علي علي
    يبدو أن عراق مابعد عام 2003 يختلف تماما عن دول العالم وبلدانه وأممه، سواء أكانت من النامية ام الفقيرة ام المتقدمة!. وما ينحصر وجه الاختلاف في جانب واحد دون غيره، بل هو اختلاف جذري جوهري متأصل في جوانب كثيرة يأبى مغادرة العراق والعراقيين، ولاسيما حاكموه ومسؤولوه، على الرغم من تعدد الحكومات التي تعاقبت على حكمه، وتغير السياسات المتبعة في إدارته، وكذلك الشخوص الذين تبادلوا الأدوار في مسك زمام أموره، والتسلط في صنع القرار فيه.
   ومن أوجه الاختلاف تلك مايمكن حصره بين قوسين، ومنها مالايحدها قوسان او أربعة او مضاعفاتهما، وقد أكون موفقا إن ذكرت نزرا من هذه الاختلافات في السطور الآتية، فمنها:
– أن مسؤوليه ومتقلدي المناصب الرفيعة والحساسة فيه خطاؤون غير توابين.
– أنهم لايلدغون من جحر مرتين، بل مثنى وثلاث ورباع… والى الأبد.
– أن كلهم راعٍ.. إلا أنهم غير مسؤولين عن رعيتهم.
– أنهم ركعا لمصالحهم.. سجدا لمآربهم يبتغون ملء جيوبهم سحتا.
– ولعل أسوأ خصلة فيهم أنهم يرون الناس صنفين.. إما عدو لهم في الدين والمذهب.. او ند وضد لهم في الخلق.
   لذا نرى متبوئي المناصب العليا لايألون جهدا في إنزال الضرر بمرؤوسيهم بشكل او بآخر، وبوسيلة او بأخرى، وإن تعذرت السبل يزجون بهم في دوامة الاحتياجات اليومية في عيشهم، لاتبدأ بتردي الخدمات التحتية، ولا تقف عند ازدراء الحالة الأمنية، وكأن حربا قائمة بين المسؤول ورعيته، أو كأن عهدا قطعه المافوق بالنيل من المادون، وهذا ما نراه جليا في إهمال الجوانب التي تمس المواطن وحقوقه.
   مقابل هذا كله، هناك من جانب الرؤوس الحاكمة في البلاد، ردود أفعال تتسم بالتهديد والوعيد بالضرب بيد من حديد، والعزم على أخذ الثأر والاقتصاص من المقصرين والمفسدين والمتهاونين بحقوق المواطن. إذ ما أشرقت الشمس على العراقيين إلا تصدَّر نشرات الاخبار اليومية نبأ صدور عدد من مذكرات استقدام او استجواب بالجملة، بحق زيد تارة وعبيد تارة أخرى، بنية الوقوف على خرق قانوني، او الكشف عن سرقة أو تصرف إداري غير صحيح أو (طرگاعة من الطراگيع).
  كذلك من ردود الأفعال المخجلة هو قيام بعض النواب بحملات لجمع التواقيع، بغية سحب الثقة من مسؤول تسبب بضرر بالمال العام، أو آخر طال ضرره المواطن المسكين، أو ثالث ورابع وعاشر من الذين “يدخلون في بطونهم نارا”. وكأن الثقة مبلغ من المال او سلعة أودعت لذاك المسؤول، وبسحبها تكون المياه قد رجعت الى مجاريها.
  لكن الذي يحدث -وليس جديدا حدوثه- ان كل فرد من هؤلاء يحضر الى الاستجواب وكأنه ذاهب لمناقشة رسالة الماجستير و (بايگ الأسئلة) متأبطا لكل سؤال عشرات الاجوبة ومئات الأعذار والذرائع، مدعومة بالمستندات والوثائق والبراهين والشهود. وما يعينه على التملص والفكاك من شرك الاتهام، أن هناك لكل فقرة قانونية ضده ثغرتين قانونيتين محسوبتين ومدروستين، وقد تكونان موضوعتين عمدا تخرجانه كالشعرة من العجين من جرمه، واذا اشتد عليه الاتهام وقلت حيلته في اثبات براءته يكون الدستور ملاذآ آمنا له، فيستنبط منه مادة او فقرة تبيح له ما قد فعل، وتسبغ عليه ثوب البراءة والطهر والعفاف.
  وبذا ينجو صاحبنا من الحساب، وتضيع حقوق المواطن على أيدي الإثنين: المسؤول المستجوَب والنائب المستجوِب، بعد إسدال الستار على مسرحية الاستجواب بفصولها وعروضها، يخرج الجميع منها رابحا إلا المواطن، إذ نصيبه منها في جميع الأحوال خفا حنين، وليت خفي حنين يجديان معه نفعا.ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here