كتب / مؤيد بلاسم العبودي…

تذكر الروايات التاريخية أن أحد الساسة الأمويين شارك في حرب الجمل التي وصفت كأول حرب اهلية بين معسكر الإمام علي ومعسكر اصحاب الجمل، ولأنه كان يكره الطرفين فقد كان يقف في المنتصف ويرمي سهامه ضد الطرفين قائلاً: ” أياً أصبتِ فهو عدوي”.

هذا التصرف الانتهازي ربما إستمر بالفعل للحظات معدودة، وفي أقصى الإحتمالات لعدة ساعات، لكننا أًبْتُلِينا في العراق بشريكٍ يمارس هذه السياسة منذ خمسة عشر عاماً.

خمسة عشر عاما وابي مسرور البرزاني ملكُ العراق غير المتوج، وصاحب النفوذ الأول في كل مفاصل مؤسساته من رئاسة الجمهورية لرئاسة الوزراء لرئاسة البرلمان للسلطة القضائية والمؤسسات العسكرية والامنية والاعلام… لكنه كان مملوءا بكره هذا العراق رغم كل المليارات والمناصب التي اغدقها عليه!!

في كل دول الجوارالمحيطة بالعراق، لا تجد ضابطا كرديا برتبة نقيب، بينما في العراق تجد أن رئيس اركان الجيش السابق، رغم أنه لم يحصل على شهادة الأركان العسكرية، لكنه يصبح رئيسا للاركان لمجرد قرابته من السروك مسعور، ثم حين يحين الجد، يحمل سلاحه مع مليشيات السروك ضد الجيش الاتحادي الذي كان رئيساً لاركانه!!

لديه في كل الوزارات والمؤسسات والدوائر والسفارات وزراء ووكلاء وزراء ونواب وقادة وسفراء ومدراء عامين وضباط و مسئولين … لا يملكون ولاء لغير ابي مسرور البرازاني.

اثني عشر عاما ووزارة الخارجية العراقية سرقفلية وملك صرف لخال ابي مسرور ، البقرة الضاحكة هوشيار الزيباري، وزير الخارجية الوحيد في الكرة الارضية الذي يكره البلد الذي يمثله ويحاول أن يسيئ اليها بكل الطرق الممكنة..

الوزير الوحيد في الكرة الارضية الذي يتجاوز مصرفه الشهري المائة وخمسين مليون دينار عراقي!!

الوزير الوحيد في العالم الذي كان يعامل الخارجية العراقية على إنها ورث ورثه من ( الذين خلفوه) لا يدخلها داخل ولا يتعين فيها موظف إلا بإذنه هو..

الوزير الذي ملئ السفارات باطقم دبلوماسية ( نص استاو) بينما خريجي كليات اللغات والعلوم السياسية من اهالي الوسط والجنوب يتحسرون على التعيين فيها، وبدلا عنها كان يقول لهم سكرتير الزيباري: أنت ناصرية كاكا ما لك تعيين هنا… روحوا تعينوا بالداخلية… كما قالها لي حين كنتُ فرحا بنتيجة نجاحي بنتائج امتحان الكفاءة باللغتين الانجليزية والفرنسية… وقد طبقتُ للأسف نصيحته السوداء تلك.

اثنا عشر عاما محتكر لوزارة الخارجية، لكن ما ان خرج من الوزارة، حتى سخر كل جهوده و” غلمانه” لمحاربة سياسة البلد التي كان وزيرا لخارجيتها… فنشر صورة قديمة – تعود الى بدايات المعارك مع داعش قبل ثلاثة سنين- للجنرال قاسم سليماني معلقا عليها ( بالانجليزية) ان الجنرال سليماني يقود الهجوم ضد كركوك!!

خمسة عشر عاماً، والسروك ابو مسرور صديق الجميع وعدو الجميع بنفس الوقت!!

