كنوز ميديا/ بغداد…

 

 

بقلم : رحيم مزايد الكعبي.

سواء انتهى “داعش” ودولته المزعومة التي أُعلن عنها في يونيو ٢٠١٤، باستعادة مدينة الموصل، أو لا تزال لفلوله موطئ قدم هنا أو هناك، وسواء أكان الحديث عن تبّخر “داعش”، نوعاً من الاستسهال المُلازم للمشهد العراقي المُلتبس، أو حالة مشروعة من الزهو بالانتصار على تنظيم وحشي لم يجرؤ إلا أبناء الرافدين على مقاتلته وجهاً لوجه، فإن العراق والمنطقة مقبلان على استحقاقات حازمة، عنوانها العريض: المصير والمستقبل، وملمحها الرئيس: مرحلة ما بعد “داعش”.

صحيح أن “داعش” العراق، في أحد أوجهه نتاج تراكمي شرير لعملية سياسية إقصائية، تهيمن عليها أحزاب دينية (شيعية وسنية) فاقت كل التصورات في استحواذيتها وإقصائيتها وفشلها وفساد ذمتها، لكنه أيضاً انعكاس لحالة مشوهة من الاستقطاب المذهبي الحاد الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط بعد غزو العراق في العام ٢٠٠٣، كما أن هذا التنظيم هو وبكل المعايير، مقاربة علنية لسنوات طويلة من التدخلات الضارة لدول الإقليم في الشأن العراقي.

ومهما يكن، فإن استعادة الموصل ثاني أكبر محافظات العراق، وأهم المعاقل التي استمكن منها “داعش”، تضع العراق والمنطقة مجبريّن أو مخيّريّن أمام استحقاقات الداخل والخارج في آن، بتلاصق عضوي يصعب تفكيكه، إلا إذا تعلق الأمر بدواعي التأصيل والفهم.

سُنة العراق: ماذا بعد المؤتمرات؟!

لم يستفد العراقيون (كما يبدو) من درسٍ بالغ القسوة خسروا فيه ثلث أراضيهم، فلم يعدّوا عدّتهم (إلى الآن) لمرحلة ما بعد “داعش”، فلا استراتيجية حكومية واضحة لمستقبل العراق، ولا حتى نوايا جدية للشروع بتحوّل تاريخي يخلّص هذا البلد مما هو فيه، بل ولا خطة واضحة لإدارة وتأمين مدينة الموصل نفسها!

وحيث أن لا صوت يعلو هذه الأيام على صدى أسئلة محورية من قبيل: أي مصير ومستقبل ينتظر العراق؟ وهل سيكون أحسن حالاً بعد داعش؟ وما الذي يُتوقع تغيّره في العراق؟ وكيف ستكون طبيعة التحالفات في المنطقة والعالم؟، فإن لا إجابات شافية يمكن الخروج بها، دون النظر ابتداءً إلى هذا الملف (الذي يغلب عليه التداخل والتعقيد الشديدين) من منظوري الداخل والخارج:

أولاً، داخلياً:  إذ تنتظر العراقيين مواعيد حاسمة، يمكن تصنيفها بحسب التراتبية الزمنية والموضوعية كما يلي:

حُمّل ما يطلق عليه إعلامياً بـ”مؤتمر السُنة”، (الذي كان يُفترض عقده في منتصف يوليو ٢٠١٧، ثم أُعلن عن تأجيله) أكثر مما ينبغي، يكفي أن تطلّع على أسماء المشاركين والداعين له، والموافقين عليه، لتعرف أنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولاً، فكيفما تقلبه، لن يكون أهم من مؤتمرات مماثلة أقصى ما نادت به، مواقف دعائية محدودة التأثير في الواقع السياسي، لكن الملفت هذه المرة، هو أن الحكومة العراقية هي التي تعهدت بتأمين هذا المؤتمر في بغداد، بعد مؤتمر مماثل عُقد في أنقرة في ٩ مارس ٢٠١٧، وحضره ممثلو مخابرات كل من تركيا والأردن والإمارات وقطر، ونددت به الأوساط الحكومية العراقية كثيراً.

