كنوز ميديا/متابعة …

في جنوب العراق، حيث البرك المائية الكبيرة المعروفة بأسم “الأهوار”، يوجه فراس فاضل زورقه عبر انفاق القصب الشاهقة والقرى العائمة وجاموس الماء شبه المغمور تحته، بمنطقة فريدة من نوعها التي يبدو العالم بعيداً عنها. 

 نهضت الاهوار من جديد، وهي بقايا خصبة لمهد حضارة قديمة، نهضتها جاءت بعد سقوط نظام صدام حسين الذي جففها وهو يلاحق مناهضيه الشيعة. ولكن الآن عادت المياه لهذه المساحات، مشكلةً بركاً مائية رطبة. أهوار العراق وبعد انضمامها الى اليونسكو كمحمية طبيعية، تعاني مرة اخرى من الخطر وسوء الادارة الحكومية والمشاريع. 

فاضل، 26 عاماً، أصغر من ان يتذكر ما جلّ بالأهوار من اهوال في ظل نظام صدام حسين، لكنه شاهد على انخفاض مستوى المياه بتلك البرك والمسطحات المائية بالسنوات الاخيرة، وهو يكافح من اجل كسب العيش من خلال صيد الاسماك في مياه مالحة. السدود الكهربائية ومشاريع الري ادتا الى الحد من تدفق المياه العذبة، مما سمح للمياه المالحة من الخليج الفارسي بالتسرب. 

يؤكد فاضل أن الوضع هنا جيد جداً، لكن المياه سيئة، فمنذ عام 2012، لم يكن الماء عذباً. 

استنزفت الزراعة وجريان مياه المجاري ومخزونات الصيد، الكثير من المياه، مما اضطر بعض الصياديين الى الجوء لبطاريات السيارات والمواد الكيمياوية لاستخراج السمك، فيما تضيء بالجانب الآخر، مشاعل آبار النفط بمنطقة غارقة بالفقر المدقع.

وفي ظل مواجهة الافتقار وانعدام فرص العمل، حمل مئات الشبان من المنطقة السلاح في معركة ضد تنظيم داعش، منضمين لفصائل الحشد الشعبي التي تعمل تحت مظلة الدولة العراقية، ملصقاتهم مما فقدوا حياتهم، تملأ الشوارع العامة ودوائر المرور، فضلاً عن بضعة تماثيل ممن قتلوا على يد صدام حسين قبل جيل كامل من الآن. 

وظهرت هذه المنطقة الشيعية الساحقة ضد حكومة صدام، في عام 1991، إثر هزيمته في حرب الخليج، فأستولى المناهضون لصدام حسين على الاهوار وهم يقاتلون قواته. وقد ردت الحكومة على هذه الاعمال العسكرية، بتجفيف اكثر من 20 الف كيلومتر مربع من الاراضي والمسطحات المائية مما ادى الى تحولها منطقة صحراء مع تهجير نصف مليون شخص آنذاك.

ووصف أندرو ويتلي، الباحث السابق في هيومن رايتس ووتش، الذي قابل النازحين في تلك الفترة، أن تجفيف الاهوار يعد “جريمة واسعة النطاق ضد الأنسانية”. 

ويتحدث العراقيون الذين عاشوا في تلك الحقبة عن الجنة المفقودة، فيقول فاضل درويش 84 عاماً، الذي نزح في التسعينات وعاد لمنطقته في عام 2003 “كانت الاهوار، منطقة خارج سيطرة صدام، وكانت مواردها نعمة عظيمة لاهلها”. الأهوار التي تحتوي على ثروة هائلة من الاسماك والجاموس، تعدّ كنزاً نادراً للعراق.

Image result for marshes IRAQ

وبعد غزو العراق بقيادة صدام عام 2003، قام السكان بتفكيك السدود المحلية، مما سمح لهم بالعودة لمناطقهم مع النباتات والحيوانات التي اعتمد عليها السكان بشكل كبير، وقد اشيد بتنشيط الاراضي الرطبة بأعتبارها قصة نجاح نادرة في بلد يعاني من الصراعات. ومع ذلك، فان المسطحات المائية لسيت سوى 14 في المائة مما كانت عليه في سبعينات القرن الماضي. 

وقد ادى هذا التطور على طول نهري دجلة والفرات وخاصة بناء ما يسمى بالسدود الضخمة في إطار مشروع جنوب شرق الاناضول، الى انخفاض بنسبة 40 – 45 في المائة من تدفق المصب في نهر الفرات، وفقاً لتقرير عام 2015 من بيت شاثام.

وصارت الاهوار محميةً طبيعية في موقع اليونسكو للثراث العالمي في عام 2016، وكان هناك حديث عن استغلالها كمكان سياحي لتنعم هذه المدينة بهدوء امني الى حد كبير. 

الحكومة المركزية، بدت ضعيفة ومهملة لهذه المنطقة منذ فترة طويلة، ويشكو السكان هناك من نقص الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى. ويعيش حوالي 6000 شخص في الاهوار ببيوت على شكل اكواخ وحشائش من القش، ويعتمدون على صيد الأسماك وتربية جاموس المياه، مستخدمين في تنقلاتهم ايضاً، القوارب الخشبية. 

ولاتزال الطيور المهاجرة مثل النسور والغاق والبجع، تزور الأهوار في رحلاتها الموسمية. وقال ريتشارد بورتر الباحث عن الاهوار إن “فقدان الاراضي والمسطحات المائية ستكون ضربة كبيرة للعراق في حال فقدانها”.


المصدر: الاسوشيتد برس

 

المشاركة

اترك تعليق