كنوز ميديا – تقارير
«مصائب قومٍ عند قومِ فوائد»، ينطبق هذا المثل بشكل نموذجي على حالة الشرق الأوسط حاليًا، حيث أدت السياسات الحدّية لولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» إلى فقدان المملكة للكثير من الحلفاء الإقليميين بحسب العديد من المحللين، الذين فقدوا الثقة فيها باعتبارها حليفًا مستدامًا يمكن الاعتماد عليه وسط بحر إقليمي مضطرب، وفي الواجهة، كان اللاعب التركي ينتظر مبتسمًا، حيث يهرول إليه الكثيرون سعيًا وراء تعويض الدعم السعودي المفقود.
الأردن.. «عبد الله» يولي وجهه شطر أردوغان
كان من المنطقي تمامًا أن تختار المملكة الأردنية الهاشمية حليفًا تقليديًا لها مثل السعودية، كلا المملكتين ذات غالبية سنية ويتشاطران الخوف من تمدد النفوذ الإيراني، إذ كان العاهل الأردني عبد الله الثاني أحد أوائل الذين حذروا من «الهلال الشيعي» – الذي يمتد من لبنان إلى السعودية – عقب سقوط نظام الرئيس صدام حسين، ويحظى موقع الملك في كلا البلدين بسلطات شبه مطلقة، ويتشاركان الخوف نفسه من تمدد قوى الإسلام السياسي، وقد تلقت عمّان دعوة للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، بعد أسابيع قليلة من انطلاق ثورات الربيع العربي عام 2011.

وإلى جانب تمتع البلدين بعلاقات تاريخية وحميمية مع الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل يجعلهما معًا على الجانب نفسه عند أي محاولة لتصنيف دول المنطقة سياسيًا. تعتمد الأردن – البلد فقير الموارد – بشكل رئيسي على الدعم الاقتصادي الخليجي، وبخاصة من السعودية، الذي اعتاد أن يتدفق بالمليارات، فضلًا عن أعداد كبيرة من العمالة الأردنية في السوق السعودي، والتي تمثل إحدى روافع الاقتصاد الأردني.

أردوغان والملك عبد الله الثاني
من هنا، كان من البديهي تمامًا أن تتطابق سياسات البلدين في الكثير من القضايا الإقليمية، إذ اتخذت الأردن موقفًا أقرب إلى السعودية في بدايات الصراع السوري، حيث استضافت غرفة عمليات «الموك» التي قدمت الدعم للفصائل السورية المسلحة في الجبهة الجنوبية، برعاية من الولايات المتحدة والدول الغربية، والسعودية والإمارات، كما أن عمّان شاركت فيالتحالف الإسلامي الذي أعلنته المملكة العربية السعودية في ديسمبر (كانون الأول) 2015، كما أعلنت تأييدها لعمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين في اليمن.
لكن العلاقات بين البلدين لم تلبث أن اعتراها الكثير من الفتور، ازداد بروزًا مع الأيام، إذ لم تشارك الأردن بشكل فاعل في عمليات التحالف العربي في اليمن، كما جاءت الأزمة الخليجية لتعمق من هوة الخلافات بين البلدين، صحيح أن الأردن قد تجاوب بعض الشيء مع مطالب رباعي الحصار، فخفض تمثيله الدبلوماسي مع قطر، وسحب التراخيص من قناة الجزيرة، إلا أن هذا الموقف «الخافت» ربما لم يُرض السعوديين، الذين كانوا يطمحون في اصطفاف أردني أكثر وضوحًا وحدة.
جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، ليصب مزيدًا من الزيت على النار في علاقة الأردن بالسعودية، تحتل قضية القدس، والقضية الفلسطينية بشكل عام، مكانة خاصة في السياسة الأردنية، إذ إن الحرم القدسي يقع تحت الوصاية الهاشمية، وهو ما يكسب الحكم الملكي في الأردن شرعية دينية وشعبية، كما أن حراس المقدسات الدينية في القدس أردنيون، تُدفع رواتبهم من قبل وزارة الأوقاف الدينية مباشرة.