واضح أن عقد مؤتمر في بغداد، وربما في أربيل أو في كليهما (تحضره أسماء صدرت ضد بعضها أحكام قضائية، وتعهد ثم تراجع العبادي عن التدخل لإلغائها) ، يقصد منه الاحتواء، أو لنقل تقزيم سقف ما سيصدر من مقررات، رَشح أن بعضها قد يذهب باتجاه المطالبة بالأقلمة، وهو أعلى سقف يمكن أن يصله مؤتمر من هذا النوع، يهدف إلى رفع مناسيب بعض الساسة السُنة الذين احترقوا أو كادوا في واحدة من أوضح حالات التخلي عن أهلهم وناسهم، الذين ضاقتْ بهم معسكرات التهجير، ودُمرت مناطقهم في مرحلة “داعش” وما تلاها.

ومع أن ظاهر هذا المؤتمر، هو إعمار المناطق المحررة من “داعش”، وباطنه ترتيبات الانتخابات العراقية المقبلة، فإن جماعة الإخوان المسلمين في العراق، متحمسة للغاية مثلها مثل إيران لعقده. الأولى تريده رصاً لصفوف الجماعة في العراق والمنطقة تجاه استحقاقات الضغط السعودي الإماراتي المصري البحريني عليها، وإيران تنتظر مخرجاته لتعيد بها تدوير بعض حلفائها المعروفين عراقياً بـ”سُنة إيران”، استعداداً لمرحلة ما بعد “داعش”.

 

الدولة الكردية: المواعيد مرنة

الاستفتاء على تقرير المصير في إقليم كردستان، والذي أُعلن عن إجرائه في ٢٥ سبتمبر ٢٠١٧، يتجاوز هذه المرة مجرد التلويح والابتزاز. الأكراد اليوم أقرب للانفصال من أي وقت مضى (برغم المعاناة اليومية للمواطن الكردي بسبب الوضع الاقتصادي وضعف الخدمات وازدياد ملحوظ في المشكلات الاجتماعية).

بغداد، الراعي الرسمي تاريخياً لوحدة العراق، أضعف بكثير من أن تكون قادرة على فرملة القرار الكردي، بيد أن استحداث دولة جديدة في هذا الجزء من العالم وفي هذا التوقيت تحديداً، لا يزال جدوله الزمني كما أسماه رئيس إقليم كردستان مسعود البارازاني (صاحب الصوت الأعلى في هذا الاستفتاء) “مرناً لكنه ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية”.

أمريكا من جانبها، لا تريد حالياً سماع ما قد يشتت الانتباه عن الحرب ضد “داعش”، حتى لو كان الحديث عن الأُمنية التاريخية لحلفائها الأكرا، كما أن العرب المنشغلين لأنوفهم بأزماتهم الداخلية والبينيّة، وآخرها الأزمة الخليجية، لم تعد تمثل لهم وحدة أراضي العراق أولوية، قدر توظيف كل المواقف والسياسات في إطار هرولة غير محسوبة لكسب التأييد وتشكيل الأحلاف بين أطراف نزاعاتهم، وتبدو أربيل هنا أقرب إلى الإمارات والسعودية منها إلى قطر.

دول الجوار العراقي/ الكردي، هي من تتحمل بشكل رئيس عبء هذه القضية، وإن كانت تتعامل إلى حد بعيد بتكيتكاتها التقليدية مع هذا الملف. فتركيا إردوغان التي تتقن التصريحات عالية السقوف، تحتفظ بعلاقات مميزة للغاية مع عاصمة إقليم كردستان، لكنها (وهي التي لا تمزح أبداً في القضية الكردية) لم تجد خياراً آخر غير الرفض العلني لهذا الاستفتاء، وهي تعلم أن المؤسسة العسكرية التركية، وبرغم حالة الإغماء التي تعيشها منذ الانقلاب الفاشل في ١٥ يوليو ٢٠١٦، تغمض عيناً وتفتح أخرى، عندما يتعلق الأمر بالأكراد، فتركيا المُستنزَفة سياسياً في الأزمة السورية، وجدت نفسها مضطرة للمراهنة على عامل الوقت، وغض الطرف (عملياً ومرحلياً) عن الاستفتاء، في انتظار انقشاع غبار الحرب على “داعش” لتقول كلمتها الأخيرة كاملة.

