبٌ وأمـمْ 
كـيـف أشـكـو وحـشـةَ الـوِحـدةِ والـبـحـرُ صـديـقـي
ونـديـمـي الـصـمـتُ ..
 هـل يـشـكـو صـريـرَ الـريـحِ مـزمـارُ الأصَـمّْ ؟
 الشابُ الثوري المهووس بالثورةِ الَّتِي أكلت نفسها فِي مطلعِ ستينيات القرن الماضي، وَالَّذِي وصفَه – بعد عقود مِنْ تلك الأيام – الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول : ” السَماوي كالحجر الذي رفضه البناؤون وأصبح رأسًا للزاوية “، انتظم في مهنةِ رزم الرسائل بمكتبِ بريد السَماوة – لا عَنْ رضىً وَلا طيب خاطر – بعد أنْ تسببَ وعيه الوَطَنِيّ وَانغماسه فِي حركةِ اليسار عيشه خارج أسوار بِيئَة التَّرْبِيَة الَّتِي أحبها وَشغف بفنونِها حد العشق، فضلاً عَنْ مثابرتِه وَجهده الكبير، ومَا مِنْ شأنه الإثقال عَلَى أسرتِه مِنْ أجلِ التشرف بالانتماءِ إلى أروقتها ورسم ملامح الإبداع فِي فضاءاتِها، بَيْدَ أنَّ التضييقَ عَلَيه وَجعله بعيداً عَنْ طلبتِه، فضلاً عَنْ وضعِه تحت أنظار عسس السلطة ومخبريها السريين وَكتاب التقارير الإخبارية، لَمْ يبعده عَنْ همومِ شعبه، فكانت سياط أمن السُّلطة الَّتِي تجرى عَلَى ظهورِ آلاف العراقيين المطالبين بالكرامةِ وَالحريةِ تترك ندبات عَلَى جسمِه وَتعرج أخاديدَ عَلَى وَجهه. 
قـالَ لـيْ الأعـمـى : أنـا أرضٌ يـبـابْ 
لـيـس يـعـنـيـنـي إذ أشـرقـتِ الـشـمـسُ
أو الـبـدرُ عـن الـشـرفـةِ غـابْ
 مـا الـذي تـخـسـرهُ الـصـحـراءُ إنْ جَـفَّ الـســرابْ؟
السَماوي يحيى وجد نفسه ثانيةً بعيداً عَنْ تدريسِ طلبته أعلام الشعراء العرب كالمتنبي وَالبحتري وَامرئ القيس وَأبي تمام وَالنابغة الذبياني وَالمعري وَابن الرومي وَغيرهم، بعد أنْ أنيطت به مهمة لا تمُت إلى المؤهلِ العلمي فِي مجالِ اختصاصه أو نشاطاته المَعْرِفية وَاهتماماته الأدبية بأيِّ صلة؛ إذ أجبر عَلَى العملِ فِي عزلِ الرسائل وَرزمها فِي أكياسٍ قبل أنْ يبعثها بنفسِه – وَأحياناً سائق الدائرة أو عامل الخدمة الَّذِي يشار إليه محلياً باسْمِ الفرّاش – ليلاً إلى محطةِ القطار مِنْ أجلِ إرسالها إلى المدنِ الأخرى. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ السَماويَ لَمْ يستقر بِه الحال هكذا طويلاً؛ إذ سرعان مَا أصبح مكبلاً بقيودِ العزلة القسرية عندما جرى نقله إلى وظيفةِ ” أمين مخزن القرطاسية “، وَالَّتِي يقتصر واجبه فِيها عَلَى تجهيزِ مكتب البريد بالورقِ وَأقلام الحبر الجاف وَبقية القرطاسية، حيث كانت معاناته حملاً ينوء بِه ظهره؛ لأَنَّ ذلك المخزن لَمْ يكن إلا عبارة عَنْ غرفةٍ ضيقة معزولة مِنْ أجلِ عزله عَنْ بقيةِ الموظفين وَالموظفات. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ لقسوةَ تلك الأيام وقعاً فِي ذاتِ السَماوي، فقد كان هناك مِن المواقفِ مَا اخترق جدران عذاباتها بلمسةِ جمالٍ إنسانيَّة تعكس الأمل وَتدفع للتسامحِ والتكافل وَالمودة الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي زرعِ الثقة بقلوبِ الآخرين، وَرُبَّما القدرة عَلَى التأثيرِ فِي إعادةِ النظر بالحياة وَتغيير بعض المفاهيم، وَلا أدلَّ على ذلك مِمَا جعل إحدى زميلاته فِي دائرةِ البريد تضمين محتويات حقيبتها اليدوية ” أبره وَخيط  وَأزرار “؛ لأجلِ إصلاح ملابسِه الممزقة بفعلِ مَا يتعرض لَهُ مِنْ ضربٍ وَركلات وَغيرهَا خلال حفلات الاستجواب شبه الشهرية فِي دائرةِ أمن البلدة، فضلاً عَنْ تمكنه مِنْ كسبِ وَد الموظفين وَالعمال هناك؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ العزلةِ الَّتِي فرضت عَليه، فإنَّ بعضَهم اصبح متعاطفاً مَعَ الحزبِ الشيوعي، فكان السَماوي يبيعهم خلسة جريدة ” طريق الشعب ” وَمجلة ” الثقافة الجديدة “، مَعَ العرضِ أَنَّه كان شديد الحذر فِي التعاملِ مَعَ الآخرين؛ لِعلمه بوضعِه تحت مراقبة أجهزة أمن النظام وَعسسه. وَضمن هَذَا الإطار للسَماوي يحيى قول جميل نصه : ”  نحن – الصعاليك – مثل نبات الأثل، نزداد انتشاراً وَتوغّلاً فِي الأرضِ كلما حاولتْ مناجل الجبابرة اجتثاثنا “.
 الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي
والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ 
جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ ـ فـي عـيـنـيَّ ـ والـنـجـومْ 
وهـا أنـا : مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ
وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ 
لابُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ 
خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو ـ ولـكـنْ تـسـكـرُ الـكـأسُ ـ
وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ 
عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي
وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي ..
فـهـل أنـا ” ثـمـودُ ” ؟ أمْ ” سـدومْ ” ؟
إذا كان بمقدوري استعارة المعنى مِنْ بيتٍ شعري لأبي الطيب المتنبي نظمه قبل أكثر مِنْ ألفِ عامٍ عند خروجه مِنْ مصر عَلَى أيدى جماعة مِنْ قطاعِ الطرق كان قد هجا كبيرهم بقولِه : ” وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ ..  وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا “، فإنَّ مِنْ المضحكاتِ المبكيات الَّتِي يمكن أنْ تُساهم فِي رسمِ صورة للواقعِ العراقي أيام النظام السابق هو أنْ يغادرَ السَماوي يحيى مربي الأجيال – قسراً أيضاً – وظيفته الَّتِي كان يعاني فِيها العزلة وَيجبر لتأديةِ خدمةِ ” الإحتياط ” فِي محرقةِ حرب الخليج الأولى، فِي زمنٍ كان يُعفى فِيه المدرس مِنْ هذه الخدمة، حيث كان أقرانه مِن المدرسينِ وَالمعلمين يعيشون بعيداً عَنْ جبهاتِ الموت وَخنادقها بفضلِ قرارِ النظام استثناء المدرسينَ مِنْ مواليد عام ( 1949 ) مِنْ أداءِ الخدمة العسكرية كجنود احتياط، فكان أنْ سيقَ إلى مطحنةِ القادسية ليبقى ثمان سنين؛ بالنظرِ لزوالِ العذر الرسمي الَّذِي يوجب أنْ يكون المستثنى منتظماً فِي قِطاعِ التَّرْبِيَة وَالتَّعْلِيم، والمتأتي مِنْ رفضِه خيانة مبادئه وَالانتماء لحزبِ البعث. 
لأنَّ عـيـنـيـكِ عـمـيـقـتـانِ عُـمْـقَ الـكـاسْ :
صـرتُ ” أبـا نـؤاسْ ” !
