زهراء السهلاني
 
   انتبهت وردة كالبرعم الغضّ في روضة الزهراء عليها السلام من نومها، تقول بصوت البراءة، و دمعها يجري من بين أهدابها دماً، عمّتاه.. أين أبي الذي كان يضّمني و يمسح وجهي و رأسي بيديه، ثم غاب عنّي فجأة، و تركني دامية القلب و العين؟
 أحاطت النسوة الحجازيّات بالطفلة الباكية فلم يملكن أنفسهّن من البكاء في هذه الخربة و مع هذا الجور، وانتبه يزيد الملعون من نومه على صراخهنّ و نياحهنّ، و سأل: ما هذا النواح و ما سببه؟ فقيل: أهل بيت النبيّ يبكون، لأن طفلة رأت أباها الساعة في نومها، و هي تطلبه الآن من عمّتها.
 قال الطريد من رحمة الله: الحلّ سهل، و عندي العلاج، خذوا إليها رأس أبيها، و هاكِ الطست و الرأس فيه، فضعوه أمامها، فأتوا يحملون الرأس مغطّى و قدّموه لها.
قالت الطفلة: أريد أبي، فماذا بهذا الطست تحت المنديل؟ قيل: في الطست ما تطلبين، فانظري إليه عسى ترضين!!
رفعت الغطاء عن الرأس فكادت روحها تنسل لهول ما رأت، و ضمّت الرأس إلى صدرها و هي تقول:
يا أبه، من فعل بك هذا؟ لقد تقاطرت علينا المحن بعدك، وسِير بنا في الفيافي و القفار، و الكلّ في الكوفة و الشام يقولون: إنّهم على الإسلام خارجون!.
يا أبه لم نلق بعدك إلّا ضرب السياط، و وخز الأسنّة، لقد جابوا برأسك هذا كل مكان، فمن ذا الذي قطع وريدك و فصل رأسك عن الجسد؟.
يا أبه، لقد أيتموني و أنا طفلة، فمن لليتيمة بعدك يا أبه؟! و جعلوني أسيرة، و في الأغلال وضعوني، و منك حرموني. قالت هذا و ضمّت رأس أبيها، و سكنت حركتها و هي تضمّه، ثم سمت روحها إلى جنان الخلد، واتخذت لها عشاً في حضن البتول. و لّما رأى النسوة هذا الحال، و كيف حلقت دون جناح، قمن عليها نادبات باكيات، و عادت إليهنّ هذه الواقعة ملامح واقعة كربلاء من جديد. حلمٌ و انطوى و أجهش التاريخ و ظلّت مأساتها تنعاها أبد الدهر…ml 
المشاركة

اترك تعليق