كنوز ميديا – اعتبر الصحفي والناشط اللبناني مروان الراعي أحد مؤسسي “لجنة رفقاء وأصدقاء حبيب الشرتوني” أن حبيب الشرتوني حرر القرار اللبناني وأعاد ديمقراطية كان الجميع بحاجة اليها وأنقذ لبنان و المنطقة بأسرها من الغرق في مستنقع الإرتهان للقرار الإسرائيلي.

ديانا محمود: على عكس ما يبدو  فإن ملف حبيب الشرتوني ومحاكمته لا يخص الداخل اللبناني فقط فمن يلقي النظر على خبايا الأحداث المتعاقبة خلال العقود الخمسة الأخيرة في لبنان يدرك أن ما يحدث في الداخل اللبناني يحمل انعكاسات اقليمية، الشاب العشريني الذي اتخذ قراراً شجاعاً رأى فيه مصلحة بلاده في لحظات حرب أهلية حمل أعباء هذا القرار، غير نادمٍ، عمراً من الزمن خسر فيها عائلته وعاش السجن والتهجير وأخيراً أصبح بطلاً في نهاية الخمسينيات أشعل حكم إعدامه خلافاً حاداً في ساحات بلاده.

يشكل حبيب الشرتوني انقساما حقيقيا في لبنان وسوريا وفلسطين فأما أن تكون مقاوم وتحمل أعباء كل هذا القرار وأما أن تكون مستسلم وتمد يدك للعدو الصهيوني الذي اقتحم أرض المنطقة وفكرها وقيادتها، وكما يعتقد حبيب الشرتوني ورفاقه فإن الحياة كلها وقفة عز، اختارها ودافع عنها.

عن هذه الوقفة وأبعادها أجرت مراسلة وكالة مهر للأنباء لقاءاً مع الصحفي والناشط اللبناني مروان الراعي أحد مؤسسي “لجنة رفقاء وأصدقاء حبيب الشرتوني” التي تحمل لواء الدفاع عن الشرتوني وأدانت في عدة نشاطات لها محاكمته من قبل القضاء اللبناني كان آخرها اعتصامهم أمام المجلس العدلي اللبناني يوم صدور الحكم.

س: ما هي الاسباب التي دفعت “حبيب الشرتوني” لقتل “بشير الجميّل”؟

قبل الإجابة على هذا السؤال ولتوخّي الدقّة و المصداقية، فلنستعيض عن كلمة “قتل” بكلمة “إعدام” حيث أنها بحدّ ذاتها كافية للإجابة. ما دفع حبيب الشرتوني هو من جهة دور بشير الجميّل الفاعل في الحرب التي بدأت عام 1975 وأدّت إلى اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 وتنصيبه بالقوة رئيساً للجمهوريّة الّلبنانية، و من جهة ثانية فلقد نفّذ حبيب الشرتوني ما كان يعتقد به قيم قومية وضرورات وطنية في صراع الوجود وكان الشرتوني واضحاً في حقيقة ما فعله أثناء التحقيق معه قائلاً: “أنا حبيب الشرتوني أقرّ وأنا بكامل أهليتي القانونية بأنني نفّذتُ حكمَ الشعب بحق الخائن بشير الجميّل وأنا لستُ نادماً على ذلك، بل على العكس إذا أتى مرة أخرى فسوف أقتله وستصحّ مقولة لكل خائن حبيب، وأبشرّكم أن هناك ألف ألف حبيب لكلّ خائن عميل في بلادي.”
وأنقل هنا بعض مما قاله الشرتوني في مقال له من سنوات قال فيها: (فإذا قلتُ هذه العبارات منذ ثلاثين عاماً، وكلّي قناعة بأن ما فعلته، فعلته باسم الشعب اللبناني الذي يُفترض أن يكون لديه وعيٌ وكرامة وطنية وإلمامٌ ولو طفيف في قوانينه، ومعيارٌ يسمحُ له بالتمييز بين الخطأ والصواب وبين الوطني والخائن وبين الوفيّ والعميل وبين مصالحه العليا ومصالح عدوّه، على غرار بقيّة الشعوب المتحضِّرة والحيَّة.وإذا أصررتُ على القاضي إصراراً لا تراجع فيه، استمرّ لدقائق حتى وافق على تدوين كلامي فيما امتنع قبل ذلك.

