كتب / عبد الهادي مهودر …

الاعلام العراقي بجميع وسائله كان اول من جسد التعددية في انطلاقته الجديدة بعد عام ٢٠٠٣ وهي لم تكن الانطلاقة الاولى من نوعها بل ترافقت مع كل تغيير سياسي جوهري وتاريخي مر به العراق ، وكان اشهر عهودها عهد انطلاق وتأسيس الصحافة ايام العثمانيين في عهد مدحت باشا ثم ايام البريطانيين حيث صحيفة العرب وما حولها ثم ايام الامريكيين ، وكان لكل عهد صحافته مرورا بالعهود الملكية والجمهورية التي تراوحت بين صحافة حرة حد الانفلات ومركزية حد الخنق .

ومايثير الاستغراب ان الامريكيين قدموا نماذج سيئة وفاشلة لصحف ونشرات بائسة ناطقة باسم قواتهم ولم ينقلوا للعراق تجربة الصحف الامريكية الكبرى ، ( وهو موضوع بحثي في الماجستير ) ، لكن الصحفيين العراقيين لم يكونوا بحاجة لمن يعلمهم الصحافة فأسسوا عشرات الصحف والفضائيات والاذاعات ووكالات الانباء والمواقع الالكترونية ، وقد مضت على التجربة الاعلامية العراقية الجديدة نحو عقد ونصف من الزمن من الكفاح والتضحيات والنجاح والفشل ايضا وكان لها مالها وعليها ماعليها من ملاحظات ودخول طارئين ومن هيمنة وتوظيف سياسي للاعلام .

ما اود قوله الآن ان الاعلام العراقي بمجمله بحاجة الى ان يراجع اليات عمله واهدافه واستقلاليته بجدية ، ويراجع نقاطه المضيئة والمظلمة ونجاحاته واخفاقاته ، ففي هذه البلاد لايمكن ان تستقيم الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون اعلام يتجاوز هدفه المهني والمشروع في بلوغ الشهرة والانتشار السريع الى اعلام محترف ومسؤول ومتمكن ، والاعلام هنا بمثابة الطبيب الذي يداوي الناس ، لكن تجارب الاعلام العراقي في الحصول على السبق الصحفي كلفته الكثير من سمعته ومر عليها دون نقاش وكأن شيئا لم يكن ، وتقديمه للاثارة كطريق سريع للشهرة افقده بوصلته وضيع عليه فرصا كبيرة لتعزيز الثقة به من الجمهور العراقي الذي سيبقى يبحث عن وسيلة اعلام يثق بها ثقة تامة ويثق باخبارها وتحليلاتها وعدالتها وخلفيات اختياراتها وعدم انتقائيتها ، لأنه باختصار جمهور يريد ان يعرف ولايريد ان يتسلى بمعاناته وهمومه ويتوقع من الاعلامي ان يكون امينا في علاقته مع الجمهور ولايخلط عليه المعلومة بالرأي .

ان سلوك طريق الاثارة كان وسيبقى محفوفا بالمخاطر على مستقبل وسائل الاعلام العراقية وليس هو طريق النجاح بل هو الطريق المسدود والقصير ، فكبريات وسائل الاعلام العالمية الناجحة عانت قبلنا كثيرا حتى هجرت هذا الطريق الى غير رجعة وعضت بأسنانها على المصداقية والموضوعية وكسبت الرصانة واصبحت قوة تخشاها القوى التي تحكم الدولة او المجتمع …. ومن حقنا ان نحلم

المشاركة

اترك تعليق