إيران هي الأخرى، لم تفلح (لحد الآن على الأقل) في استخدام آلياتها المعهودة للضغط على حلفائها في السليمانية (الذين يعانون تشرذماً صار مستديماً)، لإفشال هذا الاستفتاء، ما دعاها إلى الاستعانة بـ (رمزية) حليفها المخضرم جلال الطالباني، الذي تأمل أن يعيد جمع القوى السياسية في السليمانية على قلب رجل واحد. فالطالباني الذي أقعده المرض عن أي نشاط سياسي، والمتواري عن المشهد لصالح زوجته وأولاده ورفاق الأمس، يطل من جديد عبر النافذة الإيرانية، في زيارة مفاجئة لطهران، تدشن رسمياً دخوله على الخط، ما يعني تحولاً دراماتيكياً مرتقباً ينتظره ملف الاستفتاء في إقليم كردستان.

أكثر ما يخشاه الجميع في الاستفتاء (الذي يتوقع أن تكون نتيجته نعم)، أن يكون سبباً في إشعال فتيل صراع مسلح على الحدود والمناطق المتنازع عليها وبضمنها كركوك واقتسام الثروات والمياه، وهنا سيكون أسوأ السيناريوهات!

الحشد الشعبي حاكماً لا محكوماً

الانتخابات النيابية المقبلة التي يتوقع إجراؤها في أبريل من العام ٢٠١٨، ستمثل أكثر الحالات مفصلية في الواقع العراقي، هي بامتياز ما يمكن تسميته بانتخابات المنتصرين في الحرب على “داعش”، وبالدرجة الأساس الحشد الشعبي الذي أعلنت قياداته مراراً وتكراراً أنها ستشارك وبقوة في الانتخابات المقبلة، بينما تريد إيران أن تجعل من الحشد الذي يضم كثيراً من الفصائل التي تجاهر بولائها للمرشد الإيراني، قوة حاكمة وليس مجرد تشكيل عسكري فحسب، تريده نموذجاً (مطوراً) للحرس الثوري الإيراني، لا مجرد قوة تمسك الأرض متكاملة الصنوف عسكرياً (هنالك حديث عن تأسيس مديرية للطيران في الحشد، وتزويده بمختلف الأسلحة حتى الثقيلة كالدبابات والصواريخ) بديلة للجيش النظامي، بل وأيضاً سلطة سياسية تدير شئون البلاد. أي أن الحشد الشعبي، سيدخل الانتخابات ليفوز بالأغلبية السياسية التي تؤهله تشكيل الحكومة وإدارة البلاد.

هذه الفرضية الراجحة تعززها تحركات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، (الذي تتملكه رغبة محمومة للعودة للحكم بأي ثمن) وتقديمه لنفسه أباً روحياً للحشد، بالإضافة إلى توجه إيراني واضح للتخلص من العبادي، بتردده وضعفه وتوزع نفوذه، فهي تؤمن بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الحسم كما تحتاج إلى واضحي الولاء.

وجاء التراشق الإعلامي الأخير بين قائد فيلق بدر هادي العامري المعروف بقربه من إيران، ورئيس الحكومة حيدر العبادي، ليؤطر هذه الصورة، وليؤكد حالة من عدم الثقة والتمايز بين فريقين داخل منظومة الحكم، العامري الذي قال إن العبادي يلعب مع الحشد لعبة القط والفأر، وإن “رئيس الوزراء أبلغنا أنه عندما يصل الحشد الشعبي إلى مشارف تلعفر، فحينئذ سنرسل قوات الجيش والشرطة لاقتحامها ولكن لم يرسلها”، كان يريد أن يقول بمنتهى الوضوح أن العبادي ليس معنا بل هو يخطط للإيقاع بالحشد.

إن الاختبار الأصعب في عراق ما بعد “داعش”، هو قدرة النظام السياسي العراقي على استيعاب وتجاوز وامتصاص، حزمة ليست سهلة من التحديات الوجودية، التي قد لا تقوى البنية الهشة لهذا النظام على تحملها، في ظل تردٍ اقتصادي يزداد سوءاً باستمرار تراجع أسعار النفط العالمية، وشبه انعدام للخدمات العامة، وتزايد في نسب البطالة مع مئات آلاف الطلبة الذين تلقي بهم سنوياً مخرجات الجامعات العراقية، دون تخطيط مسبق لحاجات السوق ومتطلباتها، وتفشي أشكال مبتكرة من الجريمة المنظمة، ترافقه انشطارات مجتمعية متوالية أفقياً وعمودياً، وهيمنة واضحة لمجاميع مسلحة وقوى عشائرية ودينية على حركة الحياة اليومية، في تحدٍ ضاغط ينبئ بمآلات صعبة، قد تتخذ من أي حدث عابر مبرراً لتفجرها.