من هنا، يمكن فهم ما يُثار من غضب أردني من الترتيبات الجديدة التي تُحاك للمنطقة، إذ تشعر أنها مستثناة تمامًا في الأحاديث حول ما يُعرف بـ«صفقة القرن»، في مقابل التطور المتسارع في العلاقات بين الرياض وأبو ظبي من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، وترى أن هذا الأمر هو الذي سهل على ترامب اتخاذ قراره بشأن القدس.
وفيما كانت الأردن تبتعد شيئًا فشيئًا عن «الحضن السعودي»، ظهر الأتراك باعتبارهم حليفًا بديلًا يمكن الاعتماد عليه، وتتسق مواقفه مع الموقف الأردني في الكثير من القضايا، وفيما غابت السعودية والإمارات «عمليًا» عن القمة الإسلامية التي عقدت في إسطنبول للرد على قرار ترامب، كان الملك الأردني حاضرًا وبقوة، إذ ظهر في الصف الأول ملاصقًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وفي حين تحدثت تسريبات – لم يتم التأكد من صحتها – عن اعتراض سعودي طفا إلى السطح في اجتماع الاتحاد البرلماني العربي، على مسألة الوصاية الهاشمية على القدس، محاولًا سحب البساط من تحت الأردن ليعطي المسألة «بعدًا إسلاميًا» أوسع، بحسب التسريبات، فإن المشادة الكلامية التي جرت بين وزير الخارجية التركية «مولود جاويش أوغلو» والأمين العام للجامعة العربية «أحمد أبو الغيط» على هامش قمة مؤتمر مونيخ قبل أيام، قد لمحت للأمر بشكل أكثر صراحة، حين قال الوزير التركي موجهًا حديثه لـأبو الغيط:
أتمنى أيضا أن يكون نظامك قويًا بما فيه الكفاية ليمنع بعضًا من أعضاء منظمتك المبهورين بالولايات المتحدة من الضغط على الفلسطينيين والأردن التي هي وصية على وضع القدس، لكي لا يرفعوا صوتهم بشأن الدفاع عن الفلسطينيين والقدس.. هذا هو نظامك للأسف
وقد حملت الأيام الماضية، ما يشير إلى مضي عمّان قُدمًا في توثيق علاقتها مع أنقرة، إذ زار وزير الخارجية التركي الأردن، ليعلن عن زيارة قريبة يجري ترتيبها للرئيس التركي إلى عمان، وقد جرى ذلك بالتزامن مع زيارة رئيس الأركان التركي «خلوصي أكار» الذي التقى الملك عبد الله الثاني، كما وقع مع نظيره الأردني اتفاقية للتعاون العسكري بين البلدين.
السودان.. جزيرة سواكن «عربون صداقة» بين أردوغان والبشير
من بين أغلب الدول العربية والإسلامية التي أعلنت تأييد الحملة العسكرية السعودية على اليمن، فيما عُرف بعاصفة الحزم، كان السودان الأكثر جدية وحرصًا على تحويل التأييد الإعلامي إلى إجراءات ملموسة في الميدان. مع بداية عمليات «عاصفة الحزم»، بدت جلية حاجة السعوديين إلى قوات برية تسعى إلى استثمار النجاحات التي تحققها الضربات الجوية، وفي حين لم تُبد الدول حماسة لمجازفة كهذه، أعلن السودان في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 إرسال الدفعة الأولى من قواته إلى ميناء عدن.
وتشير التقديرات إلى أن عدد الجنود السودانيين المشاركين في حرب اليمن يقدرون بالآلاف، أغلبهم من «قوات الدعم السريع» التي شاركت من قبل في إخماد التمرد في دارفور، ويتميزون بالشراسة والكفاءة. وقد كشف قائد تلك القوات الفريق «محمد حميدتي» في سبتمبر (أيلول) الماضي عن مدى الخسائر التي لحقت بقواته في اليمن، إذ أشار إلى مقتل 412 عسكريًا بينهم 12 ضابطًا.
بعد سنوات من التقارب – وربما التحالف – مع طهران، مثّل قرار السودان في سبتمبر 2015 بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية، واتهامها بأنها صارت بؤرًا لنشر الطقوس الشيعية في البلاد، تدشينًا لمرحلة جديدة، تولي فيها الخرطوم وجهها شطر الخليج العربي، حتى أن الرئيس السوداني عمر البشير صار ضيفًا متكررًا على قصور الحكم في الرياض وأبو ظبي، فضلًا عن حرص السودان على المشاركة في كل التحالفات العسكرية التي تعلن عنها الرياض.
