نعيم عبد مهلهل
زبيدة ثروة ميخائيل، ابنة رجل مسيحي ولد في مدينة العمارة* عام 1908 بعدما أتى والده مهاجراً من تلكيف إحدى قرى نينوى قبل أن تتحول إلى ناحية ثم قضاء ليضمن نادي الموظفين في مدينة العمارة والذي كان قبل ذلك هو نادي استراحة مختلط لموظفي الإدارة البريطانية أيام الانتداب ومن ثم صار يجلس فيه ضباط الارتباط الانكليز وضباط حامية المدينة الذي كان عددهم 28 ضابطاً ثمان ضباط منهم من العراقيين ولكن أغلبهم من أهالي الموصل وبغداد، هم ملاك فوج العمارة الأول الذي أوكلت إليه مهمة مسك الحدود البرية والطويلة مع إيران من الشيب وحتى منطقة الطيب وجلات والى ناحية الشهابي
فيما بقيت الحدود الأخرى من المشرح إلى القرنة بدون حراسه كونها مناطق اهوار ومفتوحة على بعضها منذ الأزل.
أحب ميخائيل مدينة العمارة وأهلها وهو من أقنع الحاكم البريطاني في المدينة قبل أن تبدأ الإدارة المدينة العراقية في لواء العمارة أن يؤثث الكنيسية الكاثوليكية في المدينة ويعين لها حارساً وقساً من قساوسة الجيش البريطاني، وحين اشتروا مصاطب الصلوات وكرسي الاعتراف والسجاجيد التي كلفوا بها نساء ريفيات من أهل قرى قلعة صالح بنسجها على شكل بسط ملونة تحمل إيقونات، إرتعبت النساء النساجات في البداية،
ولكن ميخائيل أقنع أزواجهن أن هذه ليس سوى رسوماً جميلة ومن بعض صورها مذكورة في سورة مريم في القرآن الكريم، ولأنهن ريفيات ولم يسمعن بسورة مريم، تم الإتيان بقارئ جامع قلعة صالح وقرأ لهن الصورة وفسر آياتها لهن فقتنعن أن الصورة الكنائسية مذكورة في الآيات والكتاب فرضين نقشها على البسط الذي يسمى بلهجة الجنوب ( الايزار ) إضافة إلى ذلك الكنيسة تبرعت أيضاً بشراء عشرة بسط لجامع المدينة منسوجاً عليها صوراً لمكة المكرمة وصوراً لقباب أئمة واولياء وقبة ضريح النبي العزير الذي لا يبعد عن بيوتهن سوى عشرين ميلاً، وبهذا قبلت النساء إنجاز ما كلفن به مقابل ثمان ليرات هندية لكل بساط تدفع من قبل خزينة وزارة المستعمرات البريطانية وقد همّش السير برسي كوكس على الطلب والموافقة بنفسه.
في 1/ 7 / 1957.سمعت جميع بيوت مدينة العمارة قرع أجراس الكنيسة، وفي غير مواعيد القداس، فتبين لأهل مدينة العمارة أن حنا قد وافاه الأجل.
الذين كانوا يترنحون مع شذى الكؤوس التي كان يقدمها لهم وأغلبهم من المعلمين والموظفين والمثقفين هبوا إلى حضور قداس جنازته، فيما همهم المصلون مع أنفسهم قولهم: ليسامحه الله.
فأجابتهم لافتة النعي الصغيرة التي علقت على بوابة الكنيسة بتلك العبارة التي تبرع بخطها أحد معلمي اللغة العربية في ثانوية العمارة والتي تقول: طوبى للرحماء فأنهم يرحمون.وهي أول عبارة إنجيلية تكتب على جدران مدينة جنوبية.
بعد أربعة أعوام من موت ميخائيل قرر ولده الوحيد ثروت الهجرة من العمارة إلى بغداد، وقد تقاسم مطعماً ومشرباً على ضفاف دجلة من جهة الكرخ مع أيزيدي من أبناء سنجار، وقد تمنى عليه زملائه من المسيحيين السكن في كمب سارة أو البتاوين حيث جاء ليسكن بغداد منذ شهرين، لكنه قال: جيراننا بيت أبو عواد من أهالي العمارة، أعطاه الزعيم بيتاً في الثورة، وبنتي زبيدة أمس هي من قدمت الورود للزعيم في توزيع سندات الطابو، واليكم سبب أني سأسكن من الغد في مدينة الثورة إلى جانب جارنا العمارتلي، فحين رأى وردة الزعيم تعجب وسألها: أنت بغدادية لو عمارتلية.؟
ردت زبيدة: من العمارة
تسائل الزعيم وبتعجب: ولكن عيونك خضر.؟
قالت: أبوي مسيحي، ولكن مولود بالعمارة.
تذكر الزعيم جيداً أنه في إحدى فرضيات التدريب للواء الرابع عشر في العمارة حيث كان حاضراً بصفة مفتش قطعات، كان آمر حامية العمارة قد دعاه إلى ليلة عشاء في نادي الموظفين، ومن قدم لهم الطعام والشراب هو ثروت ميخائيل. ووقتها أعطاه الزعيم ربع دينار كبقشيش، وهو ما لم يعطه بقدره أي زبون من زبائن النادي.
