د. عادل عبد المهدي
ننقسم اليوم لجبهتين.. أ) ان تطور “الاقتصاد الوطني” الحقيقي الاساسي سيأتي من خارج “اقتصاد الدولة”.. ب) واخرى ترى انه يتم عبره. ولعل سبب وقوف الاغلبية مع الخيار الثاني، هو الثقافة الريعية المتأصلة.. وانغلاق مراكز صناعة الفكر السياسية والاقتصادية والثقافية والاكاديمية على الدولة.. وانخراط الاغلبية في الوظيفة، مولداً سهولة واعتياداً لهذا الخيار. وما لم نتفق على المرتكزات، فسيستمر دوران النقاشات في فراغ.. فكيف تقنع مالك العبيد بالحرية وهو يرى بان الاخر ولد عبداً؟
1- في التجربة العالمية، شهد نموذج “الاقتصاد الحر”، كما شهد “اقتصاد الدولة” ازمات وتطورات باطنية وظاهرة.. فـ”الدول الرأسمالية” رغم خصخصتها لقطاعاتها وشركاتها العامة، صارت اكثر تدخلاً في ادوات الاقتصاد والسوق.. بالمقابل حررت “الدول الشيوعية” السابقة والحالية احتكاريتها واصبحت اكثر “رأسمالية” و”اجتماعية”.
كتبت في تسعينيات القرن الماضي، ان كلمة “سوشيليزم Socialism” تُرجمت بداية بـ”الاجتماعية”.. لكن سرعان ما تغلبت ترجمة “الاشتراكية” وهي غير دقيقة وتبسيطية.. مما اشاع ثقافة شعبوية على حساب المفاهيم العميقة. فـ”الماركسية” رأت ابتداءاً ان التطور الاقتصادي و”الاجتماعي” ينمو من رحم التطور الراسمالي وقواه وادواته، ليغير العلاقات والنظم من حالة الى حال. وهذا لا يتم بالضرورة عنفاً. فالأمر ليس مجرد صراع بين “الرأسمالية” و”الاشتراكية”، بل “انقلاباً” لأمرين مولجين ببعضهما، كولوج الليل والنهار وانقلابهما.. وكتبت وقتها حصول اخطاء هنا ايضاً.. فتُرجِمت “ريفوليوشن Revolution” بـ”ثورة” وليس بـ”انقلاب”، كما فعل الايرانيون.. ولعل سببه تغليب الفهم “اللينيني”، على حساب “الماركسي”، والذي شاع كثيراً في اواسط خمسينيات القرن الماضي بين الاوساط اليسارية والقومية لدينا.
2- قد تبقى هناك حجة لانصار جبهة “اقتصاد الدولة” لو كانت مواردنا النفطية كافية لاحداث التنمية. فالواردات الحالية، وترقبات تطور اسعار النفط، ومعدلات النمو السكاني لن تكفي بعد اليوم سوى لسد الموازنة التشغيلية او بعضها.. فاذا لم يكن بيننا من يريد ان يعيد تجربة “الخمير الحمر” في كمبوديا في تجنيد الناس للاقتصاد، كما يجند الناس للحرب، فان على انصار جبهة “اقتصاد الدولة” ان يفيقوا من اوهامهم، ويراجعوا مفاهيمهم، ولا تأخذهم العزة بالاثم، سواء اكانوا خبراء صندوق النقد الدولي، او “اسلاميين” او قوميين او شيوعيين او بعثيين سابقين وحاليين.
3- “الاقتصاد الوطني” ليس نشاطات هامشية وشركات طفيلية ملحقة بنشاطات الدولة وريوعها.. من هنا خطأ مصطلح “القطاع الخاص” لانه سيظهر “الاقتصاد الوطني” وكأن لا وجود له الا بمقايسته بـ”اقتصاد الدولة” و”القطاع العام”. بينما “الاقتصاد الوطني” وقطاعاته وادواته المختلفة هو الاساس الذي يقايس عليه “القطاع العام”. “اقتصاد الدولة” يمثل اليوم العطل والفساد والهدر الاكبر. وكمثال لاحد اوجهه البشعة، تذكر مقدمة موازنة 2014 غير المقرة، ان حوالي 6000 مشروع مجمد تقترب قيمتها من ربع ترليون دينار.. وفي 2015، قدمت وزارة التخطيط تقريراً يقول ان المشاريع المتعاقد عليها والمجمدة بلغت 9000 مشروعاً تقريباً، وان قيمها 300 مليار دولار تقريباً، أي ثلث واردات الدولة منذ 2003.
4- النماذج القديمة باتت مستهلكة وبحاجة للتجديد.. وعتلة التنمية اليوم هي بانتشار مصالح ونشاطات وشركات واستثمارات صغيرة ومتوسطة وكبيرة باصول وخبرات متكاملة، مستقلة بادارتها ومالياتها عن بيروقراطية الدولة، حتى وان بقيت “رقبة” بعضها بيد الدولة، كتعبير رائع كان يستخدم قديماً لتنظيم العلاقة بين المالكية النهائية والحيازة والاستخدام الحقيقيين. مصالح ونشاطات تتوفر لها ليس فقط التشريعات الاصولية، بل القناعات والحمايات والسلوكيات الرسمية والشعبية ايضاً، والتي تستطيع ان تعمل وفق معايير أ) الاقتصاد الوطني، بمعنى ان الاهم هو تحقق الرفاه الاجتماعي، التنمية البشرية، التقدم العلمي والتكنولوجي، تنوع ونمو الناتج الوطني ومحاربة البطالة.. ب) والتنافس، بما يمنع الاحتكار ويفتح الفرص للجميع.. ج) والسوق، بما يوفر المعيارية للجودة والسعر المناسب وسد الحاجيات.. د) والعالمية لنكون شركاء بالمنجزات، ونأخذ حصتنا عبر تجارتنا وشركاتنا من ساحات غيرنا، كما يأخذ غيرنا حصته من ساحتنا.  ml 
المشاركة

اترك تعليق