(من وحي مهرجان الخطابة والشعر العربي في النجف الاشرف)
لا يمكن لأي بلد أن يتقدم خطوة واحدة الى الامام من غير أن تترسخ الثقافة (الفكر والشعر والخطابة) في بنية مجتمعه، ومن دون أن يكون للفن (مسرحا موسيقى وتشكيل) دورا في هذا التقدم. وإذا نظرت الى بعض الشعوب فستجدها قد أبدعت في إحدى المجالات العلمية او الأدبية وكانت عنوانا لها. والعراقيون كانوا سباقين في رسم خريطة العرب الشعرية والأدبية، وكذلك التألق العراقي الموسيقي يشهد له في التأسيس والاستمرار، ناهيك عن الابداع في الفن التشكيلي الذي غدا عالميا وبامتياز. تقوم الحضارة على الثقافة ولولاها تنهار المجتمعات.
ولا يغيب عن الذهن أن ترميم الجسد الثقافي الذي انهكته الحروب والتخطيط المتأني والدعم المناسب هو العامل الأساس في انشاء جيل جديد ينشر الوعي ويضيء للأجيال القادمة. والنشاط المدرسي بدوره التربوي والفني لا غنى عنه في هذا الإطار.
لكن ما يلاحظ أن ثمة خللا جوهريا أو أن ثمة مخططا معينا في تحجيم دور النشاط المدرسي ومحاولة عرقلة عمله بذرائع وحجج شتى: الضائقة المالية هي العنوان الأبرز في ذلك. ويبدو أن من يسعى الى وضع العصا في عجلة النشاط المدرسي لا يعي أهمية دوره في بناء المجتمع أو أنه يسعى الى تخريب الوعي عن عمد. إن التقاعس عن دعم الثقافة سيذكره التاريخ كنقطة سوادء في تاريخ من سعوا اليه. فخير داعم لبناء المجتمع وحمايته من الانحراف هو الاهتمام بالثقافة والفنون. فالنشاط الادبي مثلا يعزز المقدرة اللغوية من جهة، والشجاعة الأدبية من جهة، ناهيك عن تحفيز أصحاب المواهب على ممارسة مواهبهم وتطويرها من جهة ثالثة، وتساهم الأنشطة اللاصفية في التثقيف بينما يؤدي اهمالها الى التجهيل، ويرعى النشاط المدرسي المواهب كما ترعى النبتة والمهرجانات هي الماء الذي تموت النبتة لولاها، وكل ذلك يؤدي الى تطوير الإنتاج الفكري على المدى البعيد.
في بقاع الأرض المتقدمة يجنسون الموهوبين، ويقدمون لهم كل التسهيلات الممكنة كي يبرزوا مواهبهم؛ أما في العراق فإن البعض (ولأسباب خفية) يحارب متنفس الابداع الوحيد للطلبة والتلاميذ، ويحاول الغاء الأنشطة المدرسية ومهرجانات وزارة التربية التي أصبحت رقما صعبا في الثقافة العراقية.
قبل سنوات كانت مهرجانات وزارة التربية (مهرجانات المسرح كافة، ومهرجانات الموسيقى والاوبريت، ومسابقات الخطابة والشعر، ومهرجان القرآن الكريم) تستقطب أهم الأسماء الإبداعية العراقية وتستكشف المواهب الجديدة حتى أضحت ظاهرة ثقافية يشار اليها بالبنان. أما في الوقت الحاضر؛ فالنشاط المدرسي محارب ويعاني اشد العناء من اجل ان يقيم مهرجانا بسيطا للخطابة والشعر مثلا، ويتم تأجيل المهرجانات والغاؤها، ولا ينفذ من الخطة الوزارية إلا نصفها، وبذلك يغلق المتنفس الاخير امام الطلاب والتلاميذ للتعبير عن انفسهم ورؤاهم ومواهبهم.
بالضد من ذلك، يحاول النبلاء في النشاط المدرسي أن يقاوموا هذه الهجمة الشرسة، ويقيموا مهرجانات محلية (شعبة النشاط المدرسي في ذي قار مثلا) ومن غير أي تخصيصات مالية، بل على حسابهم الخاص، لكي يستمر نهر الابداع بالتدفق ولكي يساند النشاط اللاصفي العملية التربوية، فكلاهما وجهان لعملة واحدة.
والامر الذي يدعو إلى التفاؤل ما لاحظناه في المهرجان الوزاري للخطابة والشعر العربي الذي أقامه النشاط المدرسي – وزارة التربية في النجف الاشرف للمدة من 19-23/10/2017 والذي شهدنا فيه ظواهر هي مدعاة للفخر سواء من قسم النشاط المدرسي في الوزارة او شعب النشاط المدرسي في المحافظات:
حضر عدد من الوفود بلا ايفاد، ولم تكلف ميزانية الدولة (فلسا) واحدا.
تكفل بعض المشرفين مصروفات طلابهم من جيبهم الخاص.
قلصت بعض المديريات عدد الموفدين من مشرفين وطالبات الى الحد الأدنى.
حضر الممثل الوزاري –مدير النشاط بلا ايفاد وللمرة الثالثة.
نشد على أيدي كل جهد نبيل من اجل عراق الثقافة والابداع، وبورك السعي الصادق من كوادر النشاط المدرسي (الأستاذ حسن الشويلي والأستاذ ميثم)، ونتمنى من وزارة التربية أن تدعم الأنشطة اللاصفية والمهرجانات الوزارية في انشاء ثقافة القلم والفكر لا ثقافة القتل والإرهاب، من أجل أن لا نؤد الموهبة في نفوس أبنائنا؛ فالشعب الذي تغيب عنه الثقافة، يغلق المستقبل في وجهه الأبواب.ml

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here