كنوز ميديا  – سلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الضوء على بعض التفاصيل المتعلقة بالتحقيقات التي يجريها المحقق الخاص «روبرت مولر»، والتي تكشف في بعض جوانبها تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في تنسيق اتصالات بين إدارة ترامب، ومسؤولين روس.

وحسب مصادر مطلعة، فإن أحد مستشاري دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي يتمتع بصلات وثيقة مع معاونين سابقين وحاليين للرئيس ترامب، يبدي تعاونًا مع المحقق الخاص روبرت مولر، إذ أدلى بشهادته الأسبوع الماضي أمام هيئة محلفين.

ويبدو أن مولر -الذي يبحث تأثير الأموال الأجنبية في الأنشطة السياسية لترامب- قد طلب بعض الشهادات حول إمكانية أن يكون هذا المستشار المذكور «جورج نادر» قد سرب أموالًا من الإمارات لدعم الجهود السياسية للرئيس الأمريكي، وجدير بالذكر أنه من غير القانوني في الولايات المتحدة أن تسهم الكيانات الأجنبية في الحملات، أو أن يستقبل الأمريكيون أموالًا أجنبية في الصراعات السياسية.

لغز اجتماع سيشل

بحسب الصحيفة، فقد كان «نادر» -وهو رجل أعمال لبناني أمريكي عمل مستشارًا لولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات «محمد بن زايد»- أحد الذين حضروا اجتماع «سيشل» الذي سعى مولر إلى سبر أغواره. وبحسب ثلاثة من المطلعين على الأمر، فقد عقد هذا الاجتماع في يناير (كانون الثاني) 2017 -خلال فترة الانتقال الرئاسي- بواسطة ولي عهد أبو ظبي، بحضور مستثمر روسي مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، فضلًا عن «إريك برنس» مؤسس بلاك ووتر، والمستشار غير الرسمي لفريق ترامب.

قد يحمل تعاون «نادر» مع تحقيقات مولر مخاطر قانونية جديدة لإدارة ترامب، كما يبدو أن وجود الرجل في اجتماع سيشل يصله بنقطة الاهتمام الرئيسة لمولر الذي يفحص التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية في 2016.

المحقق الخاص روبرت مولر

وتنقل الصحيفة عن مصادر مطلعة أن «نادر» كان ممثلًا عن ولي عهد أبو ظبي في محادثات سيشل الثلاثية، في فندق يطل على المحيط الهندي، في الأيام التي سبقت تسلم ترامب مهام منصبه رسميًّا. كان الإماراتيون مقتنعين أن «إريك برنس» يتحدث باسم فريق ترامب الانتقالي، فيما كان الروسي «كيريل ديمتريف» ممثلًا للرئيس بوتين. كان «نادر» -الذي صار لاحقًا أكثر قربًا من عدد من مستشاري البيت الأبيض- قد عمل من قبل مستشارًا لبلاك ووتر -تغير اسمها الآن إلى «أكاديمي»- وقد تولى مهمة تقديم مديره السابق إلى الروسي.

ومنذ التقطت وكالات الاستخبارات طرف الخيط في الأيام الأخيرة من عمر إدارة أوباما، ظلت أهمية اجتماع سيشل لغزًا بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين، كما ظل الغرض من النقاش محل خلاف. وفي شهادته أمام الكونجرس في نوفمبر (تشرين الثاني)، أنكر «برنس» أن يكون قد حضر الاجتماع بوصفه ممثلًا عن فريق ترامب، كما رفض أن يوصف لقاؤه مع «دميتريف» بأكثر من كونه «محادثة ودية على هامش جلسة شراب».

وقد رفض محامي «نادر» التعليق، وكذا فعل المتحدث باسم «ديمتريف» الذي لم يقبل التعليق على اجتماع سيشل، وهو الأمر نفسه الذي رفضه السفير الإماراتي في واشنطن «يوسف العتيبة».

وكان «دميتريف» -وهو مصرفي سابق في بنك «غولدمان ساكس» ويحمل ماجستير إدارة الأعمال من جامعة هارفارد- قد اختاره بوتين في عام 2011 ليدير صندوق استثمار غير اعتيادي تابعًا للدولة. وفي حين أن الصناديق المماثلة تسعى إلى كسب العوائد على الثروة السيادية، فإن «صندوق الاستثمار الروسي المباشر» الذي تولى «ديمتريف» مسؤوليته كان يسعى إلى الاستثمارات الخارجية، من الحكومات الأجنبية في الغالب، لصالح مشاريع البنية التحتية غير الجاذبة في الداخل الروسي. وقد تعرض الصندوق لعقوبات من إدارة أوباما عقب التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا عام 2014.

وقد استثمرت الإمارات العربية المتحدة -التي تعتبرها واشنطن أحد أوثق حلفائها العرب- بقوة في صندوق «دميتريف» لجزء من جهودها لبناء علاقات قوية مع روسيا الاتحادية. وبعد زيارة «محمد بن زايد» إلى موسكو في 2013، ولقائه بالرئيس بوتين، استثمرت أبو ظبي نحو 6 مليارات دولار في «صندوق الاستثمار الروسي المباشر»، الأمر الذي صب بالنهاية في صالح مشروعات الطرق، ومطار، ومراكز لعلاج السرطان في روسيا.

تقول الصحيفة: صار «ديمتريف» ضيفًا متكررًا على أبو ظبي، وقد اعتبره المسؤولون الإماراتيون قناة اتصال رئيسية بالحكومة الروسية. وفي بريد إلكتروني للسفير الإماراتي السابق في روسيا عام 2015، وُصف الرجل بأنه «رسول» يمكنه أن يصل بالمعلومات مباشرة إلى الرئيس بوتين. كانت تلك الرسالة بين عدد كبير من الرسائل التي نشرت بعد اختراق حساب سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة. وقد رفض «عمر سيف غباش» السفير الإماراتي السابق في واشنطن الرد على الطلبات للتعليق على هذا التسريب.

«جورج نادر» في قبضة «إف بي آي»

وبحسب مصادر مطلعة، وفقًا للصحيفة، فقد خضع «جورج نادر» لإذن التفتيش ولاستدعاء من هيئة المحلفين في يناير، بعد لحظات قليلة من هبوطه في مطار دالاس الدولي، إذ كان في طريقه إلى «مارس في لاغو»، فلوريدا، للاحتفال بمرور عام على وصول ترامب إلى الرئاسة، لكن كانت لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» خطط أخرى، إذ تم التحفظ على متعلقات «نادر» واستجوابه أكثر من ساعتين.

ومنذ ذلك الحين، استجوب «نادر» مرارًا بخصوص اجتماعاته في نيويورك خلال فترة الانتقال الرئاسي، واجتماع سيشل، وكذلك اجتماعاته مع اثنين من أبرز مستشاري البيت الأبيض، جاريد كوشنر، وستيفن بانون -غادر البيت الأبيض لاحقًا-.

حدث اجتماع سيشل على خلفية جهود أكبر للتواصل السري بين فريق ترامب، وكل من الروس والإماراتيين. في الأسابيع التي تلت انتخابات الرئاسة 2016، أثار ولي عهد أبو ظبي «محمد بن زايد» شكوك وكالة الأمن القومي، إذ علموا بانتهاكه البروتوكول حين زار برج ترامب في مانهاتن، بدون إعلام إدارة أوباما.

وكان جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره البارز، قد التقى خلال الفترة الانتقالية في برج ترامب بـ«سيرجي كيسلياك» السفير الروسي في واشنطن حينئذ، إذ تناقشا في تدشين قناة تواصل خلفية مع موسكو، في تحايل على القنوات الأمريكية الدبلوماسية الرسمية التي تستخدم عادة في فترات الانتقال الرئاسي. بعدها بأيام قليلة التقى كوشنر بـ«سيرجي كورشوف» وهو مصرفي روسي مقرب من بوتين -يقع بنكه هو الآخر تحت طائلة العقوبات الأمريكية-، وهو ما قال عنه كوشنر إنه محاولة لتأسيس خط تواصل مباشر مع بوتين خلال الفترة الانتقالية.

والجدير بالذكر أن «مايكل فلين»، وهو أول مستشار للأمن القومي في إدارة ترامب، قد طرد من منصب بعد كذبه بخصوص محادثاته مع السفير الروسي خلال الفترة الانتقالية.

بوتين مع كيريل ديمتريف

وقد تفاوتت التفسيرات بخصوص اجتماع سيشل بشكل حاد، وحين سئل في شهادته أمام لجنة الاستخبارات في نوفمبر عن المسألة، وصف إريك برنس لقاءه بـ«ديمتريف» بأنه ليس أكثر من صدفة عابرة، وذكر أنه كان في سيشل للاجتماع بولي العهد الإماراتي وبمسؤولين آخرين اقترحوا عليه لاحقًا أن يلتقى بـ«ديمتريف» في بار الفندق، وهو اللقاء الذي استمر نحو نصف ساعة، بحسب برنس.

«تحدثنا عن موضوعات عدة، بدءًا من النفط وحتى أسعار البضائع، أخبرني كيف أن موسكو تتمنى أن تعود العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة إلى طبيعتها. أتذكر إخباره لي أنه إذا كان فرانكلين روزفلت قد تعاون مع جوزيف ستالين لهزيمة الفاشية النازية، فإن من الممكن بالتأكيد أن يتعاون دونالد ترامب مع فلاديمير بوتين لهزيمة الفاشية الإسلامية»، برنس متحدثًا عن لقائه بديميتريف.

بعد قليل من اجتماع سيشل، قابل ديمتريف «أنتوني سكاراموتشي»، الذي كان حينها مستشارًا غير رسمي لترامب، في منتدى الاقتصاد العالمي، دافوس 2017. وفي لقاء له مع وكالة أنباء روسية، انتقد سكاراموتشي العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة أوباما على روسيا، ووصفها بغير الفعالة، مقترحًا في المقابل أن تجد إدارة ترامب أرضية مشتركة مع روسيا.

«يجب أن نجعل العالم أكثر أمنًا، يجب أن نستأصل الإرهاب الإسلامي الراديكالي من هذا العالم، ويجب أن نعرف كيف نرفع أجور الطبقات العاملة»، كما يقول سكاراموتشي، الذي عين لاحقًا مديرًا لاتصالات البيت الأبيض، قبل أن يترك منصبه بعد فترة وجيزة، «سواء تعلق الأمر بروسيا أو الولايات المتحدة، أعتقد أن هناك الكثير من الأهداف المشتركة».

تختتم الصحيفة تقريرها بأن ديميتريف -من جهته- أبدى تفاؤلًا خاصًا مع بزوغ فجر حقبة ترامب، وفي مقابلة أجراها مع «نيويورك تايمز» بعد يومين من انتخابات 2016، ذكر أنه يعتقد أن انتصار ترامب الدرامي «سيعيد تشكيل العلاقات الروسية- الأمريكية»، وقال: «حينما تُعامل روسيا باحترام، فإن بإمكاننا أن نمضي قدمًا».

المشاركة

اترك تعليق