عشرة أيام تفصلنا عن بدء الانتخابات التشريعية العراقية الثانية منذ الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، وبحسب الدستور العراقي سيتم انتخاب 329 عضواً في مجلس النواب العراقي والذي بدوره ينتخب رئيس الوزراء العراقي ورئيس الجمهورية.
الانتخابات الحالية تحمل نكهةً خاصة عن جميع سابقاتها من حيث عدد المرشحين ونمط التحالفات وخروج البعض عن النمط السائد أو السنن المعروفة لهذه الانتخابات، ويمكن تشبيه انتخابات هذه الدورة بـ “مشعل نار”، البعض يستخدمه لينير الطريق أمام الجميع ويظهر صورة مضيئة للعالم أجمع عن عراق جديد لا مكان فيه للتحزبات السياسية والدينية والعرقية والبعض الآخر يستخدمه ليحرق به منافسيه أو ليشعل الحقل الذي يأكل منه الجميع “فلا يبقى قمحٌ لأحد ولا هم يحزنون”.
وبين النموذجين المذكورين أعلاه لا بدّ من أن نضيء مشعلنا على الحالة الوطنية التي يقدمها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس ائتلاف “نصر” في الانتخابات الحالية، فقد نشر العبادي قائمته الانتخابية في ثماني عشر محافظة بما فيها مناطق كردستان العراق، في الحقيقية نشر القوائم العربية في مناطق الأكراد سابقة جديدة يجب الإشادة بها لكونها تكسر التابوهات القديمة التي اعتاد عليها العراق منذ عشرات السنين.
نحن اليوم نتحدث عن نموذج قاده العبادي بغض النظر عن الغايات ولكنه يعبّر عن نموذج وطني بامتياز كونه يخلق حالة وطنية عابرة لجميع الاعتبارات الاثنية والدينية والعرقية والقومية، وخلال زيارته إلى إقليم كردستان العراق تحدّث العبادي عن هذه النقطة قائلاً: ” لا يوجد فرق بين المواطن العربي والمواطن الكردي. مضيفاً: “علينا العمل على كسر هذه المحاصصة السياسية وبناء عراق جديد، فلا فرق بين المواطن الكردي أو المواطن العربي، فلا يمكننا أن نتخيل المدن العراقية بطائفة واحدة أو عرق واحد، لأن جميع المدن العراقية مختلطة”، وعبّر عن الأمل بالمزيد من التعاون من حكومة إقليم كردستان.
وبصرف النظر عن حقيقة أن العبادي يسعى إلى الفوز بمزيد من الأصوات في جميع أنحاء العراق، وحتى بين الأكراد، فإنه يحتاج إلى فترة رئاسة الوزراء الثانية للوفاء بمطالبه، وما يطرحه رئيس الوزراء هو بداية لتفتيت التقاليد الكاذبة التي خُلقت في الهيكل السياسي والانتخابي العراقي في السنوات الماضية والتي قسمت جغرافية العراق إلى مناطق قائمة على العرق والدين.
ويجب التركيز على نقطة مهمة جداً مفادها أنه في حال تم التصويت للعرب في المنطقة الكردية، فإن هذا يعني خطوة إلى الأمام لكسر الحدود السياسية المشتركة في العراق بعد عام 2003، يضاف إلى تحركات العبادي الوطنية هناك تحالف آخر يشكّل نموذجاً جيداً في كسر السنن القديمة يتمثل بالتحالف الذي كوّنه التيار الصدري مع الشيوعيين في الانتخابات المقبلة.
لا نريد أن نصوّر الانتخابات العراقية وكأنها خالية من أي مشكلات أو تحديات؛ الحقيقة أن التحديات والمصاعب التي تواجهها كثيرة وهناك من يضع عصا في الدولايب لمنعها من الحركة بشكلها الطبيعي، ولا تخلو هذه الانتخابات من بعض المحرضين ومن يدّعون بأن هذه الدولة أو تلك هي من تضع أسماء الفائزين لتشويه صورة الانتخابات من مبدأ أن الحكومة ضعيفة ولا تستطيع حماية العملية الانتخابية من التلاعب بنتائجها رغم التصريحات التي تصدر من المؤسسات ذات العلاقة، خاصة رئاسة مجلس الوزراء، وتأكيدها بشفافية العملية الانتخابية.
ومع ذلك فقد أفاد مصدر في المفوضية العليا للانتخابات لقناة روسيا اليوم بأن الحكومة العراقية تعاقدت مع أكثر من 250 ألف مراقب محلي لتغطية سير الانتخابات البرلمانية المزمعة في الـ12 من مايو المقبل، وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن “254 ألف شخص سيراقبون الانتخابات التشريعية بصفتهم مراقبين تابعين لمفوضية الانتخابات، حيث سيتوزعون على 54 ألف مركز انتخابي” في كل المحافظات العراقية.
وأشار إلى أن عدد المراقبين لن يقتصر على هؤلاء، إذ سيتابع سير الانتخابات مراقبون عن منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والهيئات الدولية.
إذاً الأمور تسير على قدم وساق ولو كره المحرّضون، وأبناء العراق ومرشحوه يبدون تعاوناً كبيراً في هذا المجال ويذللون جميع العقبات التي تقف في طريقهم والضغوط التي تمارس عليهم والتي تحول دون تحقيقهم لأول انتخابات ديمقراطية بعد القضاء على “داعش”، وأكثر الدول الضاغطة في هذا المجال “السعودية” التي تماطل – حسب ما أعلن مسؤول عراقي رفيع المستوى – منذ أسابيع في الإيفاء بتعهداتها المالية السابقة للعراق، عازياً السبب إلى ترقّب السعودية ما ستسفر عنه الانتخابات التي ستجري في 12 مايو/ أيار الحالي، والشخصية التي ستتولى رئاسة الحكومة الجديدة بعد عودة الحديث عن ترشح نوري المالكي للمنصب مع شخصيات أخرى مقربة من إيران، وعدم حسم عدد من الكتل السياسية، السنية والكردية، موقفها بدعم رئيس الوزراء، حيدر العبادي، لولاية ثانية.
وكانت السعودية تعهدت بتقديم مليار دولار لمشاريع استثمارية في العراق، و500 مليون دولار إضافية لدعم الصادرات العراقية، فضلاً عن مِنح صغيرة، عبارة عن مشاريع تنفّذها في المدن المنكوبة التي تم تحريرها من سيطرة تنظيم “داعش”.
في الختام؛ المهم في هذه الانتخابات أن التحالفات الطائفية بدأت تذوب وتتناقض مع بعضها البعض، وهناك سنن سيئة أخرى يجب كسرها مثل الفساد الانتخابي والتشهير السياسي والوعود التي يطلقها البعض مع علمه بعدم قدرته على تطبيقها على أرض الواقع.
من يحمل خطاباً وطنياً اليوم سيكون هو الرابح سياسياً، ليس على المستوى التكتيكي فحسب، بل على المستوى الاستراتيجي كون الشباب العراقي الحالي يعي جيّداً الآثار الكارثية للخطاب التقسيمي، طائفياً كان مذهبياً أم قومياً.  ml 
المشاركة

اترك تعليق