فسألها الزعيم: وهل يعلم والدكِ أنك من سيقدم للزعيم باقة الورد.
قالت نعم، وقال لي ليت الزعيم يعرف أن الربع دينار الذي أهداه لي ذات ليلة لم يزل معي ولم أصرفه.
ضحك الزعيم: وبعد؟
قال لي لو اقتربت من الزعيم قولي له أن أبي يريد بيتاً مع أهل العمارة ليسكن قرب بيت جاره أبي عواد.
التفت الزعيم إلى مرافقه وقال: امنحوا والد هذه الطفلة الجميلة بيتاً في المدينة الثورة. لهذا ( قال ثروت لرفاقه في النادي ): سأعيش وعائلتي في مدينة
عاشت زبيدة كواحدة من أجمل تلميذات مدرسة الثورة الابتدائية، والغريب أن وجهها المدور بالرغم من طفوليته كان كثير الشبه بوجه الممثلة المصرية زبيدة ثروة التي كانت أيضا بعيون واسعة وخضر، ولهذا كان المعلمون يتفاءلون بوجه التلميذة زبيدة خصوصاً أولئك المغرمين بالأفلام الرومانسية المصرية، و كان عليها أن تخرج كل يوم في الاصطفاف الصباحي لتقرأ النشيد
يوم كبرت زبيدة ثروت ميخائيل أحست بذلك الشبه الذي بينها وبين الممثلة المصرية لهذا أدمنت على مشاهدة أفلامها وخصوصاً تلك التي مثلتها مع المطرب عبد الحليم حافظ حتى أنها تمنت أن تتزوج شاباً اسمه عبد الحليم وبمواصفاته حتى لو كان مسلما.
الأب أحس برغبة ابنته الجنونية فأبرق إلى ابن عمه توما الذي يعيش في تلكيف، بأن زبيدة كبرت وأصبحت في سن الزواج ولم يجد من يليق بها وتمنى عليه أن يخطبها لابنه ولكن بشرط أن يغير اسمه من نوح إلى عبد الحليم مادامت زبيدة لا تعرف أن لها ابن عم اسمه نوح.
نجحت الخطة، وأتى نوح باسمه الجديد وتزوج زبيدة وسكن معهما في مدينة الثورة، ومثل عمه ثروة ميخائيل أصبح عبد الحليم ( نوح )سابقا، محبوباً من قبل أهالي المدينة وكانوا يسمونه زوج ابنة الزعيم حيث اقترن هذا اللقب بزبيدة منذ أن قدمت الورد للزعيم وأهداها بيتاً في مدينة الثورة.
عام 1972 تمت دعوة عبد الحليم إلى الخدمة العسكرية، ونسب طباخاً لآمر الفوج الأول للواء 19 في قاطع خليفان والذي كان الزعيم عبد الكريم أمراً له
وذات يوم اشتهى آمر الفوج من طباخه أن يطبخ له ورق الخباز الطبيعي الذي كان ينمو في محيط ساتر مقر الفوج، فذهب نوح ليجمع أوراقه فترصده قناصٌ من البيشمركة ووضع الرصاصة في رأسه.
في ذلك اليوم شيعت مدينة الثورة جنديها المسيحي القتيل في حرب برزان، ومعهم مشت زبيدة تذرف دموعها الخضراء بنحيب لا يشبه عويل وبكاء نساء الجيران اللائي كن يرددن جملتهن الشهيرة خلف نعش عبد الحليم: طركاعه الفت برزان بيس بأهل العمارة.
وحين وصلوا إلى مقبرة المسيح في جانب الرصافة، وإثناء الدفن تفاجأت زبيدة بأن شاهدة قبر زوجها مكتوب عليها، هنا يرقد الجندي الشهيد نوح توما اليسوعي.
في البيت سألت أبيها عن سبب تغيير اسم زوجها وتسميته بنوح على شاهدة القبر.
روى الأب القصة لابنته، وبالرغم من أنها شعرت أن أبيها خدعها لكنها قالت مع نفسها كان زوجاً رائعاً.
بعد عام من موت نوح ( عبد الحليم ) رفضت زبيدة ثروة كل طلبات الزواج التي تقدمت إليها من أقاربها وأبناء أصدقاء أبيها، وقالت أنها تخاف أن تخدع بعبد الحليم آخر، فظلت مع ابنتها وردة مدمنة على مشاهدة أفلام الممثلة المصرية زبيدة ثروة.
في يوم 13 / 12 / 2016 كانت وردة ابنة زبيدة قد خرجت للتو من دائرة تسجيل طابو مدينة الثورة حيث تعمل موظفة وركبت سيارة الكيا عائدة إلى بيتها، وحين فتح السائق جهاز الراديو في سيارته، نقلت إحدى الإذاعات خبر وفاة الممثلة المصرية زبيدة ثروة عن 76عاما.
هرعت البنت حزينة لتخبر أمها، دخلت غرفتها لتنبئها بموت قرينتها، ولكنها صرخت مرعوبة حين تفاجأت وهي ترى والدتها جثة هامدة على السرير.
 
المشاركة

اترك تعليق