فكيف يراهن البعض وبكلّ جبنٍ وغباءٍ واستخفاف على الذاكرة الضعيفة وعلى قلب المعايير والموازين، وعلى نسيان المشهد الذي احتلّ خشبة المسرح بين 1975 و 1982  وما سبقَ ولحقَ بتلك السنوات من مآسٍ وكوارث وحجم الدمار وتعداد الضحايا؟!
كيف يمكن لهؤلاء أن يقرّوا برئيسٍ من هذا الطراز فوق رؤوسهم ورؤوسِ أجيالهم ورؤوس عزّتهم الشخصية والعائلية والوطنية المنحرفة والطائفية؟!
وإلاّ فما هو الحدُّ الفاصل بين حقوق الناس وحقوق الدولة؟
وما هو الضابطُ لحركة المجتمع ولتنفيذ القانون؟
وما هي الأصول المُتّبعة في أية دولة حول العالم حتى لا تسودها شريعةُ الغاب؟
إذا لم يكن الدستورُ المعتمدُ والذي قامت على أساسه الجمهورية، ولم تكن القوانين المُشرّعة والمتّفق عليها والمعمول بقسطٍ منها، ولم تكن معها وعلى ضوئها الاتفاقيات والمؤتمرات والمواثيق، جميعها هي المقرّر والمسيّر للشأن العام كما الخاص، فعلى أي أساسٍ سيُبنى أيّ اتفاق وتُبنى المؤسسات العامة والخاصة وتُبنى الثقة الضرورية بين مكونات المجتمع وتُسيَّر أمور الناس؟)

س: لماذا يطلق على عملية حبيب الشرتوني اسم “حكم الشعب” ؟

يُطلَق على العمليّة هذا الإسم أو التعريف لأن من المتعارف عليه بين قوانين الدول و تشريعاتها جواز لا بل وجوب الدفاع عن البلاد في حال تعرّضها للأخطار المحدقة بها في غياب قدرة الدولة على القيام بواجباتها بسبب الإحتلال، ولأن مواد القانون في لبنان تحاكم المتعاملين مع العدو لفوز قواتهم بالإعدام.

وهنالك مواد عدّة في القانون اللبناني التي تحكم بالإعدام على الخائن، المتعامل مع العدو أبرزها المادة 273،المادة 274، المادة 275، المادة 276، المادة 277 و المادة 278 ،

وإستناداً للدستور اللبناني و انطلاقاً من مواد القانون و في غياب سلطة الدولة اللبنانية في تلك الفترة الزمنية و اجتياح العدو الإسرائيلي للعاصمة بيروت و حصارها و إذلال شعبها وقتله وتجويعه وقطع كل موارد الحياة عنه، لم يبقَ من إرادة تنقذ الوطن و المواطنين إلا مبادرة فردية يقوم بها من يتحلّى فعلياً بروح البطولة، فتجسّدت هذه الإرادة بشخص البطل حبيب الشرتوني الذي أخذ على عاتقه إنقاذ شعبٍ و وطنٍ و أمة وحماية الكرامة الوطنية من الذل و المهانة.

س:  كيف كان مستقبل لبنان لو لم يقتل بشير الجميل؟

ما فعله حبيب الشرتوني منذ 35 عاماً حرر القرار اللبناني وأعاد ديمقراطية محددة كان الجميع بحاجة اليها، لقد أنقذ لبنان والمنطقة بأسرها من الغرق في مستنقع الإرتهان للقرار الإسرائيلي، فلولا هذا الفعل لبقيَ بشير معتلياً سدّة الرئاسة و لكان تحوّل لبنان إلى حليفٍ لإسرائيل و معاد لمحيطه القومي والعربي وكان استُكمِلَ إجتياح بقيّة شمال وبقاع لبنان، و نفّذ الجميّل وعوده ومخططاته التي أعلنها، ومنها توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل وطرد الجيش السوري والمقاومة الفلسطينية من لبنان وحتى طرد الّلاجئين الفلسطينيين، حيث أن أتباع المدرسة الإنعزالية في لبنان – التي تدعو بشكلٍ أو آخر أي تحت مختلف الحجج والذرائع وبمختلف الوسائل وبظلّ الظروف مهما تنوّعت- لعدم الإندماج مع مكوّنات المجتمع اللبناني وعدم الإندماج بالتالي مع محيط لبنان القومي والطبيعي في المستقبل،

ومهما تملّقت وكذبت وناورت في دعواتها وخطاباتها ومواقفها – توازي بتطرُّفها المسيحي المدرسة السلفية التكفيرية في الإسلام، التي تسعى لإعادة المسلمين إلى مرحلة نشرِ الدين وإنشاء الدولة الإسلامية، ليحيوا بظلّ نظامٍ ذي مواصفات وشروط منحرفة حالياً عن الأساس الذي قام عليه الدين وقامت عليه دولة الخلافة، وبعيد بالتالي كل البعد عن المسار التاريخي الذي تجاوز بألفٍ وأربعمئة عام تلك الحقبة. 

