كنوز ميديا – متابعة

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية في نهاية كانون الأول 2012، مقالاً كشفت فيه طبيعة عمل وحدة «-»Global Response Staff (فريق الاستجابة العالمي) التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وذكرت ان لبنان يندرج ضمن لائحة تضم ست دول ينتشر فيها عناصر هذه الوحدة الاستخباراتية الأميركية.
هذه الوحدة واختصارها «GRS» أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية غداة الحادي عشر من أيلول لتأمين الحماية المسلحة لعملائها، أو تدريبهم في مناطق قتال الجيش الأميركي خارج الأراضي الأميركية، مثل أفغانستان على سبيل المثال لا الحصر، إلا أنه سرعان ما توسع نشاط هذه الوحدة ليشمل مهام جديدة بينها حماية القواعد السرية للطائرات من دون طيار، ومرافقة «جواسيس» الوكالة في مهامهم في مختلف البلدان.
وتبين الصحيفة الأميركية العريقة توسع نشاط الوحدة في حماية عملاء ومراكز وكالة الاستخبارات في ست دول، بينها لبنان، وهي تشكل معا أبرز أوكار الـ«CIA» في العالم.
هذه القضية يسلط الضوء عليها الصحافي والمدير التنفيذي لـCorpWatch براتاب شاترجي في حديث لـ«السفير»، مشيرا في البداية الى أنها تستدعي اهتمام اللبنانيين ووعيهم وقلقهم. ويستعين لتدعيم موقفه بأمثلة عن عمليات الـ«GRS» في بلدان كأفغانستان وباكستان. في هذا السياق، يشير الى أن 5 من أصل 14 من عملاء CIA ممن قتلوا منذ العام 2009 كانوا يعملون لحساب هذه الوحدة بصفة مقاولين (2 في بنغازي في ليبيا و3 في خوست في أفغانستان).
يستفيض شاترجي في شرح حادثة ارتكبها العميل الأميركي ريموند ديفيس في لاهور في باكستان في العام 2011 ويقول: أطلق هذا العميل الأميركي النار على مواطنين باكستانيين وتركهما جثتين هامدتين، واللافت للانتباه أنه لم يحاكم أو يعاقب، بل أخرجته الحكومة من باكستان ودفعت عبر الدولة الباكستانية 2,3 مليون دولار أميركي تعويضا للعائلتين ( (Blood Money.
يعتبر شاترجي أن موظفي وحدة الـ«GRS» يصلون إلى وجهتهم (البلدان) وبحوزتهم «رخصة القتل»، فالولايات المتحدة تتعامل معهم كديبلوماسيين، ما يعني أن أغلبية هؤلاء يحملون جوازات سفر ديبلوماسية، وبالتالي في حال وقوع حادث مماثل لما جرى في لاهور، يقع على عاتقها أن تنقذهم وتحميهم.
يفسر براتاب شاترجي وجود هذا الكم من موظفي الـ«GRS» أو المقاولين الذين تستخدمهم في لبنان، «نظراً لأهمية لبنان الإستراتيجية بالنسبة للمخابرات المركزية الأميركية وحاجتها لأطراف يسهل تنقّلهم وإنجاز مهامهم بسلاسة». إذ أن موظفي السفارة الأميركية في أي بلد غالبا ما يكونون مقيدين بإجراءات وتعليمات أمنية صارمة تحد من أطر عملهم.
واستنادا لتاريخ الولايات المتحدة وسجلاتها الحافلة بفضائح التجسس، لا يستغرب براتاب شاترجي وجود جواسيس أميركيين في لبنان، لاسيما أن حادثة لاهور أظهرت من خلال صور ومستندات وجدت في سيارة ديفيس، أن الولايات المتحدة كانت تتعقب وتسجل تحركات الجيش الباكستاني، مع العلم أنها تدعم الحكومة هناك، لذا ليس من المستبعد أن توظف «وكالة الاستخبارات المركزية» والـ«GRS» أشخاصاً وشركات خاصة لتنجز مهمات «مشبوهة» مماثلة في لبنان، ولو أنها تجاهر بدعمها للحكومة والرئيس والجيش في لبنان.
