محمد الحسيني – موقع العهد الاخباري 
حطت الانتخابات النيابية رحالها في السابع من أيار، وبدأ كل فريق سياسي يجري حسابات الربح والخسارة متطلعاً إلى المرحلة المقبلة، بما تحمله من خطوات على صعيد إعادة تشكيل السلطة ونظام الحكم في لبنان. وحده الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أطلّ ليطرح برنامجاً وطنياً جامعاً بعناوين رئيسة تشكّل خارطة طريق للبنان الغد، وبهدوء بالغ وحكمة عالية وبتواضع المنتصر، رسم السيد نصر الله مسارات النهوض بالبلد داعياً الأفرقاء جميعاً إلى التعاون والعمل بجدّ لحفظ النسيج الوطني في مواجهة التحديات المقبلة.
لا شك بأن ما أفرزته الانتخابات النيابية من نتائج تشكّل انتصاراً كبيراً للمقاومة ومجتمعها وبيئتها التي تحمي البلد وتحفظ سيادته، ليس فقط على مستوى عدد النواب الذين انتخبهم شعب المقاومة، بل أيضاً على مستوى التركيبة السياسية والتنوّع الذي بات متمثلاً في الندوة البرلمانية، بحيث لم يعد أمام أحد أي عذر للقول إنه لم يحظَ بفرصته للترشحّ وخوض الانتخابات، وهذا ما أكّده السيد نصر الله في مقاربته لصوابية اعتماد النظام النسبي بدلا عن النظام الأكثري، مع تشديده على ضرورة تطويره في المستقبل مع اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة.
فك شيفرة حزب الله
تسع سنوات مرت على الانتخابات الأخيرة تعرّضت المقاومة خلالها، من الداخل والخارج، لأبشع أنواع الحملات السياسية وأقسى التحديات الأمنية والعسكرية، وتمظهرت هذه الحملات خلال الفترة الماضية في التصويب على هوية المقاومة وانتمائها إلى بيئتها الحاضنة، ولا سيما في البقاع وبيروت، بخطابات مذهبية وطائفية وعناوين إنمائية – اقتصادية، واعتمدت هذه الحملات على توجيه سياسي – استخباراتي مدعوم بضخّ مالي هائل بهدف سلخ المقاومة عن بيئتها ومجتمعها و”فك شيفرة حزب الله” بحسب تعبير السيد نصر الله، ولكن النتيجة جاءت معاكسة تماماً للأهداف المتوخاة، وانقلب السحر على الساحر، وأثبت شعب المقاومة وفاءه لها بكل فخر واعتزاز، فيما أعطت هذه الحملات مفعولها السلبي في بيئة المتحاملين على المقاومة انكساراً وهزيمة.
القضاء على الفساد رأس الأولويات
ومن المتعارف عليه وفق تجارب الثورات وأنظمة الحكم في العالم وعبر التاريخ، أن الانتصار يدفع المنتصر إلى استثمار ما تحقق في تثبيت دعائم وجوده وكيانه في الساحة التي ربح فيها وإلى توسيع مدى تأثيره المباشر، وانعكس هذا الفهم في المواقف الدولية – والإسرائيلية على وجه الخصوص – التي رأت أن حزب الله بات مهيمناً على لبنان، ولكن الانتصار الجديد الذي تحقق، دفع قيادة حزب الله والمقاومة إلى اعتماد خطاب آخر بالدعوة إلى التعاطي مع نتائج الانتخابات بواقعية واستخلاص العبر والانصراف نحو المزيد من العمل، ولكن كيف؟!
هي المسؤولية التي شدد السيد نصر الله على أنها باتت اليوم على عاتق النواب، المستمرين والجدد، بالوفاء بوعودهم وعدم خيانة الأمانة المعلّقة في رقابهم، وحزب الله سيكون في طليعة الأحزاب والجهات التي ستعمل بشكل دؤوب على تحقيق هذه الوعود، وبالتالي فعلى باقي الأطراف المضي في هذا الطريق، والمهمة الأولى في هذا السياق هي القضاء على الفساد الإداري والمالي المستشري في البلد، ومن ثم الانتقال إلى تأمين سبل العيش الكريم لأفراد الشعب الذي لا يزال يئن تحت وطأة الأزمات المعيشية المختلفة، والذي أثقلته الديون والقروض الخارجية، في حين أن لبنان يمتلك ثروات كبرى تجعله بمنأى عن الارتهان إلى الخارج.
بيروت عاصمة العروبة والمقاومة
هي لغة الواثق بأبناء شعبه ومجتمعه، تلك اللغة التي لم تتغيّر، بل ترسخت أكثر على مستوى مقاربة الملفات الأساسية في البلد، فالذين اقتربوا من إحراق البلد بخطاباتهم الفئوية هم اليوم منكسرون، وسقطت دعواتهم إلى الفرز المناطقي، ولم يأتِ الرد سياسياً وعلى المنابر، بل جاء في صناديق الاقتراع، وسقطت المقولات التي صنّفت أبناء المناطق، ولا سيما بيروت، في كانتونات مغلقة، فقد وجّه أبناء بيروت صفعة لهؤلاء من خلال التأكيد على هوية بيروت العربية، وهي العاصمة التي كانت وستبقى الحضن الأساسي للمقاومة، على حد وصف السيد نصر الله، الذي شدّد في المقابل على العيش المشترك واستمرار التحالفات السياسية التي كانت موجودة ما قبل الانتخابات، فنجاح مرشّح هنا وسقوط مرشّح هناك لن يؤدي إلى ضرب هذه التحالفات، لأن الواجب يستدعي التكاتف وليس التناحر، ويستوجب التعاون وليس التنافر.
تشكيل جبهة وطنية موحّدة
لا مكان للشماتة في خطاب القائد، فالانتصار في ثقافة القيادة الحكيمة يعني الترفّع عن الصغائر والتصويب على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، والمقصود هنا هو تأمين الحماية القوية لمعادلة “جيش شعب مقاومة” القادرة على حماية البلد، وهذا الأمر ليس منوطاً فقط بمحور المقاومة وحلفائها، بل يجب أن يكون في صلب السياسات المركزية للدولة، ولهذا العهد الذي يسجل له الإنجاز الوطني الذي تحقق في إجراء الانتخابات النيابية، وبالتالي فالمطلوب هو تشكيل جبهة وطنية موحّدة يؤمن الحضور الوازن والكبير للحفاظ على هذه المعادلة الذهبية، ولن يقوم هذا البلد إلا من خلال الجلوس إلى طاولة واحدة، ووضع الخلافات جانباً والتوجّه إلى صياغة واقع جديد يكفل حماية لبنان من أي خطر، لا سيما مع استمرار التهديدات الإسرائيلية، والتوتر المتصاعد الذي تثيره السياسات الرعناء للإدارة الأمريكية في المنطقة.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here