س: ما هي أسباب عودة الملف حالياً إلى الساحة اللبنانية بعد مضي 35 سنة؟

سبب عودة الملف كامن في رغبة بعض المسؤوليين الحاليين في لبنان بمحاكمة حبيب الشرتوني لأنه شارك ولزمنٍ مديد آل الجميّل سياستهم وتحالف معهم و أراد بذلك تقديم خدمة لهم بحجة إقفال كل الملفات العالقة منذ زمن في القضاء، دون أن يأخذ القضاء المسيّس والموجّه بهذا الحال بالإعتبارات القانونية بحيث وقعت مغالطات وأخطاء كثيرة في هذا الملف، يحاول البعض استغلاله الآن عشية لمكاسب انتخابية.

س: لماذا لا تتم محاكمة سمير جعجع بمجزة اهدن بالمقابل مع محاكمة الشرتوني؟

بخصوص المقارنة أو مطالبة القضاء بمساواة العملة البطولية مع مجازر الحرب العبثية فهذا أمر غير مقبول فلا يمكننا أن نساوي بين أمراء الحرب وبين منقذي لبنان من الاحتلال، وسمير جعجع لم يرتكب فقط مجزرة إهدن بل قام بمجازر و جرائم عدّة والموضوع  ليس قانونياً بالأساس حتى تتم المحاكمات بشكلٍ عادل ، إنما الموضوع سياسيًّ بحت، وليس السؤال لماذا لا تتم محاكمة سمير جعجع هو السؤال المطروح أساساً في كنف دولة تنتهج نظاماً يكرّس التفرقة الطائفيه بين النسيج الإجتماعي الواحد و تسمح لمجرم مثل جعجع أن يكون من بين الأسماء التي كانت مطروحة رسمياً لرئاسة الجمهورية، و نراه يُستَقبل إستقبال الفاتحين في المحافل الدولية و يطلق تصريحات لا تخلو من الوقاحة و التبجح

والإستفزاز لا بل و نصّب نفسه ممّن يقيّمون أداء القضاء اللبناني حيث أنه قد شكر ميشيل عون و القضاء اللبناني لحكمه بالإعدام على البطل حبيب الشرتوني معتبرا انه وجماعته من يصدر القوانين والاحكام.

 هل من الممكن أن يتطور دعم الناشطين المدافعين عن حبيب الشرتوني إلى مرحلة أخرى؟

في الواقع لقد كانت خيبة الأمل قوية لحظة صدور الحكم، بالرغم من أننا لم نكن نتوقع العكس و لكن ربما كنا بانتظار صحوة ضمير عجائبية للقيّمين على القضاء اللبناني و كنا نراهن على استيقاظ الضمير الوطني و الوعي القومي، و لكن وقع الصدمة مؤلم في نفوسنا ونحن نعتبر أن القبول بمحاكمة بطل مثل حبيب الشرتوني وإصدار حكم إعدام بحقّه هو أول خطوة رسميّة للتطبيع مع العدو الإسرائيلي ولذلك كل شيء جائز ووارد لأننا لن نسكت عن ظلمٍ وقع على رمز مقاومٍ كبير كالأمين حبيب الشرتوني، ولكنّنا نعمل وفق إمكاناتنا، ولذلك نعد كرفقاء وأصدقاء حبيب الشرتوني جميع القوميين والمقاومين بأننا سنناضل ضد وصمة العار التي تترجمت بحكم الاعدام على من حارب المشروع الصهيوني حتى الرمق الأخير، وسنجعل أعداء المقاومة يندمون على الساعة التي فتحوا فيها هذا الملف وسيسوا القضاء، وكلنا ثقة بالرأي العام اللبناني الذي لن يهادن في مسألة بهذا الحجم.

انني أثقْ بشيءٍ واحد أن حبيب الشرتوني مقاوم حتى تقومَ الدولة ويقوم المجتمعُ وتنتصر الأمة، وحتى ذاك الحين ليس من سبيل أمامه غير هذا الموقف أو الذلّ والموت.” ،”وليعرف انه من شعبٍ ذكيّ ومقاوم، قد سطّر في تاريخه ملاحمَ بطولةٍ لا مثيل لها، بالرغمِ من وجودِ الخونة بين صفوفه، فإمّا أن تكون ابن عزّ وإمّا ألاّ تكون أبدا”ً.

المشاركة

اترك تعليق