كنوز ميديا – لم يعد خفياً الجهد الإسرائيلي المبذول لبناء واقعٍ يمكن أن يكون فرصة لحماية المحيط الإستراتيجي للكيان. خصوصاً أن الواقع الجديد الذي أفرزته الأزمة السورية، لم يكن كما تشتهي تل أبيب أو من خلفها واشنطن. وهنا فإن مسألة أولوية أمن الكيان الإسرائيلي بالنسبة لأمريكا ليس بجديد. لكن حجم الرهانات الخاسرة والتي كانت من نتائج الأزمة السورية، قوَّضت الخيارات الإستراتيجية لواشنطن في حماية الكيان. فيما بقيت مسألة الرهان على الجماعات المسلحة في الجنوب السوري، أحد أهم نقاط القوة التي تسعى واشنطن لترسيخها. خصوصاً عبر ابتزاز قطر من خلال طرح قضية تبييض صفحة جبهة النصرة. فما هي بعض الدلائل على التعامل الوثيق بين جبهة النصرة والعدو الإسرائيلي؟ وما هي دلالات ذلك، في ضوء المصالح الأمريكية الإسرائيلية؟

دلائل حول التعامل بين جبهة النصرة والجيش الإسرائيلي

عدة دلائل تُثبت وجود تعامل بين الجيش الإسرائيلي وجبهة النصرة، حيث اكتسبت الأخيرة ثقة القيادة الإسرائيلية. وهو ما يمكن أن نُشير له في التالي:

أولاً: خلال العام 2015، نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية أن عملية قرصنة جرت لكومبيوتر أحد المدراء المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات والعاملين في مكتب بنيامين نتنياهو، فضحت وجود تعاون بين المسلحين والجيش الإسرائيلي. عرف حينها بإسم “مندي صفدي”، والذي كشفت الملفات التي تمت قرصنتها، أن التمويل الرئيسي للمجموعات السورية المسلحة يأتي من خلال دول خليجية عبر وسيط سوري اسمه  محمد الخطيب المعروف بـ “كلينتون”، والذي تربطه بـ “مندي” علاقات وثيقة. والإسم الحقيقي لمندي هو “منذر، ويعمل كناشط سياسي واستخباري ويعمل في تجارة السلاح، وله تواصل مع قيادات في جبهة النصرة ويُمثِّل الجانب الإسرائيلي في عمله معهم.

ثانياً: من خلال مراجعة الماضي القريب، نجد أن الجانب الإسرائيلي أصرَّ دوماً على وجود معسكر لأسر الإرهابيين على الحدود، وهو الأمر الذي وثقته الصحافة العالمية من خلال دخول قوات من الجيش الإسرائيلي إلى الأراضي السورية للتفاوض مع مجموعات مسلحة معارضة للنظام، حيث حصلت العديد من الإجتماعات عند معبر القنيطرة.

ثالثاً: عمد الإحتلال الإسرائيلي منذ بداية الأزمة على كسب ود الجماعات التكفيرية وخاصة جبهة النصرة،  حيث أتى هذا التعاون باعتراف صريح على لسان وزير الدفاع “موشية يعالون”، ما يعني أن مرحلة التعاون والتنسيق بين تل أبيب والإرهابيين في سوريا وصل لمرحلة متقدمة، حيث قال “يعالون” حينها أن المكان الوحيد الذي لا تستطيع فيه المقاومة تشكيل أي بنية تحتية لمهاجمة الكيان الصهيوني، هي الأماكن التي تسيطر عليها المجموعات المسلحة.

رابعاً: كشفت تقارير الأمم المتحدة عن وجود تعاون وتنسيق مباشر بين الجماعات الإرهابية والجيش الإسرائيلي. حيث أشارت تلك التقارير عن اقامة مخيمات لاستيعاب عناصر من تلك الجماعات ومعالجة جرحاهم بالإضافة الى تقديم معلومات استخباراتية عن مواقع الجيش السوري، فضلا عن تقديم المساعدات العسكريّة والأسلحة والعتاد، وقيادة عمليات التضليل الإعلامي وتوجيه ضربات له بطريقة ممنهجة وصلت إلى قيام مروحيات ومدفعيات الجيش الإسرائيلي بقصف بعض مواقع الجيش السوري بعد كل هزيمة تتكبدها هذه المجموعات بهدف بث الأمل فيهم من جديد.

الواقع والدلالات حول الأهداف والمخطط

 يمكن ملاحظة الواقع والدلالات المتعلقة بالأهداف والمخطط من خلال التالي:

أولاً: تبني تل أبيت استراتيجية طويلة الأمد، تهدف للإستفادة من الجماعات الإرهابية، عبر تمكينها من السيطرة على الحدود، وذلك لبناء واقع جيو-عسكري على الحدود الفلسطينية يؤمِّن خط آمن دفاعي عن الكيان الإسرائيلي.

ثانياً: تدعم واشنطن المساعي الإسرائيلية والتي تجد فيها سياسة استراتيجية قادرة على خلق حلفاء عسكريين في المحيط الإستراتيجي الذي يهم الكيان الإسرائيلي. وهو ما يُعتبر ورقة بيد أمريكا يمكن الإستفادة منها اقليمياً ودولياً.

ثالثاً: لم يكن خافياً أن تشكيل غرفة “الموك” في الأردن جاء ليخدم هذا الهدف، حيث لقيت الغرفة دعماً خليجياً اسرائيلياً أمريكياً، استمر حتى فشل ما سُمي بـ “عاصفة الجنوب”، قبل عودة الفصائل وتوحدها تحت راية جبهة النصرة. لكن وعلى الرغم من ذلك، بقي الطرف الأردني حذراً في التعاطي مع هذا الملف، مع العلم أنه لم يستطع إبعاد خطر هذه الجماعات الإرهابية والتي باتت تتغلغل في الجنوب السوري وعلى الحدود مع الأردن وتشكَّل خطراً عليه.

رابعاً: يسعى الطرف الأمريكي لإستغلال أزمات الدول لأهداف ومصالح خاصة. وهو ما يجري اليوم من خلال استغلال أمريكا للأزمة الخليجية، عبر اللعب على نقاط ضعف الأطراف. حيث تريد واشنطن مقايضة مصير جبهة النصرة بتأمين الحماية الإستراتيجية للكيان الإسرائيلي. وهو ما كان واضحاً في زيارة تيلرسون الأخيرة الى قطر والتي أصر فيها على أن شطب الجبهة من لائحة الإرهاب يجب أن يُقابل بجعلها طرفاً حليفاً فعَّالاً للكيان الإسرائيلي على الحدود مع فلسطين والأردن.

على الرغم من أن الظروف الحالية لا تؤكد صحة الرهانات الإسرائيلية في النجاح بالإعتماد على الجماعات التكفيرية، فإن المساعي الأمريكية الداعمة لترسيخ ذلك، جاءت كنتيجة للشعور الإسرائيلي بالخطر أمام انجازات محور المقاومة. وهو ما يُثبت أساساً فشل الرهانات الأمريكية الإسرائيلية كافة. فهل يطفو من جديد المخطط الأمريكي للجنوب السوري والهادف لاحتضان الإرهاب حمايةَ لتل أبيب!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here