وكأنه مكتوب على الشرق الأوسط أن يكون أرض الصراعات والحروب والنزاعات، حيث لا تكاد أن تهدأ أزمة من أزمات المنطقة حتى تتفجر أزمات أخرى لتجعل الوضع أكثر قتامة، وتشير التوقعات هذه المرة إلى احتمالية نشوب حروب جديدة عنوانها السيطرة على حقول الغاز في الشرق الأوسط، حيث إن اكتشافات الغاز المتتالية للدول المطلّة على السواحل الشرقية للبحر المتوسط هذه الأيام، والتي يعتبرها الكثيرون أنها ستكون وقود المستقبل بعد تزايد أهمية الغاز في مجالات الحياة المختلفة اعتبرها آخرون أنها ستكون نقمة جديدة على سكان المنطقة الذين سيكونون الضحية الأساس لصراعات الكبار على الذهب الأسود.
هذه المرة دخلت تركيا سباقاً محموماً مع اليونان وقبرص، في مجال البحث والتنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها بين الأطراف الثلاثة بهدف تأمين احتياطاتها من الطاقة، وفي هذا السياق، هدد يغيت بولوت، مستشار الشؤون الاقتصادية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الأحد الماضي الشركات اليونانية والغربية النفطية قائلاً إنه “إذا وقّعت أي شركة أجنبية من اليونان أو دولة أخرى عقوداً من أجل التنقيب عن النفط والغاز على سواحل قبرص وشرقي البحر المتوسط دون تصريح وقبول تركي بذلك ستواجه هذه الشركات هجمات تركية عسكرية”.
وفي الآونة الأخيرة، وصلت حدة التوترات بين أثينا وأنقرة إلى ذروتها في مجال استكشاف الغاز والنفط على ساحل قبرص، وقامت البحرية التركية الموجودة في المنطقة بعرقلة أنشطة الشركة الإيطالية وغيرها من الشركات الأوروبية والأمريكية العاملة في مجال التنقيب عن النفط، حيث قامت السفن الحربية التركية بإيقاف السفينة الإيطالية، مطالبة إياها بعدم مواصلة رحلتها بسبب العمليات العسكرية القائمة في المنطقة التي تقصدها سفينة الحفر، بعد ذلك صرّح ممثل عن شركة “إيني” الإيطالية لوكالة رويترز إن الشركة الإيطالية ستحوّل منشآتها إلى المغرب بعد تحذيرات بحرية تركية متكررة وحصار موقعها.
وفي هذا الصدد قال مستشار أردوغان  “بينما تظهر تركيا في الوقت الراهن ضبط النفس فإن إيطاليا أرسلت لاجئين إلى أنقرة وعلى الرغم من تقديم الخدمات للاجئين، لكن إذا تعرّضت مصالح تركيا للخطر فإن البحرية التركية سوف تستهدف أي سفن لأي دولة كانت”.
العلاقات التاريخية المتوترة بين تركيا واليونان…
ارتفعت حدة التوتر في العلاقات اليونانية التركية في الآونة الأخيرة إلا أن هذه التوترات بين الطرفين تعود إلى الحكم العثماني والحرب العالمية الأولى حيث شارك العثمانيون في مسرح الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط وخلال هذه الحرب تلقت اليونان أمراً باجتياح سميرنا (إزمير) ما أدى الى انهيار الدولة العثمانية تماماً، وقسمت أراضيها بين تحالف القوى المنتصرة وانتهت بالتوقيع على معاهدة سيفر في 10 آب سنة 1920.
في سنة 1974 بلغ الخلاف التركي اليوناني أوجه عندما قام الجيش التركي باجتياح نصف جزيرة قبرص رداً على انقلاب عسكري عاشته الجزيرة بدعم من اليونانيين؛ ما أدّى إلى تقسيم الجزيرة ما بين القبارصة اليونانيين المدعومين من دولة اليونان والأتراك المدعومين من تركيا ويُشرف الجيش التركي على حمايتها.
في عام 1996، ارتفعت التوترات بين تركيا واليونان حول الجزر الحجرية المتنازع عليها في بحر إيجة إلى حدّ الحرب العسكرية إلا أن التدخل الأوروبي قد أوقف فتيل الحرب بين الطرفين.
