بغداد- كنوز ميديا
ربما كانت تتنبّأ بما سيحدث لها   (فلا صايرة ولا دايرة) ان ينتهي بها المطاف على رصيف بارد، تلوذ ببطانية قذرة بالية، وهي التي كان يتودد لها الامير والفقير طالبا رضاها، ويطرب لصوتها الكبير والصغير، يوم كانت ترتدي اغلى الملابس وتطوق جيدها اغلى الحلي ...فربما حبّها او زواجها (خلاها حايره )، كانت عصفورة ملوّنة شادية على كلّ غصن، تطير هنا وهناك ... فانكسر بها الغصن وماعاد يأويها لاغصن ولا شجر تائهة فوق أرصفة الشوارع الخلفية بعد أن غادرتها أضواء المدينة وسقطت في قاعها.
الفنانة سهى عبد الأمير (أم سجو) كما يناديها الاصدقاء والمقربون ترتدي ملابس بالية وقذرة وتغتسل في حمام الكراج المقابل لشقتها القديمة في عمارة طارق ! وينام على بعد أميال عنها مدمن كحول! ، فبعد ان طالتها الشائعات وانتهى بها المطاف على حسب قول المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي لوجودها في مستشفى ابن الرشد الذي لم يستقبلها أصلا؟!

للجنون أسرار
قصاب المنطقة الذي عرف سهى وهي بكامل قواها العقلية يتحدث عن الشائعات التي طالتها قائلا: كانت سهى تسكن الشقة التي تقابل محل القصابة لوالدي الذي أملكه الآن من بعده، وكانت متزوجة ولديها ثلاثة أطفال، كانت كأية امرأة تمارس حياتها حتى جاء اليوم الذي تعالت فيه أصوات الصراخ من العمارة التي تسكنها (سهى)، واتضح بأن تلك الأصوات صادرة عن شقتها بعد أن توفي ولدها علي بين يديها، ومنذ ذلك الوقت لم يعد لوجودها أي أثر ولم نرها إلّا بعد عام 2003 وهي على هذا الحال، ومنذ وقت ونحن نسعى لانتشالها من وضعها المزري بعد أن رفض مستشفى ابن رشد والشماعية استقبالها إلّا بإجراءات صارمة نعجز عن تلبيتها من ضمنها وجود ولي أمرها ؟!.
" لم يكن هناك أي حلّ جذري لحالة سهى سوى العمل الإعلامي والتقاط الصور من دون فائدة" بهذه العبارة بدأ حسين ابو الكراج حديثه قائلا: بعد أن جاء عدد     لا يعدّ ولا يحصى لالتقاط الصور وحضور نقيب الفنانين الذي تابع حالتها وفي اثر ذلك طلب من احد الموجودين اعطاءها العلاجات النفسية في الشارع! الذي          لا وجود له أصلا ! فمازالت سهى لم تغادر عتبات شارع الكراج، فهل يعقل ان فنانة عراقية تلوذ وحدها في شارع كالح ومظلم     ولا تجد من ينتشلها من جنونها؟.

الجنون فنون 
"الجنون" عالم خال من المظاهر الخادعة، والمجانين قد يتعرضون للاستغلال وقد يصبحون أداة للكثير من الجرائم، وهم يلقون الكثير من الضغط والاجحاف من قبل عوائلهم التي تتناسى ان هؤلاء ”رفع عنهم القلم”  ، فهم لا يملكون من العقل شيئاً، ولكنّهم يملكون حرية التعبير، فلا خوف لديهم ولاحواجز ولايخشون من عبارة قد تطيح إلى الهاوية، فيتحدثون غير مدركين عن ماذا يتحدثون، ولا تحتاج الى موعد مسبق لتتحدث معهم ، نصادفهم غالباً في الشوارع وعلى حافة الأرصفة ينتظرون من يغيثهم وينتشلهم من الوضع المؤسف الذي يعيشونه بهندام ممزق ووجه متسخ ضائع الملامح قد يثير اشمئزاز وخوف الكثير من المارة، مع ذلك فقد يثيرون فضول البعض منّا في حديثهم غير المفهوم عمّا يجول في مخيلتهم؟ فإذا كان العقل سر حياة  الإنسان وسعادته، فكيف هو الحال إذا أصيب العقل بالجنون ولم يجد من يعيد إليه نظامه الطبيعي  ؟.

