حظيت زيارة وزير الخارجية الفرنسي “جان ايف لودريان” إلى طهران بأهمية خاصة، نظراً لما تعكسه من تأثير مباشر على العلاقات بين بلاده وإيران في جميع المجالات من جهة، ولارتباطها من جهة ثانية بالخلاف بين إيران وأمريكا على خلفية الأزمة النووية.
وعلى الرغم من أن المباحثات التي أجراها لودريان خلال هذه الزيارة مع نظيره الإيراني “محمد جواد ظريف” ورئيس الجمهورية “حسن روحاني” ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني “علي شمخاني”، ركّزت بشكل ملحوظ على مناقشة الملف النووي وملف الصواريخ البالستية الإيرانية، إلّا أن هذه المباحثات خصّصت في ذات الوقت جانباً كبيراً منها لدراسة سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية بين باريس وطهران.
فمن المعروف أن فرنسا والدول الأوروبية بشكل عام تواجه تحديّاً تاريخياً لحسم موقفها بين الاختيار للوقوف بجانب أمريكا التي يعارض رئيسها “دونالد ترامب” تطبيق بنود الاتفاق النووي المبرم وبين طهران ومجموعة (5+1) بذريعة أنها لا تنسجم مع مصالح أمريكا، وبين تعزيز علاقاتها مع إيران من خلال تنفيذ بنود هذا الاتفاق ولاسيّما في المجالين الاقتصادي والتجاري.
ويكشف الوفد الاقتصادي الرفيع الذي رافق لودريان في زيارته إلى إيران بأن باريس تولي أهمية كبيرة لتطوير علاقاتها الاقتصادية مع طهران خصوصاً وأن الرئيس الفرنسي ” إيمانويل ماكرون” كان قد وعد بتطوير القطاع الاقتصادي في بلاده. كما دعا ماكرون الاتحاد الأوروبي إلى انتهاج سياسة مستقلة عن أمريكا إزاء القضايا الدولية والإقليمية لضمان مصالح الأوروبيين في شتى الميادين.
ومن الجدير بالذكر أن باريس كانت تربطها علاقات اقتصادية جيدة مع طهران قبل فرض الحظر الغربي على إيران بسبب الأزمة النووية، كما كانت من أوائل الدول الأوروبية التي سارعت لتعزيز هذه العلاقات بعد توقيع الاتفاق النووي في تموز/ يوليو 2015.
وخلال زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى باريس في يناير/كانون الثاني 2016 ومباحثاته مع نظيره الفرنسي “إيمانويل ماكرون” وقّع البلدان عقوداً اقتصادية تصل قيمتها إلى حوالي 15 مليار يورو من بينها اتفاق للحصول على 114 طائرة إيرباص للرحلات المتوسطة والبعيدة في صفقة تصل قيمتها إلى 25 مليار دولار. ومن الاتفاقيات أيضاً قيام شركة “بيجو” الفرنسية وبالتعاون مع شركة “خودرو” الإيرانية لصناعة السيارات بإنتاج 200 ألف سيارة من طراز “بيجو 208 و2008 و301” ابتداءً من 2017، وكذلك قيام شركة “توتال” الفرنسية العملاقة للنفط والغاز بتنفيذ مشاريع مشتركة لاستخراج الغاز الطبيعي في إيران. وخططت “توتال” لشراء ما يصل إلى 200 ألف برميل يومياً من الخام الإيراني بمقتضى اتفاق يشمل أيضاً قطاع البتروكيماويات. وتم توقيع هذا الاتفاق على هامش زيارة روحاني إلى باريس التي رافقه فيها وفدٌ من مئات رجال الأعمال بالإضافة إلى وزراء الخارجية والنفط والنقل والصناعة والصحة.
ومن الأمور الملفتة كذلك أن وزير الخارجية الفرنسي أشاد خلال زيارته إلى طهران بتعاطي إيران الإيجابي مع الاتفاق النووي، وأكد على ضرورة تنفيذ بنود الاتفاق من قبل كل أطراف السداسية الدولية إلى تضم بالإضافة إلى فرنسا كلاً من أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وألمانيا، وهذا مؤشر قوي على أن باريس ترغب بإنهاء الأزمة النووية بين طهران وواشنطن، وترجّح في الوقت نفسه فتح قنوات جديدة مع إيران لتعزيز العلاقات الاقتصادية معها حتى وإن أصرّت أمريكا على عدم تطبيق بنود الاتفاق بحجّة أنه لا يلبي مصالحها.
ومن الجوانب التي تسعى باريس وطهران لتنشيطها هي التبادل التجاري في مجال الطاقة وتوسيع نطاق التعاون بين البنوك الإيرانية ونظيراتها الأوروبية، بالإضافة إلى تقوية قطاع الاستثمار وفسح المجال للشركات الفرنسية لتنفيذ مشاريع مشتركة في إيران خصوصاً في مجال صناعة السيارات، وتذليل العقبات المتبقية أمام عملية التبادل المصرفي في أجواء ما بعد الاتفاق النووي.
وتنبغي الإشارة إلى أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني “علي شمخاني” أكد لوزير الخارجية الفرنسي بأن تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية ولاسيّما القدرة الصاروخية ضرورة لا مفرّ منها في مسيرة تنفيذ سياسة الردع تجاه أي اعتداء محتمل.
ويعتقد المراقبون بأن زيارة لودريان إلى طهران تمثل في الواقع ردّاً عملياً مناسباً على محاولات الرئيس الأمريكي “ترامب” الضغط على الدول الأوروبية ومنها فرنسا لمنعها من توسيع علاقاتها مع إيران. إذ يعتقد هؤلاء المراقبون بأن سياسة بعض الدول الأوروبية في تقديم تنازلات لأمريكا من أجل البقاء في الاتفاق النووي هي سياسة خاطئة وبمثابة تأثّر واستسلام أمام لعبة ترامب النفسية.
من خلال هذه المعطيات يمكن فهم الموقف الفرنسي والأوروبي بشكل عام من الاتفاق النووي، فالدول الأوروبية لا تريد أن تخسر علاقاتها مع أمريكا بسبب تعنّت ترامب إزاء الأزمة النووية، لكنها ترغب في ذات الوقت بإنهاء هذه الأزمة والتوجه بقوة نحو تنمية العلاقات الاقتصادية مع إيران لما تمتلكه الأخيرة من إمكانات ضخمة في هذا المجال، ولاعتقاد العواصم الأوروبية بأن طهران صادقة في تعاملها مع المجتمع الدولي وتريد إنهاء الأزمات الإقليمية والعالمية لكن إصرار أمريكا على انتهاج سياسة مغايرة حال دون ذلك حتى الآن.
وبنظرة كلية، من المتوقع أن تمهّد زيارة لودريان إلى طهران لإرساء الأسس الصحيحة لتعاون سياسي واقتصادي رصين، وتعزيز وبناء الثقة في شتى المجالات بين البلدين، والاستفادة القصوى من الأجواء التي وفّرها الاتفاق النووي الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع عام 2016.   ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here