في العام الماضي، بذلت الجمهورية الإسلامية في إيران جهوداً كبيرة لتوفير الأرضية المناسبة للتقارب بين بلدان غرب آسيا، وبلدان أخرى في المنطقة. ولتثمر هذه الجهود طرح وزير الخارجية الإيراني في فبراير 2017 في مؤتمر ميونيخ الأمني فكرة إنشاء “منتدى الخليج الإقليمي للحوار”، والتي كان قد طرحها من قبل في عام 2015 في مقال نشر بشكل كبير في الصحف العربية ولاقى انتشاراً واسعاً في الأجواء الخليجية.
الفكرة المذكورة أعلاه لم تتلق بعد أي استجابة واضحة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، إلا أن النظام الإيراني قد ألقى الكرة عند جيرانه العرب مادّاً يده بكل صدق لحل النزاعات القائمة بين الطرفين، وهو ينتظر الآن أن يظهروا حسن نيتهم تجاه الجمهورية الإسلامية.
وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي قد خبّأت خلافاتها تحت شعار “الأعمال العدائية لإيران”، إلا أنه منذ منتصف عام 2017، كان هناك طلاق واضح بين هذه الدول نتيجة للتوترات السياسية المتزايدة بين السعودية وقطر، وقد ألقي باللوم على الدوحة هذه المرة تحت حجج دعم الجماعات السلفية مثل الإخوان المسلمين وكذلك زيادة التعاون السياسي والاقتصادي مع إيران. ونتيجة لذلك انقسمت الدول الخليجية بين مؤيد للسعودية في معاقبتها لقطر كالإمارات والبحرين، وبين معارض لذلك، كعمان والكويت والعراق الذين وقفوا إلى جانب قطر.
وفي هذا السياق، يريد البعض في المنطقة وخصوصاً في الغرب، إظهار التفرقة التي حصلت بين دول الخليج هي نتيجة لخطة إيرانية محكمة ضدّ دول الخليج، وتحت هذه الذريعة سيستمرون أكثر فأكثر بنشر مفهوم “الإيرانوفوبيا” في العالم العربي والعالم بأسره لخلق أعداء جدد لإيران والمنطقة ولزيادة التفرقة بين المسلمين.
لكن إذا نظرت دول الخليج بإنصاف إلى الجمهورية الإسلامية واضعةً خلف ظهرها الادعاءات الغربية، وتفاعلت بشكل جيد مع مقترحها بتشكيل منتدى الخليج الإقليمي للحوار أو خطة “أمن الشبكات” التي قدّمها رئيس الدبلوماسية الإيرانية في مؤتمر الأمن لطهران الثاني (يناير 2018)، يمكن أن يؤدي هذا إلى اتخاذ ترتيبات رسمية بين الدول العربية وإيران لوضع حد للنزاعات فيما بينهم عبر زيادة التعاون الأمني والاقتصادي بين دول المنطقة ملحقين الفشل بمخططات الأعداء التقسيمية والفتنوية.
ويمكن ملاحظة هذا التنسيق بين عمان وطهران عبر سعيهما لإيقاف الحرب السعودية على اليمن والتي تدخل عامها الثالث، لإنقاذ أفقر الشعوب العربية من الادعاءات الباطلة التي نشرها الغرب وأيدتها السعودية للأسف. كما أن الجهود العُمانية والكويتية لإقناع الرياض بفك الحصار عن الدوحة من خلال الجلوس على طاولة المفاوضات يمكن أن تكون جزءاً من المبادرات الإيرانية التي تسعى إلى حل النزاعات في المنطقة عبر مقترحاتها لإحلال السلام في منطقة الخليج.
في الوقت نفسه، لا تقتصر جهود طهران في غرب آسيا على التعاون مع الدول العربية المجاورة فقط، بل يمكن مشاهدة المبادرات الإيرانية أيضاً في محاربتها للإرهاب في سوريا والعراق عبر محاربة داعش وأخواتها هناك وإلحاق الهزيمة بها في عام 2017. ولم يتحقق ذلك فقط عبر القوة الصارمة ونشر المستشارين العسكريين الإيرانيين ودعم إيران الواضح للمتطوعين الأفغان والباكستانيين والعراقيين واللبنانيين في مواجهة الإرهاب فقط، بل تحقق أيضاً عبر العمل الدبلوماسي الإيراني والمشاركة في مبادرة السلام السورية (قمة أستانا)، جنباً إلى جنب مع روسيا وتركيا في الأشهر الخمسة عشر الأخيرة، وممارسة الضغط على تركيا لسحب قواتها من شمال سوريا في فبراير 2018.
بالإضافة إلى غرب آسيا، عملت الجمهورية الإسلامية على إحياء مبادرات السلام الأخرى بما في ذلك آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
ففي آسيا الوسطى، اوزباكستان، وبعد وفاة رئيسها اسلام کریموف، عمل رئيسها الحالي شوكت ميرزاباه منذ عام 2016 على تطوير التعاون والتقارب مع جيرانه في آسيا الوسطى وفي غرب وجنوب آسيا، مادّاً يد الصداقة إلى طاجيكستان وقيرغيزستان لحل الخلافات القديمة بين طشقند والجمهوريتين بشأن الموارد المائية، والحدود المشتركة، وما إلى ذلك. ودعماً لهذه الخطوة، حثّت طهران حكومة ميرزيات على توسيع تعاونها الثنائي في خطط مثل مشروع السكك الحديدية بين الشمال والجنوب الذي يربط إيران عبر تركمانستان إلى كازاخستان إلى روسيا وأوروبا في الغرب والصين في الشرق، وكذلك الشراكة في مشروع يسمى “ممر الشحن الدولي الشمالي الغربي” (INSTC). ويهدف هذا الممر، الذي ظلّ على الورق لسنوات عديدة، إلى تمكين ربط الهند عبر موانئ تشابهار وبندر عباس بتركمانستان وكازاخستان ومن هناك عبر بحر قزوين إلى أذربيجان وروسيا وأوروبا. وكان تعاون طشقند في هاتين القضيتين كبيراً وذلك من أجل تمكين الأوزبك للوصول بسهولة أكثر إلى الخليج والمياه المفتوحة. وعن طريق هذا التعاون استطاعت طهران جمع اوزباكستان مع طاجيكستان وقيرغيزستان على طاولة واحدة مرة أخرى.
ورداً على حسن النوايا الإيرانية، عرضت أوزبكستان على إيران أن تستثمر على نطاق واسع في الجمهورية الأوزبكية، وهو أمر كان غير ممكن عملياً في عهد كريموف بسبب الضغوط الأمريكية والكيان الصهيوني، كما عُرض عليها العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) والعمل بشكل وثيق مع طهران من أجل بناء السلام في أفغانستان.
باختصار، إن الجمهورية الإسلامية في إيران ليست لوحدها في تنفيذ مبادراتها السلمية في منطقة أوراسيا وخارجها، بل على العكس تماماً إن عدد الدول والحكومات الموالية لهذه المبادرات يزيد يوماً بعد يوم ما سيزيد من فرص إحلال السلام والاستقرار في المنطقة في سياق هذا التقارب الإقليمي
ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here