بسم الله الرحمن الرحيم
السمك العراقي، ثروة عظيمة للاستهلاك والانتاج والتصدير
في نهاية صيف 2009، كنت جالساً في دارنا المطلة على نهر الغراف في ناحية النصر/ ذي قار العزيزة، وبالضبط في المكان الذي جلس فيه المرحوم “علي الشرقي” في ثلاثينيات القرن الماضي، وانشد قصيدة مطلعها: “زهو القصور ونزهة الارياف.. شرف مطلات على الغراف”.

جرى النقاش، ونحن نرى انخفاض المناسيب، عن هدر المياه، ومنها بسبب المزارع السمكية.. سألت المهندس الزراعي الاخ “ابو فرح الثويني” وهو من الاقارب من مدينة “الشطرة”: “لو عملنا قفصاً يسمح بمرور المياه، ووضعنا السمك فيه، فهل ستعيش”؟.. اجاب ان التربية بالاقفاص نظام معروف عالمياً وهو عمل بسيط وغير مكلف. سألته هل جُرب في العراق، اجابني نافياً على حد علمه. فقلت، لنجربه. وبالفعل ذهب الى البصرة وعمل 3 اقفاص حديدية (3م طولاً×4م عرضاً×2م ارتفاعاً) مغلفة بشبكة تسمح بمرور المياه وتمنع خروج الاسماك. رُبطت الاقفاص ببعضها مشكلة حوضاً مساحته 36م/مربع، ورُفع الحوض بعوامات (فلين وبراميل)، وثُبت بحافة النهر، وجُهزت ثلاثة معالف، كهرم مقلوب. ترتبط فتحته الضيقة القريبة من الماء بلسان بارز.. فتضربه السمكة فتنزل العليقة.

وبالفعل تم شراء 6000 “كفية” “كارب” من “الصويرة”، بمعدل 2000 كفية لكل قفص، بسعر 400-600 دينار/كفية. خلال اسابيع قصيرة تجاوز وزن السمكة (1) كغم، وتصل احياناً الى 2-3 كغم. وكان السمك لذيذاً للغاية، دون كلف لتوفير الاوكسجين، وبكلفة تغذية بسيطة، فالسمك يتغذى من المياه الجارية ايضاً، فتقل الامراض، وهدر المياه او اتلاف الارض، بل فيه تحسين للمياه وتكثير للاسماك في الانهار. مع العلم ان الـ36م/مربع للحوض، الكافية لـ6000 سمكة، تعني في المزرعة السمكية 6 دونم، بمعدل 1000 سمكة/دونم.

دعوت في اوائل 2010 الرئيس الراحل جلال الطالباني لغذاء في بغداد، وجاء معه الاخ الدكتور لطيف رشيد وزير الموارد المائية يومها. تطرق الوزير لشحة المياه والهدر الذي احد اسبابه المزارع السمكية. وجلبت له صوراً وفيديوات المشروع الصغير. تحمس للامر، وطالب ان تزور لجنة من الوزارة المشروع.
جاءت اللجنة بالفعل، وعاينت وصورّت، وبعد ايام قليلة اوصت بتعميم الفكرة.. وقامت وزارة الزراعة بالتعميم ايضاً عندما كانت بقيادة الاخ الدكتور اكرم الحكيم وكالة.. وطلب مني كثيرون الخرائط والتفاصيل، ولم يمر وقت طويل الا وانتشرت الاقفاص كما يعلم الجميع.

كان سعر السمك 6000-8000 دينار/كغم، وصارت بعد الانتشار الواسع لـ”سمك الاقفاص” 3000-4000 دينار/كغم، ومتوفرة في طول البلاد وعرضها. وتعتاش عليها الاف العوائل، تربية ونقلاً وبيطرة وتغذية وبيعاً ومهناً ومطاعم، الخ، وتوفر غذاءاً صحياً ورخيصاً للمواطنين، وتقلل من استيراد اللحوم، وتعتبر منتجاً وطنياً من حيث العمالة والخبرة والمواد اولية دون دعم وحمايات. نشاط قادر على منافسة غيره بكل كفاءة.. ويمكن للعراق -لانتشار الانهار والقنوات والبحيرات- ان يصبح بلداً منتجاً ومصدراً ومطوراً للثروة السمكية، خصوصاً سمك المياه الحلوة المحبذة والمرتفعة الاثمان. ولا يتطلب الامر استثمارات كبيرة، بل تسهيلات وتوفير المستلزمات البسيطة ورفع العقبات. اروي نادرتين:

1- في الايام الاولى للمشروع الصغير، زارنا مسؤولون ومنهم من هو مختص بالثروة الحيوانية، وقال احدهم امام الحاضرين بكل طيبة قلب، “اقطع يدي اذا نجح هذا المشروع”.. لا اطالب الاخ المسؤول اليوم ان يقطع يده، لكن اطالبه وامثاله، بالانفتاح، والجرأة على قبول الجديد، ومغادرة العقل الجامد الروتيني. وتشجيع المبادرات النافعة للناس ومستقبل البلاد.

2- بعد ايام قليلة من زيارة اللجنة الوزارية للمشروع، وصل كتاب، يبين ضوابط انشاء “الاقفاص السمكية” والموافقات المطلوبة من “الناحية” و”القضاء” و”المحافظة” و”الوزارات” وشتى التعقيدات. تسائلت –وفكرة التربية بالاقفاص لم تكن مطروحة مسبقاً- كيف تم خلال ايام وضع كل هذه الضوابط، التي ستتحول عبر الايام والسنين الى “مقدس” يصعب تغييره.. ولماذا هذه التعقيدات؟ وهل الهدف حماية المياه والبيئة والحق العام، التي يمكن ضمانها بتعليمات مدروسة متوازنة ومبسطة، ام انها كغيرها، فيها مباني تسمح بالسيطرة والابتزاز والرشوة؟ لم اتابع ان بقيت تلك التعليمات ام صدرت غيرها؟
عادل عبد المهدي

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here