عبد الهادي البابي 
أكثر من ساعتين وأنا أنتظر في باب المستوصف القريب من بيتنا – من الساعة الثامنة وحتى العاشرة صباحاً- …والجماعة يأتون إلى الدوام مثل (ناكوط الحِب .. واحد يجي وره الثاني بربع ساعة )….فإذا جاء أبو التحاليل فأن موظفة التذاكر غير موجودة حتى الساعة التاسعة والنصف…وإذا جائت أم التذاكر ونذهب إليها لنقطع تذاكر تصرخ بوجوهنا بغضب : لم يأتي الطبيب بعد …وإذا جائت موظفة الصيدلية لم يأت المضمد المسؤول عن زرق الأبر والتضميد ..والذي لم يأت إطلاقاً للمستوصف ذلك اليوم .. حيث ذهبت – وأنا أجّر نفسي جراً – الى المضمد أبي إسماعيل قرب سوق حي الحر الشارع العام وزرقني ثلاث إنبولات واحدة بعد الأخرى لإن كان عندي إلتهاب قوي في صدري والقصبات الهوائية بسبب العلاج الخاص بإمعائي حيث كنت أشعر لحظتها أن هناك حرقة ونارتستعر في رئتي .!! ..
لقد ذهبت إلى إيران لغرض العلاج – مضطراً – ولبثت هناك أكثر من شهر ..حيث رأيت أن جميع المستوصفات والعيادات الشعبية تبدأ الدوام الساعة السابعة صباحاً (السابعة والنصف في توقيت بغداد) ..الكل حاضر ومتهيء قبل الدوام بنصف ساعة ..ولم أسمع من طبيب أو صيدلية أو موظف قال لمريض إيراني وغير إيراني :(جيب الدواء من بره ) ..! هناك يحترمون الدوام ويعتبرونه جزأ من حياتهم ونمط عيشهم وأخلاقهم وإنتمائهم لبلدهم وإحترامهم لشعبهم ..!
وعندنا هنا في العراق ..الكل متخلف عن الدوام ..الكل لايحترم الدوام …هي فوضى تضرب أطنابها في مؤسساتنا الصحية وغير الصحية (ولاوجود لإي عقاب أو محاسبة على هذا التسيب وعدم إحترام الدوام في العراق …ثم نحن نعاقب من ياترى ..وهل نستطيع أن نحاسب أو نعاقب أو حتى نعاتب أحداً من هؤلاء !؟
والمصيبة …أن أغلب الموظفين في هذا المستوصف هم من (الإسلاميين) حيث أستولوا عليه في عام 2006 وعينّوا كل جماعتهم حصراً ..فالشرطي (صدري) .وأم التذاكر من (حزب الفضيلة) والبواب من جماعة ( حزب الدعوة ) والفراش من (جماعة بدر) ..وأهل الأضابير (صدريون بإمتياز) والأطباء فيه كلهم ينتمون لإحزاب إسلامية معروفة….
وأصبح المستوصف محمية للتيارات والأحزاب الإسلامية التي لايستطيع أن يدنوا أويقترب منهم أحد …ولايحاسبهم أحد … كما هو حال بقية دوائر الدولة عند الأحزاب والتيارات الإسلامية التي حكمت العراق بعد 2003 وأصبحت تلك الدوائر والوزارات محميات ومناطق نفوذ وربح خاصة باتلك الأحزاب والكتل الإسلامية ..وهذه السنوات هي أسوء فترة إدارية لمؤسساته الحكومية مّر بها العراق طوال تاريخه المعاصر .!!
لماذا هذا التسيب..لماذا هذه الفوضى المخجلة والمعيبة !!؟ ثم ماقصة الدواء المفقود في كل المستوصفات الشعبية وحتى في المستشفيات الحكومية الكبيرة ..وحتى الطبيب إعتاد أن يكتب للمراجع المريض الفقيرالذي لايملك في جيبه سوى (ألف دينار) راجيته ثانية ويقول له : (إذا مالكيته بالصيدلية مال المستشفى روح جيبه من صيدليات بره ) ..!!
لماذا لاتخافون الله ….!؟ يعني أكثر من خمسين موظفاً في مستوصف واحد لايلتزم منكم بالدوام سوى عدد قليل فقط ..أليس كان ثلاثة أرباعكم ماعدكم (كحف مال دراجة هوائية) في بيته ..واليوم عندكم السيارات والجسكارات والبيوت الفخمة والسلف والرواتب بالملايين تستلمونها منذ 14عاماً جارية ومستمرة وأقل راتب فوق المليون ..وكل دوامكم ليس أكثر من أربع ساعات ..! على الأقل أعطوا حق الله ..أعطوا حق العباد ..أعطوا حق الرواتب اللي تستلمونها ..وتذكروا أن هناك آلاف بل ملايين من العراقيين عطّالين بطّالين دون رواتب ودون وظائف يبحثون عن عمل أو وظيفة بإي راتب كان فلايجدون الى ذلك سبيلاً…..
وأنتم موظون محترمون ومرتاحون وتستلمون الملايين بكل راحة منذ أكثر من 14سنة ولاتعطون حق الراتب والوظيفة ..على الأقل أنطوا حق المواطن العراقي الذي حطمتموه وأهنتموه وتسحقون به كل يوم !!
..البعض يلومنا لإننا ذهبنا للخارج لمتابعة علاجنا هناك رغم كلفته العالية ومشقة السفر وضعف الحال وقلّة المال وذلة السؤال ..ولكن ماذا نفعل ياترى ..هل ننتظر حتى نموت بين مستوصفاتكم الفاشلة ومستشفياتكم المعطلة وعيادات الأطباء التي لاتغني ولاتسمن من جوع ….وهل بقي عندنا غير هذا العمر البالي الذي مزقته النوائب وسحقته المصائب لنحافظ على بقيته ..إن كان قد ظل فيه بقية ..!؟

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here