هذا الموضوع ليس من المواضيع التي تتطرق إليها الصحافة الفرنسية. ذلك هو بلا شك السبب في كوننا لا نسمع صوت الحركات النسوية الرسمية الدائمة الجهوزية للدفاع عن حقوق النساء الأفغانيات أو حتى الروسيات (كما في حالة بوسي ريوت) من أجل تبرير التدخل الخارجي.

واقع الحال أن بين المصاعب التي يعيشها السوريون، هنالك هذه المأساة الخاصة التي تضرب الفتيات الصغيرات اللواتي يدفعهن البؤس إلى الزواج من خليجيين أغنياء يكبرنهن سناً أو، على الأصح، من المتقدمين في العمر. إنه شكل من أشكال الاستغلال الذي يمكن وضعه على قدم المساواة مع الدعارة، حتى وإن كانت هذه الزيجات تتم من حيث المبدأ برضى الفتيات وذويهن وبإمضاء من “رجال دين” يتقاضون مكافآت كبيرة على ذلك.

ولماذا لا يتكلم أحد عن هذا الموضوع؟

ببساطة، لأن هذه الأفعال ليست مما تفعله الحكومة السورية، ولا يفعلها حتى الشبيحة الموالون للأسد والذين يتم إظهارهم بشكل يصبح فيه الحرس الخاص بأدولف هتلر لا شيء أكثر من خراف وديعة. فهذه الأفعال هي من فعل شبكات تنشط بين اللاجئين السوريين لحساب بلدان تنتظر بفارغ الصبر بزوغ شمس الديموقراطية في سوريا.
وبانتظار ذلك، يقوم هؤلاء المحسنون الكرام بقطف أزهار أخرى…

ريم في السادسة عشرة من عمرها. تزوجت في السادس من شباط / فبراير الماضي، بتقزز وبغير مشيئتها، من رجل سعودي في سن السبعين، بعد أن دفع لعائلتها قليلاً من المال. إنها تذرف الدموع، لكنها تتعزى بأن زوجها قد يسأم منها ويطلقها قريباً عندما تطلب الطلاق. وهذا ما حصل فعلاً بعد شهرين من الحياة الزوجية. تبلغت قرار الطلاق عبر الهاتف ولم تكن هنالك حاجة حتى لحضورها. فرجعت إلى أسرتها ولكن إقامتها معها لم تدم لفترة طويلة. فقد طلبها هذه المرة رجل سعودي آخر في السابعة والأربعين من عمره. وكان هو الآخر مستعدا للدفع. كانت تأمل في أن يتكرر ما حدث لأنها لم تكن ترغب في الزواج من رجل متقدم في العمر. ولكنها رضخت وفعلت ذلك لكي تتمكن أسرتها من دفع إيجار المسكن وشراء الطعام. فأسرتها هي في جملة اللاجئين السوريين في الأردن الذين هربوا من الحرب التي تدور رحاها منذ أكثر من عامين والتي أجبرت مليون ونصف مليون سوري على النزوح. كثيرون منهم يعيشون في ظروف بائسة.

العدد الأكبر من اللاجئين السوريين يعيش في الأردن. وقد وصل عددهم إلى 532 ألفاً منهم 382 ألفاً يعيشون خارج المخيمات كضيوف يصعب استقبالهم في بلد يعاني من مشكلاته الاقتصادية الخاصة ويعجز عن استيعابهم وإدماجهم في مجتمعه. كما لا يستطيع الأردن منحهم تراخيص للعمل لأن معدل البطالة قد وصل فيه إلى 12،8 بالمئة. وبسبب الحاجة والفاقة، فإن كثيراً من الأسر السورية قد وجدت نفسها مجبرة على تحمل أوضاع يمكن اعتبارها في بلدان الغرب قريبة من المتاجرة بالقاصرين أو من الدعارة. وبالرغم من أننا نجد في بعض الحالات المشابهة لحالة ريم أن هنالك عقد زواج يبرمه رجل دين ويمكن النظر إليه على أنه صحيح من وجهة النظر الدينية، فإن هذا العقد لا قيمة له من الناحية الحقوقية في نظر السلطات الأردنية.

“لا أنكر أنني لم أكن معجبة بالرجل الذي تزوجني في المرة الأولى”. هذا ما تقوله ريم دون أن تكشف عن اسم ذلك الرجل. إنها ترتدي الحجاب وتبدو في سن أصغر من السن الذي صرحت به. إنها تأمل بالعودة يوماً إلى سوريا وبالزواج من ابن عمها الذي يعيش في حمص والبالغ من العمر 22 عاماً. وتضيف: “كان لا بد لي من أن أضحي بنفسي من أجل أسرتي. أخي ما زال طفلاً يحتاج إلى الغذاء المخصص للأطفال وإلى حفاظات للنظافة”. إنها تؤكد ان الرجل الذي تزوجها في المرة الأولى كان يحسن معاملتها خلال الأسابيع الستة الأولى من زواجهما. ثم تتذكر دون أن تخفي قرفها : “كان يقول بأنه يحبني وبأن زواجنا سيستمر إلى النهاية”. ثم إنها رفضت الانصياع لبعض رغباته. “عندها ملني وبدأ يصرخ في وجهي ويضربني، وأخيراً استدعى أسرتي وطلب إليها أن تستلمني وسافر إلى جدة في السعودية. أما لجهة الطلاق، فقد قابل رجل الدين وأخبراها معاً عن طريق الهاتف بأنها طالق.