تشمل نشاطات هؤلاء «المسلحين» من صحافيين ومقاولين وتجار وغير ذلك من التوصيفات المهنية «الملفقة»، حماية عملاء الاستخبارات الأميركية وتسهيل مهامهم، من دون تحميل الحكومة الأميركية مسؤولية أعمالهم كونهم لا يحملون أية صفة وظيفية أميركية رسمية، ولا يُستخدم هؤلاء «المقاولون» فقط من قبل الـ«GRS» انما أيضاً من قبل المؤسسة العسكرية الأميركية التي تستعين بهؤلاء في حروبها.
وردا على سؤال، لا يجد شاترجي أن هناك حاجة أميركية للجوء إلى وسطاء من هذا النوع لنقل أسلحة أميركية من لبنان إلى مجموعات المعارضة في سوريا. ويؤكد الصحافي الأميركي «أن السعودية تلعب دورا يغني الولايات المتحدة عن استخدام طرف ثالث لنقل الأسلحة»، غير أنه لا يستبعد احتمال وجود مقاولين غير عسكريين تقتصر مهامهم على العمل تحت لافتات الإغاثة والمساعدات الإنسانية. ويرجح إمكان أن توفّر هذه الشركات والجمعيات الغطاء المناسب لأميركيين تابعين للـ«GRS»، من أجل دخول لبنان.
في هذا السياق، يروي شاترجي حادثة صادفته في مطار فرانكفورت أثناء رحلته إلى بيروت في مطلع هذا الشهر. يقول: «بينما كنت في مطار فرانكفورت انتظر موعد رحلتي إلى بيروت، التقيت شخصا يحمل كماً هائلاً من الأجهزة والأشرطة. ولقد راودني الفضول وسألته لم كل هذه العتاد؟ فأجابني أنه متوجه إلى لبنان لتقديم مساعدات إنسانية للاجئين السوريين». يضيف: «لا يمكن الجزم هل هو من CIA أو من GRS، وفي الوقت نفسه لا يمكن نفي ذلك نفياً قاطعا».
إلا أن علاقة لبنان بـ«المقاولين» و«الوسطاء» من هذا النوع لا تقتصر على ما ذكره براتاب شاترجي. السبب أنه عند إجراء بحث بدائي على شبكة الإنترنت عن تاريخ شركة «بلاكووتر» (Blackwater)، يتبين أننا أمام نموذج مشابه.
«بلاكووتر» هي مؤسسة عسكرية خاصة وشركة أمنية تأسست في العام 1997 في كارولينا الشمالية حيث توجد واحدة من أكبر منشآت التدريب العسكري الأميركي في العالم. وتقوم شركة «بلاكووتر» بتدريب حوالي 40 ألف شخص في شتى أنحاء العالم سنويا، من مسلحين ورجال أمن. وتستقدم الشركة موظفين من بلدان نامية، كالفيليبين وتشيلي والبوسنة، لتولي مهام حماية مسؤولين أميركيين في الخارج أو مبانٍ تابعة للدولة الأميركية، كالسفارة الأميركية في بغداد، علما أن هذه الشركة حصلت على أهم الصفقات في العراق في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي.
ويشير شاترجي الذي حل مؤخرا ضيفا على الجامعة الأميركية في بيروت الى أنه يمكن اليوم تعقب نشاط «بلاكووتر» في سوريا، لاسيما صفقة تدريب مقاتلين معارضين في مخيمات على أراضي تركيا.
الشق الأول للعلاقة بين لبنان وشركة بلاكووتر (المستفيدة من الحروب كما يصفها موقع الـ«CorpWatch») يكمن في الصفقات المبرمة بينها وبينها الجيش الإسرائيلي. أما الشق الثاني، المثير للاهتمام، فهو علاقة الشركة الأميركية بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان. ففي العام 2011 تم التداول، نقلاً عن رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هيبل، أن المحكمة قد تستعين بمساعدة دولية لإلقاء القبض على المتهمين في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وكانت «بلاكووتر» أول وأشد المتحمسين لهذه المهمة، اذ أنها أرسلت ممثلين عنها من إسرائيل إلى لاهاي للتفاوض بشأن الصفقة المذكورة. إلا أنه لم يصر للاستعانة بها بناء على نصائح معينة من خبراء لبنانيين أبدوا خشيتهم من أن يؤدي اللجوء إلى جهة خارجية، وخاصة مثل «بلاكووتر»، الى إضعاف موقف هيئة المحكمة في وجه فريق الدفاع عن المتهمين.320
السفير البيروتية

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here