وفضلًا عن اصطفاف الخرطوم سياسيًا وعسكريًا إلى جانب الرياض، وإعلانها قطع العلاق الدبلوماسية مع إيران عام 2016، بعد الاعتداء على سفارة المملكة في طهران، أشار تقرير سابق لصحيفة الأخبار اللبنانية عن «بيع النظام السوداني معلومات للسعودية تتعلق بطريقة عمل حزب الله عندما كان يستخدم الأراضي السودانية لإيصال السلاح إلى فصائل المقاومة في غزة».
وفي مقابل ذلك تدفقت الاستثمارات على السودان من جانب السعودية التي تعهدت بتطوير البنية التحتية السودانية، وبالاستثمار في قطاع الزراعة السوداني، كما تم إيداع مليار دولار في بنك السودان المركزي، بداية العام 2017، بهدف دعم الاقتصاد السوداني، كما ساهمت الجهود الدبلوماسية السعودية في تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان.

البشير وأردوغان
لكن الأزمة الخليجية مع قطر قد جاءت لتضع البشير في مأزق لا يُحسد عليه، إذ اتخذت السودان موقفًا أقرب إلى الحياد في الأزمة، قبل أن تتحدث تقارير صحفية عن تعرض الخرطوم لضغوط «لاتخاذ موقف أكثر وضوحًا من الأزمة»، وقد صرح عضو البرلمان حينها «صلاح قوش» – تولى قبل أسابيع قيادة جهاز الأمن والمخابرات في البلاد – بأن على السودان رفض تصنيف جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس باعتبارهما جماعات إرهابية، الأمر الذي كان يشي بأن أطرافًا عدة في السلطة السودانية كانت قلوبها مع قطر فيما كان موقف البلاد الرسمي على الحياد.
التقارب المصري-السعودي كان محفزًا آخر لتوجس الخرطوم من الرياض، في ظل التوترات التي تشهدها العلاقات السودانية مع القاهرة، وكان المسؤولون السودانيون قد انتقدوا اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، بعدما أقرت تلك الاتفاقية تبعية الشواطئ المحاذية لحلايب على البحر الأحمر، واعتبرت الخرطوم أن ذلك يمثل تراجعًا سعوديًا عن اتفاقية مبرمة مع الخرطوم عام 1974، تقر بـ «سودانية مثلث حلايب»، وقد اعترض السودان رسميًا لدى الأمم المتحدة على تلك الاتفاقية.
اقرأ أيضًا: «إخوة أم أعداء؟»: التفاصيل شبه الكاملة للصراع المحتدم بين مصر والسودان
في ظل تلك التوترات المكتومة بين السودان والسعودية، كان الطرف التركي حاضرًا لاستغلال الحاجة السودانية إلى حليف إقليمي قوي في محيط مليء بالتوترات، ويُلاحظ مؤخرًا تسارع عجلة التطور في العلاقات بين الخرطوم وأنقرة، لترقى إلى درجة «التحالف»، تجلى في زيارة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» إلى العاصمة السودانية أواخر ديسمبر الماضي.
وخلال الزيارة، تم الإعلان عن اتفاقية تقضي بتسليم السودان إدارة جزيرة سواكن الاستراتيجية، الواقعة على البحر الأحمر – تعد أقدم الموانئ السودانية – إلى الجانب التركي، لتتولى ترميمها وإعادة تأهيلها، كما أشار أردوغان نفسه، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع البشير أن الاتفاقية لها ملحق سري، لا يُعلم ما تحتويه.