“داعش” الشيعي بعد “داعش” السني!

ثانياً، خارجياً:

ليست مصادفة على الإطلاق، تواتر الحديث عن أن ما بعد داعش، وبحسب جوليان بورغر، محرر الشؤون الدولية في صحيفة الغارديان البريطانية، يمثل مرحلة بدء الصراع رسمياً مع إيران، معتبراً في مقال نشره في ١٩ يونيو ٢٠١٧، أن قمة الرياض الأمريكية الإسلامية التي حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، هي تدشين لبدء الصراع مع إيران، الأمر الذي تعززه التوصيات (المُلّحة) لمجموعة عمل مستقبل العراق، الأمريكية، برئاسة السفير رايان كروكر، والتي انتهت في تقريرها إلى ضرورة إعادة التواجد الأمريكي القوي في العراق عسكرياً ودبلوماسياً واقتصادياً، لمواجهة الخطط الإيرانية لتعزيز نفوذها في هذا البلاد في مرحلة ما بعد “داعش”، كأن الأمريكان يريدون بعد الانتهاء من “داعش” السني، إعلان الحرب على “داعش” الشيعي!

الأوروبيون يشاركون الأمريكيين في الرغبة بأن تمثل مرحلة ما بعد “داعش”، نهاية تمدد هذا التنظيم عالمياً، والذي تحولت بسببه مدنهم وأنماط حياة شعوبهم أهدافاً مكشوفة ومباشرة لهستيريا غير مسبوقة من العنف و(الإرهاب)، بيد أن أوروبا المعتادة على لعب أدوار خجولة ومترددة تقتصر على البعدين السياسي والاقتصادي، تبنت (وبعد أن وصلت النار إلى أطراف ثيابها) خطة أعلن عنها الاتحاد الأوروبي في يونيو ٢٠١٧، لإرسال بعثة جديدة إلى العراق، تتولى مهام عسكرية وتدريبية واستشارية واسعة.

أوروبا تريد بأي ثمن تثبيت ما تحقق على الأرض ضد “داعش”، وهي بهذا المنظور تبدو أكثر جاهزية من أي وقت مضى للانضمام إلى حلف أمريكي عربي للضغط على إيران وإضعاف نفوذها في العراق، وهي مجمعة على أن لا تسمح بإعادة تجربة “داعش”، وتدرك جيداً أن تنظيماً شرساً من هذا النوع، قد يعود مجدداً بشكل أو تسمية أخرى، متخذاً من التغوّل الإيراني في المنطقة ناصية لخطابه المتطرف، وعامل جذب للمقاتلين من مناطق مختلفة حول العالم، لكن الأوروبيين، بطبيعة الحال، ليسوا دائماً صوتاً واحداً، لا سيما في مواجهة (شعبوية) الرئيس الأمريكي الحالي، وطريقته (الفظّة) في إدارة الملفات الخارجية، وأكثر ما يخشاه الأوروبيون (وإن كانت انتخابات فرنسا وهولندا قد تجاوزتها) أن تصل عدوى (تقليعة) ترمب إليهم، فهذا وزير الخارجية الألماني، زيغمار غابرييل، لديه مقاربة أخرى، فهو يتهم الولايات المتحدة بأنها (صارت) ترى في العالم حلبة لمعاركها، وأنه (تبلورت) لدى الأمريكيين تصورات مغلوطة ينظرون من خلالها إلى العالم.

ليس سهلاً دائماً أن تجرّ أمريكا (خصوصاً تحت إدارة ترمب) الحلفاء الأوربيين للاصطفاف معها ضد إيران، لكنه غير مستبعد إذا ما تمكنت واشنطن من تقديم الأذرع المسلحة لإيران في المنطقة، كصور مستنسخة لـ”داعش”.