العودة إلى الطفولة
عندما بدأت هالة وهي فتاة في الرابع العام تبكي نتيجة أسباب تافهة، تصور أفراد عائلتها أن ذلك مجرد دلال فائض عن حدّه، أو هو تنفيس لما تعانيه من مشقة التواصل مع حصصها الدراسية. لكنّ الأمر لم يكن كذلك أبداً، فسرعان ما تطور الحال إلى أن يصبح واقعاً مزعجاً، إذ بدأت هالة تبكي بكاء لا ينقطع لاتفه الأسباب ولم تفلح شتى المحاولات في إرضائها، ثم بدأت تبكي من أجل الاستحواذ على لعب أخوتها الصغار، وتطور الحال لينتقل إلى المدرسة فأخذت تبكي هناك في الصف لأسباب غير مقنعة وصارت حديث المدرسة كلّها، فاضطرت عائلتها إلى منعها من الذهاب إلى المدرسة. بقيت العائلة محتارة فيما عساها أن تصنع، فابنتهم لم تتعرض لصدمة مفاجئة، ولم تتوصل الفحوصات إلى نتيجة حاسمة فكلّها تؤكد سلامتها من الناحية العضوية. اضطرت العائلة في النهاية إلى ان تتحفظ على ابنتها وأن تراقبها مدار الساعة، وان تتحمل كلّ ما يبدر عنها من تصرفات من دون التفكير بعرضها على أخصائيين نفسيين خوفاً على سمعة العائلة.

عاشق الجميلات
تعدّ المنطقة المحصورة مابين سيارات التكسي القديمة التي تنطلق من باب المعظم باتجاه ساحة النصر في الباب الشرقي وحتى منطقة الشورجة الميدان المتعارف لتجوال (نعمة)،وهو مجنون كبير السن هادئ وغير مؤذٍ تماماً، ينطلق (نعمة) على امتداد شارع الجمهورية ذهاباً واياباً بملابس رثّة ويضع على رأسه غطاءً من الصوف يشبه غطاء رأس بابا نوئيل من ناحية الشكل فقط ولكن بالوان مختلفة. يتلخص جنون هذا الرجل في عشق النساء الجميلات لاسيما اللواتي يرتدن الملابس الحديثة كالتنورات والبنطلونات، فما ان يرى واحدة حتى يتجه نحوها بسرعة، وقد يعبر الشارع المزدحم بالحركة والسيارات للوصول الى احداهن اذا كانت تسير على الجانب الاخر من الشارع، لايقول نعمة اية عبارة من عبارات التحرش المألوفة، ولايقوم بأية حركة من الحركات التي تخدش الحياء، بل يقف في حالة الاستعداد العسكري ثم يؤدي لها تحية بكل حماس، بعدها ينزل يده على جانبه وينصرف سريعا، يتسرب الخوف والهلع الى قلوب بعض النساء، وقد تضطر احداهن الى الصراخ، لكنها سرعان ماتبتسم بعد ان تدرك ان الرجل ادى تحيته وانصرف من دون ان يلحق بها أذى او ضرر.
  
الزمان والمكان 
يعتقد البعض ان الزمان والمكان لهما اثر كبير في تدهور بعض الحالات الصحية وقد تؤدي الى الجنون وهذا ماحدث لـ(بدعة المخبلة) كما يناديها اطفال المحلة، التي تعرضت للضرب من قبل جد ولدها في الحمام !
 هذا ما أقصحت عنه اختها أم علي قائلة: كانت اختي تعيش حياة مسالمة مع زوجها، وذات مرة، ومثل اي أم، اخذت رضيعها لتحممه معها ولشدة صراخه خوفا من الماء في الحمام، دخل والد زوجها عليها وهي عارية، فاحتارت بين احتضان ولدها وبين ستر نفسها ، فقام بضربها  على راسها ، ومازالت (بدعة ) ومنذ ذلك تعاني الرهاب والخوف من الدخول الى الحمام والهوس من استخدام الماء .