ليست حالة ريم فريدة في نوعها في عمان. لقد تعرفت إلى “الدلالة” التي دبرت أمر زواجها عن طريق فتاة من معارفها اللواتي واجهن مصيراً كمصيرها. كانت أسرتها بحاجة ملحة إلى المال، وكان والدها قد التحق بالجيش السوري الحر وقاتل ضد نظام بشار الأسد، لكنه جرح في إحدى المعارك. وبعد تسعة أشهر، تعرض منزل العائلة للدمار فقرر رب الأسرة مغادرة حمص وتوجه إلى الأردن مصطحباً زوجته وأولاده الأربعة الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وستة عشر عاماً. الرجل الذي تزوج ريم في البداية كان قد وعد بأن يدفع للأسرة 2000 دينار أردني (حوالي 2800 دولار أميركي) مقابل الزواج من ريم، لكنه لم يدفع في النهاية غير نصف هذا المبلغ.

تقول قمر، والدة ريم: “هذا محزن جداً، ليس هذا ما كنت أريده لابنتي. ما زلت أريد أن تتزوج من ابن عمها، وأن نقيم لها عرساً حقيقياً ترتدي فيه ثوباً أبيض. لكن الحياة هنا بائسة جداً. علينا أن نسدد ديوناً لصاحب المسكن وللدكان. لا يمكننا أن نعمل. هذا مؤلم. أبوها وأنا نبكي كل ليلة. إننا نفكر منذ أسبوعين بالعودة إلى سوريا، لكننا نخاف”.

حاولت قمر تحصيل بعض المال عبر إعداد بعض الأطعمة وبيعها في بيتها، لكنها تقول بأن هذه التجارة غير مثمرة لأن عليها أيضاً أن تهتم بزوجها وبأصغر أبنائها. حتى هذه اللحظة، كانت ريم مصدر المال الوحيد في هذه الأسرة. هنالك حتى الآن 1.5 مليون لاجئ سوري إلى خارج البلاد، من دون حساب النازحين داخل سوريا. وقد استقبل الأردن العدد الأكبر من اللاجئين، لكن الضغط الاجتماعي الناجم عن اللجوء يهدد بتفجير البلاد. والجدير بالذكر أن السن الشرعي للزواج في الأردن هو 18 عاماً.
في اللغة التي تستخدمها “الدلالات”، يطلق على الأغنياء القادمين من بلدان الخليج الفارسي بغية الزواج اسم ” المانحين”. هذا ما تقوله هالة علي اللاجئة السورية المقيمة في عمان والتي تبلغ السابعة والعشرين من عمرها. إنها مطلقة وأم لثلاثة أولاد وتتقاضى 50 ديناراً لقاء تعريف هذا “المانح” أو ذاك على تلك الصبية أو تلك. وتكسب 400 دينار إذا ما تم الزواج في النهاية. ويختلف الثمن الذي تتقاضاه الأسرة بحسب سن العروس وجمالها حيث يمكن أن يصل إلى 7000 دينار. أما قيمة المطلقات فهي أدنى من ذلك وتصل إلى 4000 دينار في الحد الأقصى.

ويقول “المانحون” بأن ما يفعلونه هو مساعدة من قبلهم للشعب السوري. وتقول “الدلالة” بسخرية إن ما يطلبونه هو “خطيبة” بمعنى الصديقة أو العشيقة. وتضيف بأنه “من الطبيعي أن يتم تزويج الفتاة السورية اعتباراً من سن الثالثة عشرة بموافقة الأهل أو المحكمة، وأن التزويج يتم بناءً على عقد زواج، ما يعني أن ما يفعلنه ليس فعل بغاء. وبهذا يحصلن على المال لصرفه على احتياجات الأسرة”. لكن هذه الزيجات تتم في الأردن مع أن السن الشرعي للزواج هو 18 عاماً. هذا ويعلم الطرفان أن الطلاق ينتظر عند أول منعطف. تقول “الدلالة”: “لا أعلم ما يحصل وما لا يحصل. هذا ليس من مسؤوليتي. كل ما أفعله هو أنني أعرّف بينهما. وكيف لا يكون هذا الزواج شرعياً إذا كان الطرفان موافقين. ثم هل ما حصل لنا في سوريا هو شرعي؟”.

لقد قامت السلطات الأردنية مؤخراً بعرض المشكلة التي تنجم عن وجود اللاجئين في بلد يبلغ عدد سكانه 6،1 مليون نسمة، على مجلس الأمن. فاللاجئون يحملون معهم مشكلات تتعلق بالصحة العامة كما في حالة موجات السل الجديدة، أو كما في الحالات غير المقبولة والمزعجة التي نحن بصدد الحديث عنها، يقول أنور الحمود، منسق اللجنة الحكومية الأردنية الخاصة باللاجئين السوريين: “لا بد في مثل هذه الحالات من أن يقوم أحدهم برفع شكوى لكي يكون من الممكن للدولة الأردنية أن تتدخل. ما نحتاج إليه هنا هو حل سلمي للصراع في سوريا لكي يتمكن اللاجئون من العودة إلى بلدهم”.

لكن هذا الحل يزداد ابتعاداً في ما يبدو يوماً بعد يوم، مع كل ما يرد من أنباء يومية عن العنف والموت في حمص وسائر سوريا. فخلال سنتين وشهرين من الحرب تم إحصاء أكثر من 80 ألف ضحية. إن البلد ينزف بفعل المواجهات والنزوح الجماعي. تقول قمر: “لن ينتهي هذا الوضع إلا إذا سقط بشار. عندها سنعود حتى لو كان علينا أن نعيش بين الأنقاض”320

عن موقع alterinfo الالكتروني

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here