هذه التوترات، التي هي إلى حدّ كبير نتيجة الصراع على المناطق الحدودية والبحرية المتنازع عليها، كانت دائماً موجودة تاريخياً، وحتى الرحلة التاريخية الأخيرة لـ أردوغان إلى أثينا في ديسمبر من هذا العام، والتي حدثت بعد قطيعة دامت أكثر من 65 عاماً، فشلت أيضاً في التقليل من حجم التوترات في العلاقات بين البلدين، بل إن حديث الرئيس التركي عن الحدود البحرية والجوي بين البلدين في بحر ايجه، أعاد إحياء التوترات من جديد حيث أعرب المتحدث باسم الحكومة اليونانية عن قلقه إزاء تصريحات أردوغان التي من الممكن أن تزيد التوتر بين الطرفين.
تفجير النزاعات مرة أخرى بسبب النفط والغاز…
وعلى الرغم من استمرار الصراع الحدودي بين تركيا واليونان، أتت قضية استكشاف النفط والغاز لتزيد الصراع بين الطرفين. وبدأت هذه التوترات الجديدة بعد دعوة قبرص اليونانية الشركات الأجنبية لإجراء التنقيب عن النفط والغاز على الواجهة البحرية في بحر إيجة، ومع انتشار هذا الخبر، أعلنت تركيا أن الجزء الجنوبي من قبرص لن يكون له الحق في استخدام موارد النفط والغاز في المنطقة قبل حلّ المشكلة القائمة بين القبرصيتين اليونانية والتركية، لأن قبرص الشمالية (الأتراك) لديها الحق في الاستفادة من هذه الموارد.
ومن ناحية أخرى، أعربت اليونان مراراً وتكراراً عن رغبتها في استكشاف النفط والغاز بالقرب من سواحلها، ودخلت في مفاوضات مع عدد من الشركات الأجنبية، والتي ردّت عليها أنقرة أيضاً في أكثر المواقف بالتهديدات العسكرية.
بيد أن التهديد العسكري التركي المتواصل لقبرص قد لاقى ردّ فعل أوربي سلبي حيث انتقد زعماء الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي العمليات العسكرية التركية على سواحل قبرص والمناطق الحدودية اليونانية، وطلبوا من أنقرة إنهاء التوتر في هذه المناطق. وفي هذا السياق قال دونالد تاسك رئيس المجلس الأوروبي إن “الأعمال الاستفزازية التي تقوم بها تركيا في شرق المتوسط وبحر إيجه تتنافى مع القانون الدولي وحسن الجوار وتؤثر بلا شك على العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي ويجب أن تعرف تركيا أن الاتحاد الأوروبي يقف إلى جانب اليونان وقبرص”.
ما مدى خطورة التوترات العسكرية التركية اليونانية؟
على الرغم من أن التهديدات العسكرية التي وجهتها تركيا مؤخراً ضدّ اليونان وقبرص، فإن تنفيذ هذه التهديدات أمر غير مرجح في الوقت الراهن. وذلك لأسباب عديدة من بينها:
-الضغط الأوروبي، حيث يخشى الأخير الخلاف الحاصل بين تركيا واليونان العضوين في حلف الناتو لذلك ويبذل قصارى جهده لمنع تصاعد التوترات في العلاقات بين الجانبين.
-انشغال تركيا على جبهات أخرى في المنطقة، بما في ذلك في شمال سوريا وفي المناطق الكردية الجنوبية الشرقية قد يقلّل من قدرة أنقرة على فتح جبهة جديدة قد تضعف جبهة أردوغان الداخلية خصوصاً بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرّض لها في 15 يوليو 2016.
اذاً هذه ليست المرة الأولى التي تهدد فيها أنقرة أثينا وكما ذكرنا سابقا في عام 1996 وصلت حدة التوترات إلى الحرب ولولا التدخل الأوروبي الأمريكي لكانت الحرب قد وقعت آن ذاك. لذلك، وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن حدوث هذا الصراع أمر غير محتمل حالياً.  ml 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here