كتب/ د. علي السعدي    
أكثر من وجهة كان يمكن ان تتخذها السعودية في مراحل لاحقة من التطورات السياسية في العراق، لكن البداية كانت توتراً عبّر عن نفسه بالكثير من جوانب الموقف السعودي، ولم يكن ذلك جديداً أو مستغرباً بحد ذاته، لكن الجديد فيه هو الشعور المتزايد بالعزلة الذي بات يقلق السعوديين، خاصة بعد الإنفتاح العربي والعالمي على العراق والمؤشرات على نهوض سيجعله مركز استقطاب ـ سياسياً واقتصادياً واعلامياً ـ.
كانت لذلك مقومات تمثلها طبيعة المجتمع العراقي غير المتعصبة والقادرة على التفاعل مع متطلبات الحداثة، مع ثبات تجربته الديمقراطية ونتائجها التي دفعت بالقوى الوطنية الى الواجهة، وقدرة العراق على سحب القاعدة الإجتماعية من منظمات الإرهاب ـ على عكس المجتمع السعودي المتشدد والمنغلق على ذاته ـ.
لكن ذلك كان الوجه الأول من العملة السعودية الذي بدا أكثر ظهوراً، على انه لايمنع من رؤية أخرى يمكن ان يحتملها التطوراللاحق للوقائع العراقية ،وقديستوجب إعادة نظر سعودية شاملة تحتمّها المصالح اولاً، لكنها تبقى مرفقة بسؤال مرتفع الوتيرة، هل السعودية قادرة على التحول في مواقفها تجاه العراق؟
(المطبخ الإستراتيجي) في السياسية السعودية، يضمّ عدداً من الرموز المنفتحة على مايجري في العالم، وهي ذاتها التي إستطاعت الإمساك بعصب الإعلام والإقتصاد وقد خططت لشراء عدد كبير من المزارع النموذجية في مختلف البلدان الآسيوية والأفريقية ـ تركيا ـ السودان ـ تنزانيا ـ نيجيريا ـ وسواها، كي تكون من ثم مصدر غذاء للمنطقة، وتنوع في الوقت عينه من مصادر الدخل ربما استعداداً لنفاد البترول، كذلك التوسع في نفوذها السياسي بطريقة تبادل المنفعة، وتلك هي سياسية المستقبل ان شئنا الدقّة.
لاشك ان تخطيطاً إستراتيجياً يسعى الى الإمساك بعصب الحياة (الغذاء) وعصب الإقتصاد (المال) وعصب الثقافة (الإعلام) وعصب الحركة (البترول) سوف يسعى كذلك الى إطفاء نقاط التوتر وتجنب الدخول في عداوات شديدة يمكن ان تعرقل ـ وإن بنسبة ما ـ تلك الإندفاعة، فرأس المال بحاجة الى مناطق آمنة كي يزدهر، والشعوب الجائعة تبحث عن غذاء أيّا يكن مصدره، وبإستثناء البلدان التي تعتمد تصدير الأسلحة لإنعاش موازناتها، فالسعودية ليس فيها مصانع للسلاح كي تشعر بحاجتها الى تأجيج الصراعات ـ الا في حدود دنيا واضطرار محدود في وقته ومكانه ـ وهي في المشهد العام تبدو كحامل العصا في الفرق الموسيقية العسكرية، يمسكها تارة من الوسط وطوراً من أحد الاطراف، يرفعها أو يخفضها يلفّها بحركة دائرية أو الى الأمام أوالخلف، حسبما يقتضيه اللحن، لكن العصا في كل حال تبقى بيده والفرقة من خلفه تؤدي عزفها.
لايعني هذا أن السعودية ستتخلى عن رهابها المذهبي وخشيتها من التمدّد الشيعي، فذلك لن يجري عليه تغيير بأية حال، لكن البراغماتية تنطلق من القاعدة الذهبية في السياسية (لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة بل مصالح دائمة) وبالتالي فهذه القاعدة هي التي ستقود السعودية الى ضرورة التعايش مع ما حدث في العراق على علاتّه، شرط حصر مخاطره في حدود العراق وضمان عدم إنتقال (العدوى) الى مناطق أخرى قد تؤثرعلى المصالح السعودية ـ بمستوييها المادي أو المعنوي.ml 
المشاركة

اترك تعليق