كل الخيوط السياسية، يشبكها، ثم يعيد فكها لا لأجل الحل، بل لأجل قضم أكبر قطعة من وطن ينظر إليه على أنه مجرد ATM مصرف مجاني حين يحتاج او حتى حين لا يحتاج، أو بوفيه مفتوح، او ميدان كبير للتدريب على القنص!!

خمسة عشر عاما، كلما اختلف ساسة بغداد من عرب ” البسوس” وبقايا “داحس والغبراء” حطوا الرحال عند ابي مسرور في أربيل حيث تعقد الولائم والمؤتمرات وتبرم (السقائف) والحفلات وتحاك الموامرات!

خمسة عشر عاما وابو مسرور البرزاني يستخدم بابشع صورة فلسفة جون ديوي البراغماتية لكن ليس في صالح مواطني الاقليم او حتى لمناضلي البيشمركة، بل لاجل حسابات ابناءه الجشعين و عشيرته الاقربين وحزبييه المطيعين.

خمسة عشر عاما وهو يستخدم تكتيك ( فج ياكل ما ينوكل) فهو يأخذ 17 % من كامل ميزانية العراق في كرشه وحساباته المصرفية المتعددة كانها اياد لانهائية لاخطبوط اسطوري صافيا حلالا زلالا من دون حسيب ولا رقيب!

وفي نفس الكرش المترع بالدولارت ولنفس الحسابات المتعددة يتجشأ ورادات نفط الإقليم ومنافذه الحدودية وضرائبه وجماركه وسياحته وزراعته واستثماراته!!

فيما يتحصرم كاكا حما وابناءه لأشهر تلو أشهر بدون رواتب، ويهرب بعض شباب الاقليم الى اوربا معرضين انفسهم لاستغلال مافيات تهريب البشر كي ينعموا بحياة افضل لا يجبرون فيها على تمجيد أبي مسرور وشرشوروزعرور واحفادهم من اقطاعيات ال برزاني.

خمسة عشر عاما ومسعود البرزاني يختبأ خلف ألف وجه، فهو مناضل يكره البعث ضد أيتام البعث والدواعش التكفيريين حين يجلس مع الشيعة حلفاء النضال ضد الدكتاتورية! رغم أنه يحتضن كبار البعثيين والتكفيريين الطائفيين وقادة التمرد السني المسلح في فنادق اربيل!

وهو سني متبتل جدا ضد أطماع الصفويين وولاية الفقيه كما يقول الرائد سلام جالي، وهو حضن دافئ لكل السنة العرب، وضد الحكومة الصفوية الطائفية!

رغم أنه لم يبدا بمهاجمة مذهب هذه الحكومة وجيشها الا حين طالبته بالانسجاب من المناطق العربية السنية التي احتلها والتي تقدر باكثر من مساحة محافظتين

( حيث ان مساحة سهل نينوى التابع للموصل يعادل مساحة كركوك تقريبا). واعلامه يتحدث عن احتضانه للعرب السنة، رغم ان هؤلاء يدفعون مساكنهم وماكلهم باموالهم وليس منة منه، بينما تم تهجير اكثر من 150 الف عربي سني ناحية ذمار حين حررتها البيشمركة التابعة للبرزاني من داعش، لم يعودوا الى ديارهم الا بعدما دخلها الحشد الشعبي.

وابو مسرور صديقٌ مخلص لتركيا وشريك اقتصادي ونفطي مع اردوغان حيث تبلغ قيمة الصادرات التركية للاقليم اكثر من عشرين مليار دولار سنويا، والله وحده يعلم كم يبلغ حجم تجارة النفط معها… فمسعود قجقجي قديم له خبرة بالتهريب على اصوله.

وهو بنفس الوقت، كردي حليف لعدوها اللدود حزب العمال الكردستاني المصنف ارهابيا في تركيا!

وهو حليف لايران، وصديق إسرائيل الحميم الأول في المنطقة، بحيث يمكن اعتباره قاعدة استخبارات اسرائيلية متقدمة في المنطقة.