*
لأنَّ عـيـنـيـكِ حـديـقـتـايَ فـي الـيـقـظـةِ
و ” الـبُـراقُ ” إنْ أسـرى بـيَ الـعـشـقُ إلـى جـنـائِـنِ الأحـلامْ : 
صـرتُ نـديـمَ الـوردِ والـطـيـورِ
والـسّـادِنَ فـي مِـحـرابِ شــيـخـي ” عُـمَـرِ الخَـيّـامْ “
*
لأنَّ عـيـنـيـكِ بُحَـيْـرَتـانِ من ضـوءٍ تـشـعّـان بـكـلِّ الـفـصولْ :
صارَ فـمي مِـئـْذنـةً تـُمَـجِّـدُ الـسّــنـبـلََ في الحـقـولْ
*
ليس خافياً أنَّ ركونَ السلطة إلى قرارٍ ” أسطوري ” يقضي بتحويلِ تَرْبَوِيٍّ حاذق – يعتمد نظم الشعر لغة مَعَ البِيئَة الَّتِي يعيش فِيها وَيتواصل بِه مَعَ البَشَريَّة – إلى رزامِ رسائل، يعكس مِنْ دُونِ أدنى شك أنَّ متخذه لَمْ ينل الحد الأدنى مَن الأهلية، وقد زُجَ فِي أروقةِ إدارةٍ مهمة لا يفقه فيها شيئًا. ولعلّ مِن المناسبِ اليوم، وَنحن فِي رحابِ استعراض بعض ذكريات تلك الأيام الإشارة هُنَا إلى أنّ تقدمَ الأمَم وَالشعوب يعود إلى طبيعةِ معطيات الإدارة المعتمدة فِيها، حيث أَنَّ بوسع الإدارة العِلْميَّة إنجاح المُنَظَّمَات داخل المُجْتَمَع؛ نتيجة مقدرة آلياتها عَلَى اِسْتِغلالِ المَوَارد البَشَريَّة وَالمادِّيَّة بفاعليةٍ وَكَفاءَة عالية. وَمصداقاً عَلَى مَا تقدم يمكن الاستشهاد بكثيرٍ مِن الدولِ الَّتِي تمتلك المَوَارد المَالِيَّة وَالبَشَريَّة، لكنها مَا تزال منضوية تحت خيمة الدول المتخلفة بسببِ النقص فِي خبراتِها الإدارية. يُضافُ إلى ذلك أنَّ نجاحَ خطة التَّنْمِيَة الاقْتِصَادِيَة وَالاجْتِماعِيَّة، وَتحقيقها لأهدافها يتوقف عَلَى حُسنِ استخدام مَا مُتاح مِن المواردِ المادِّيَّة وَالبَشَريَّة.
*
لأنّ عـيـنـيـكِ وديعـتانِ كـالأطـفـالِ فـي مـديـنـتـي ..
تـُضاحِـكانِ الـنـخـلَ فـي الـبـسـتـانِ والـنـجـومَ فـي الـسـمـاءْ : 
صرتُ مـيـاهـاً فـابْعـثـيـني للعـطـاشى مـاءْ
*
لأن عـيـنـيـكِ تـُحِـبّانِ الـسّـنا
وتـكـرهـانِ الـدمَ والـخـنـجـرَ والـبـارودَ والـظـلامْ : 
غـنّـيـتُ لـلـعـشـقِ وللأطـفـالِ والـسّـلامْ
*
لأنـنـي ابـتـدأتُ مـنـكِ رِحـلـةَ الـمـعـراجْ : 
دعـوتُ أنْ يُـورِثَـنـي مـصـيـرَهُ ” الـحلاّجْ ” ! 
لَمَا كانت الإدارة تشكل عصب الدَّوْلَة وَالسُّلطة، وَتجسيدها الأمثل، فإنَّ الإدارةَ السليمة تفرض عَلَى المدراءِ وضعِ الشخص المناسب فِي المكانِ المناسب؛ تحقيقاً للعدالةِ وَمراعاةً لظروفِ العمل وَمتطلباته، إلى جانبِ قدرات الفرد وَإمكانياته. وَيَبْدُو جلياً أنَّ صاحبَ ذلك القرار ” المعجزة ” لَمْ يصل للإدارةِ بالاستنادِ إلى َكفاءته أو خبرته، وَإنما أرتقى سلالم المنصب الوظيفي بأجراءٍ إداريٍّ خاطئ أو بمحضِ الصدفة أو بانتهاجِ سبلٍ لا تقيم وزناً للإمكانات، وَلا تعول عَلَى مَا يلزم مِنْ مهارات. وَلا أَكتُمُ سراً عندما أقولَ أَنَّ مِنْ بَيْنَ أهم العوامل الَّتِي أثارتني للحديثِ عَنْ تلك الحادثة المؤلمة الَّتِي تجرع مرارتها الكثير مِنْ الوطنيين وَالاحرار هو التخبط الَّذِي يخيم عَلَى المشهدِ السِّياسِيِّ المَحَلّيّ؛ نتيجة لافتقارِ القيادات الإدارية إلى التَّخْطِيط المنظم وَالمتقن الَّذِي يرتكز عَلَى فهمٍ عميق لأهميةِ عملية التَّنْمِيَة وَدورها المرتجى فِي مهمةِ بناء الإنْسَان وَرقيه وَتطوره، بالإضافةِ إلى مَا مِنْ شأنِه النهوض بالبلادِ اقْتِصادِياً وَاجْتِمَاعِياً وَثقافيا، وَصولاً إلى النهضةِ الحقيقية الشاملة. وَلعَلَّ فِي مقدمةِ تلك الاخفاقات هو الخيبة فِي مواكبةِ التطوير بمختلفِ جوانب العملية التَرْبَوِيَّة وَالتَّعْلِيميَّة، بِمَا يضمن تبنى المتفوقين وَالنابغين وَدعمهم؛ لأجلِ تمكينهم مِنْ تطويرِ ملكاتهم وَتنمية قدراتهم بِمَا يُساهِمُ فِي الارتقاءِ بالبلاد. وَليس أدل عَلَى ذلك مِنْ أَنَّ أستاذَ اللغة العربية الَّذِي قدر له أنْ يعملَ فِي رزمِ الرسائل مرغماً، لَمْ يقتصر عطاؤه عَلَى تركِ بصمة فِي المشهدِ التَرْبَوِيّ العراقي، حيث مكنه مداد يراعه أنْ يصبح بعد سنوات أحد أهم العنوانات داخل الخارطة الشعرية الَعرَبيَّة بفضلِ تنوع نتاجه الشِعريّ مَا بَيْنَ القصيدة العمودية الَّتِي عشق كتابتها منذ بداياته الأولى وَمَا بَيْنَ القصيدة الحرة الَّتِي يتنقل فِي تفاعيلها، فضلاً عَنْ تخطي صيته وَشهرته الصعيد المَحَلّيّ وَالعربي، مثلما يشهد بذلك المترّجَم مِنْ أعمالِه إلى لغاتٍ عدة، إضافة إلى الرسائلِ وَالأطاريح الجامعية لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في جامعاتٍ إيرانية وهندية؛ بالنظرِ لكونِ مضامين أعماله الشِعرية نابعة مِنْ إحساسٍ صادق وَعميق مفعم بالحبِ وَالجمال واحترام الإنْسَان وَالدفاع عَنْ قَضايَاه. 
إنَّ لـقـاءً قـصـيـراً
يـمـنـعُ زَعَـلاً طـويـلاً .. 
فـتـصـدَّقـي عـلـيَّ ولـو بـ ” شِـقِّ لـيـلـةٍ “
أشـربُ فـيـهـا خـمـرَ أنـوثـتـك بـكـأس رجـولـتـي 
كـلُّ قُـبـلـةٍ تـتـصـدَّقـيـنَ بـهـا عـلـيَّ :
سـأجـزيـكِ بـعـشـرةِ أمـثـالـِـهـا
ذات سَماوة، سأل السَماوي وَالده : ” هل جرّبت الجندية يا أبي ؟ “. وَمِنْ دُونِ حاجة الحاج عباس ” طيب الله ثراه ” إلى وقتٍ للتفكير أجابه على الفور : ” نعم يا ولدي… حاولت التملص منها فلم أستطع؛ لأَنّيَ لم أكن وحيد العائلة فأعفى، ولا ثرياً فأدفع البدل النقدي..! “. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ كلماتَ الحاج عباس كانت أكثر مِنْ إجابة عَلَى سؤال، فالمتمعن بمضمونِها الإنساني يعي جيداً أَنَّ الدفاعَ عَنْ الوطنِ محصور بالفقراء. ولأَنَّ جوابَ الوالد كان بمثابةِ صفعة لولده، سأل يحيى والده ثانية ببراءةِ الفتوة : ” لكن الفقراء لا يملكون بيوتاً فخمة وسيارات ونقوداً كثيرة .. المفروض أنْ يكون الأثرياء أكثر دفاعاَ عن الوطن؛ لأنهم تنعّموا بخيراته… أليس كذلك يا أبي؟ “، إلا أَنَّ الجوابَ كان بحاجةٍ إلى تفكيكٍ لألغازِه فِي ظلِ مَا اكتنفه مِنْ غموضٍ أوقع الفتى السَماوي فِي حيرةٍ مِنْ أمره، حيث أجابه الحاج عباس بِمَا نصه : ” سيأتيك القوس بلا ثمن فاهتمْ بدروسـك! “. ولقد جاء القوس فعلاً، لكنه كان بأثمانٍ باهظة، وَليس مِنْ دُونِ ثمن كما اعتقد السَماوي. وَأنا أتأمل بعض تداعيات ” قوس ” السَماوي يحيى، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري إحدى رسائل الروائي وَالصحفي الفلسطيني غسان كنفاني ( 1936 – 1972 ) إلى الأديبةِ السورية غادة السمان، وَالَّتِي نصها ” ويبدو أنَ هناك رجالا.. لا يمكن قتلهم إلا من الداخل “.  ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here