الاتفاقية التي أثارت غضب مصر والسعودية، إلى حد وصف صحيفة عكاظ لسعي أردوغان في الحصول على الجزيرة بأنه «كشف عن الوجه الحقيقي له، وطمعه في التمدد والتوسع على طريقة نظام الملالي»، كانت فقط قمة جبل الجليد، حيثمهدت زيارة أردوغان لسلسلة من اتفاقيات التعاون بين الجانبين، تشمل إقامة مشاريع زراعية وصناعية تشمل إنشاء مسالخ لتصدير اللحوم ومصانع للحديد والصلب ومستحضرات التجميل إضافة إلى بناء مطار في الخرطوم، حيث تقاطرت زيارات المسؤولين الأتراك إلى العاصمة السودانية لمتابعة تنفيذ تلك المشاريع.
لبنان.. الحريري «يهرول» باتجاه تركيا
أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وفيما كان اللبنانيون في حيرة، يبحثون عن الحقيقة الغائبة وراء الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء «سعد الحريري»، فوجئ سكان مدينة طرابلس – إحدى المعاقل السنية في البلاد – بإحراق صور لولي العهد السعودي «محمد بن سلمان»، كانت قد رفعت مؤخرًا في شوارع المدينة للتعبير عن التأييد للسعودية التي تعد الداعم الرئيسي للسنة في لبنان وتحظى بينهم بنفوذ واسع.
وبرغم الإدانة الرسمية التي لقيها مشهد حرق الصور، وبغض النظر عما أثاره من خلافات داخل المعسكر السني نفسه، فإنه يؤشر على دلالة صارت واضحة، وهي أن السعودية لم تعد الحليف الموثوق به لدى العديد من اللبنانيين السنة، وهو ما برز بشكل أكثر وضوحًا في «تذمر» تيار المستقبل من موقف السعودية في أزمة الحريري، حيث طالبت كتلته البرلمانية بعودة الحريري إلى البلاد «في إطار الاحترام الكامل للشرعية اللبنانية المتمثلة في الدستور واتفاق الطائف».
كما خرج وزير الداخلية، والقيادي في تيار المستقبل «نهاد مشنوق» معلقًا بلهجة شديدة عن التقارير التي تحدثت عن رغبة السعودية في استبدال سعد الحريري، قائلًا :«اللبنانيون ليسو قطيع غنم ولا قطعة أرض تنتقل ملكيتها من شخص لآخر» معتبرًا أن الأمور في لبنان «تجري بالانتخابات وليس المبايعات»، في تعريض واضح بالسعودية وموقفها.
سعد الحريري، الذي لم تكد قدماه تطأ أرض لبنان حتى تراجع عن استقالته، التي تبين للقاصي والداني أنه قد قدمها مكرهًا بضغط سعودي، يبدو أنه قد فكر في البحث عن حليف آخر أكثر جدارة بالثقة من السعوديين، ليكون ظهيرًا للكتلة السنية في لبنان، لموازنة نفوذ حزب الله المدعوم إيرانيًا، ومن يمكن أن يكون هذا غير الأتراك؟!
اقرأ أيضًا: روبرت فيسك: هكذا أسكتوا الحريري
طار الحريري إلى تركيا، حيث التقى برئيسها ورئيس وزرائها في زيارة اعتبرت أكثر من عادية، وأثارت الكثير من التكهنات التي رأت فيها محاولة من الحريري للبحث عن حليف «حقيقي» بعدما تبين أنه لا يُؤمن مكر السعوديين، إلى الحد الذي اضطرت معه وزارة الخارجية السعودية إلى إصدار بيان رسمي تنفي فيه انزعاج المملكة من زيارة الحريري إلى أنقرة، معتبرة أن الأمر تم ترويجه من قبل «الصحف القطرية».

أردوغان والحريري
ولكن، ولأنه ليس هناك دخان بغير نار، يبدو أن الضيق السعودي من تقارب الحريري مع أنقرة لا يمكن إخفاؤه تمامًا، إذ إن ما نفته الخارجية السعودية، تحدثت به صراحة الصحف السعودية المعروف عنها أنها الناطق غير الرسمي باسم المملكة، وأبرزها صحيفة «إيلاف» التي اعتبرت أن «هرولة الحريري إلى تركيا ستكلفه ثمنًا باهظًا لأن المملكة لم تقصر معه في شيء»، بحسب وصف الصحيفة التي اعتبرت أن «تحالف الحريري مع تركيا لن يمر مرور الكرام» خاصة في الانتخابات القادمة التي قد تصب نتائجها في غير مصلحته.

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here