خمسة عشر عاما، ومسعود البرزاني ” يبوك وي الحرامي، ويصيح وي اهل البيت”!!

خمسة عشر عاما، وهو يحفربخنجر الغدر حدود الدم في جسد العراق!

خمسة عشر عاما وهو يمثل دور انه حامي حمى الديمقراطية، لكنه منذ سنتين يعطل انتخابات الاقليم ويرفض التنازل عن منصبه غير الشرعي، ويمثل انه مدافع عن الاقليات والعلماني الوحيد في المنطقة لكنه سلم قرى الايزيديين الى مسالخ داعش بدون مقاومة، وهجر المسيحيين واستولى على قراهم، ويسمي الشيعة روافض مجوس!!

ورغم ذلك لم يمل ولم يكل اسايش التدوين بقيادة فخري كريم عن النفخ في تجربة مسعور الديمقراطية وتسخيف عقائد الشيعة اذا خالفوه، ودعشنة السنة إذا أزعجوه، وتبرير اضطهاد التركمان وغيرهم.

خمسة عشر عاما، والبرزاني مثل المنشار، ياخذ ولا يعطي، بل ويتمنن على الجميع بانه ياخذ منهم عطاياهم،فهو قد يجد احمقا مثل ابي كلل يقول ( لولا البرزاني لما حكم الشيعة) او جحشا مثل رعد السليمان يتملقه او مخرفا مثل الكبيسي يريده ان يصبح ملكا للعراق ويحرر فلسطين!!

لعب كثيرا على كل الاوتار …ويبدو ان اصابعه اتلفها ذلك…

فادماها وكشف نفسه حينما انفرد بعمل الاستفتاء بدون موافقة المجتمع الدولي ولا تهدئة دول الجوار ولاالتفاهم مع حكومة بغداد ولا حتى الحصول على توافق داخل البيت السياسي الكردي!

وحينما تحركت حكومة بغداد لتطبيق الدستور، تحول فجأة ليعتمر جبة ابي بكر البغدادي، وتتحول قنوات روداو وكردستان 24 واخواتها وعشرات الاذاعات ومئات المواقع الالكترونية لتمارس دور دابق واعماق وصفا ووصال في الشحن الطائفي بطريقة تذكرنا بالمقبور الزرقاوي وحارث الضارط وعدنان العرعور وطه الدليمي ، واصبحنا نضطر حين ندخل موقعا برزانيا الى وضع اكفناعلى الانوف خشية نتانة الشتايم الطائفية التي يطلقها زعاطيط مسعور.

ثم كان المضحك المبكي تصريح كوسرت رسول الذي وصف ما حدث في كركوك بانه احتلال اجنبي!

كل القوات الاتحادية التي دخلت كركوك، وبشهادة التحالف الدولي، كان جنودها عراقيون وجوههم بلون الطين الحري ورائحتهم بطعم الرز العنبر. بينما كانت قوات مسعور تتكون من البي كي كي التركية والبيجكاك الايرانية واكراد سوريا PU ومرتزقة اجانب وبعض الدواعش الذين اعاد تجنيدهم!!

إن فشل مسعور، لم يعد سياسيا فحسب، بل كان عسكريا تمثل في الانهيار الذي حدث لقوات البيشمركة التابعة له واخلاقيا تمثل في اسلوب اتباعه المنحط واعلاميا تمثل في ابتعاد قنواته الاعلامية عن المهنية والحيادية…

بمؤامرةٍ بين حزب البعث الدوري الاشتراكي وتنظيم داعش الارهابي والمحافظ المقال اثيل النجيفي وبعض فاسدي الاجهزة الامنية ومسعور الطرزاني سقطت مدينة الموصل واعلن الاخير عن ما اسماه حدود الدم!

وبهورنات الهمرات المرقطة والسود والزرقاء وبهمة اسود الحشد الشعبي تم كسر هذه الحدود..

المشاركة

اترك تعليق