طريق المقاومة السريع!

إعادة الاحتواء سعودياً للعراق، ستزداد وتيرته هذه الأيام، تريد الرياض إطلالة أقوى على المشهد العراقي، تستطيع من خلالها لعب دور محوري في ترتيب البيت العراقي الداخلي في مرحلة ما بعد “داعش”، بما يجعل يد إيران مغلولة، وبما يضمن تواجد السعوديين على قرب معقول من واقع عراقي جديد يُعاد تشكيله، وتريد أيضاً أن تبني على ما تحقق في سلسلة الزيارات المتبادلة مؤخراً بين البلدين والتي عُدت أقوى مؤشر على محاولة زحزحة العبادي ومن معه، (قدر المستطاع) عن إيران.

والمهم هنا هو أن الدور السعودي الذي يُمارس بحذر (وفقاً لفلسفة عدم ترك الفراغات كي لا تملأها إيران) في إطار الاستراتيجية الأمريكية لعراق ما بعد “داعش”، تنظر إليه إيران بانزعاج، وتتهم العبادي بالضعف إزاء الضغط الأمريكي للوصول إلى تقارب مع السعودية.

إيران، المحورية بشكل طاغٍ في الملف العراقي، متحسبة لكل ما يدور، تعوّل على نفوذها مترامي الصيغ والأشكال في العراق وسوريا (وهو نفوذ مُرشح لأن يبقى ويتمدد) مع حرصها الدائم على الظهور بصورة المنقذ لحلفائها في المنطقة. لقد أكملت إيران مبكراً ترتيباتها الاستراتيجية على مستوى الاستعداد لاستحقاقات ما بعد “داعش”، بل هي بدأت باتخاذ إجراءات استباقية كثيرة، ليس أقلها تعيين رجل الحرب والمستشار الأعلى لقائد فيلق القدس، اللواء أيرج مسجدي في منصب سفيرها في العراق، مروراً بتأمين طريق جديد تحكمه بقوة جماعات مسلحة محسومة الولاء لها، يمتد من إيران عبر العراق ثم إلى سوريا ولبنان. وبحسب تقرير نشرته الغارديان في ١٦ مايو ٢٠١٧، فإن الممر الإيراني القديم في سوريا الذي كان يتميز بعبوره من الحدود الإيرانية إلى مدينة جلولاء العراقية في محافظة ديالى، ثُمَ عبر جنوبي الموصل إلى الشرقاط، وبعد ذلك شمالاً إلى تلعفر، قد تغيّر إلى الطريق الجديد الذي أدخل الاتجاه غرباً مروراً بسنجار، وهو يعبر من دير الزور التي لا يزال “داعش” يسيطر عليها إلى السخنة وحتى تدمر، ثُم دمشق، باتجاه الحدود اللبنانية، وهو ما اسماه علي أكبر ولايتي (الطريق السريع للمقاومة)، ما يمنح الإيرانيين مرونة وديناميكية وقدرة على المناورة بفضل الربط الاستراتيجي المحكم العابر لحدود ثلاثة دول.

عراق آخر غير عراق ٢٠٠٣

وأياً تكن هذه الترتيبات والترتيبات المضادة، فإن المعادلة على الأرض في مرحلة ما بعد داعش هي: إيران وحلفاؤها في العراق وسوريا ولبنان (حزب الله)، بدعم سياسي روسي وصيني، في مواجهة أميركا وحلفائها العرب، في صراع يتضح الغاطس والطافي منه على السطح على حد سواء، لا فرق يذكر على مستوى النتائج والمحصلات بين ملء فراغ اختفاء “داعش” من المشهد، أو الصراع على الوجود والنفوذ والثروات في هذه المنطقة الغنية والحيوية من العالم. في النهاية نحن أمام إعادة تموضع سيغير الكثير لعقود مقبلة.

ومهما قيل وما سيقال، فإن عراق ما بعد “داعش” ومحيطه مقبلان على مقاربات جديدة، تنبئ بتغيرات بنيوية في طبيعة الحكم وتحالفاته، ليس عراقاً آخر بالمعنى الحرفي، إنما هو (ربما) عراق يختلف عن هذا الذي جاء به الأمريكان بعد العام ٢٠٠٣!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here