رأي طبي 
يقول د.حيدر المالكي دكتوراه في الامراض النفسي والعصبية: ان أسباب الامراض العقلية بصورة عامة تقسم على قسمين: وظيفية وعضوية، والاخيرة تحدث نتيجة لخلل في الخلايا الدماغية المعروف بـ(الخرف والوهم)، واما الاسباب الوظيفية فهي كثيرة وقد تكون اجتماعية او وراثية. 
ويؤكد المالكي ان بعض الامراض العقلية يمكن علاجها ولاسيما ان هذه الامراض تبدأ بأعراض حادة تسمى ( الذهان الحاد) وقد يستمرعلاجها شهراً، واما القسم الاخر، وهو ما يسمى بـ( ذهان مابعد الولادة) لأن المرأة تصاب بعد الولادة بهلاوس سمعية وبصرية وافكار ذهانية غير اعتيادية يمكن السيطرة عليها ومعالجتها ايضا، وهناك حالات من الامراض العقلية المزمنة التي من الممكن علاجها من خلال توفير البيئة الصحية المناسبة بالاضافة الى العلاج الطبي .واما بالنسبة الى الصدمات النفسية فهي لا تؤدي الى الجنون ولكنها  قد تسبب الاكتئاب والوسواس، إلّا ان هناك بعض المرضى ممن يتقبلون المرض في حالة تعرضهم لصدمات نفسية، فتتحول الصدمة الى مرض عقلي نتيجة لأسباب وراثية او ضرر
 عضوي.

مرضى مجرمون 
ويوضح المالكي ان المريض النفسي هو مريض مسالم، إلّا ان هناك من لديهم بعض الافكار الاضطهادية بمن حولهم، وهؤلاء يكونون عدائيين ويعانون من الانفصام ويعتقدون ان الكل يخططون لقتلهم وإيذائهم، فيقومون بأذيتهم وخاصة افراد العائلة وهذا ماحدث مع (س) من سكنة محافظة بغداد عندما عرض علينا من قبل اللجنة العدلية لقتله عائلته بأكملها وهو بكامل قواه العقلية، وعندما خضع للمساءلة تحدث عن جريمته وأسبابها قائلا: "احضرت زوجتي واولادي  ووضعتهم  في غرفة مظلمة ومعتمة وفيها ديناميت، وقمت بإحراقهم حتى الموت، لانهم يخططون لقتلي، فزوجتي على علاقة مع ولدي الأكبر " وافكار اخرى لايمكن تصديقها وبعد اجراء اللازم اتضح ان لديه انفصاماً في الشخصية، فالشخصية السايكوباثية تكون عدوانية وتميل الى الإجرام، وفضلا عن ذلك فقد استغل بعض المصابين بالذهان من قبل المجموعات الإرهابية لتفخيخهم، فتم اعطاؤهم ستراً مفخخة لتفجيرها 
عن بعد.

العلاج الشعبي والروحاني
يرى الاطباء النفسيون ان العلاج الشعبي والروحاني موجود في المجتمعات المتخلفة فقط، وهو   لا يمت باية علاقة بالطب النفسي (الوظيفي والعضوي)، والذي يحتاج الى علاج نفسي وليس روحانياً.ففي القرن الرابع عشر والسادس عشر في اوروبا كان الكثير يعتقدون ان المرضى النفسيين مصابون بمسّ من الجن، فكان علاجهم من خلال ربطهم بالسلاسل وضربهم بشدة وطردهم من القرية، ولكن انتشر العلاج الروحاني بشكل كبير ويسمى لدى الاطباء النفسيين ( بالدجل) فلا يوجد هناك اية علاقة بين العلاج الروحاني والعلاج النفسي.
أما سبب انتشار مثل هذا الطب في مجتمعنا ولجوء عدد كبير من المرضى اليه فيعود لافتقار العراق الى اطباء الاطفال النفسيين ( فعددهم اثنان فقط) وذلك لان معظم الاطباء من الخريجين  يطمحون الى التخصص خارج نطاق العمل النفسي لما فيه مردودات مالية عالية، اما الطبيب النفسي فيعتمد على العيادات الخاصة بالاضافة عدم وجود توصيف وظيفي بوجود باحث اجتماعي نفسي يعين بالمستشفى، إذ يعين بصفة ملاحظ، وهذ سبب طارد للتخصص في هذا المجال.

 *88*

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here