كنوز ميديا – متابعة 

العلاقة بين السعودية والإخوان اتسمت بالاضطراب حيث تدرجت من تحالف في بدايتها إلى خصومة وعداوة في السنوات الأخيرة (الجزيرة)

تعتبر العلاقات بين السعودية وحركة الإخوان المسلمين من أكثر العلاقات التي تربط بين الدول والحركات السياسية تعقيدا واضطرابا، وقد تدرجت هذه العلاقة التي تعود بداياتها إلى ثلاثينيات القرن الماضي من “التحالف” ابتداء إلى المواجهة الشاملة في السنوات الأخيرة.

ولم يكن الموقف الذي أعلنته هيئة كبار العلماء في السعودية مؤخرا بشأن الجماعة الأول وربما لن يكون الأخير تبعا لمواقف أخرى وفتاوى أصدرتها الهيئة أو صدرت عن أفراد من كبار العلماء في السعودية كان الإخوان دائما محورها وفي الأغلب لم تكن بالغة السلبية تجاههم.

من التعارف إلى التحالف
بين السعودية والإخوان تاريخ طويل من الاحتضان تارة والمواجهة تارات أخرى، وقد بدأت العلاقات بين المؤسسيْن خلال لقاء تاريخي بين الملك عبد العزيز آل سعود ومؤسس الجماعة الإمام حسن البنا سنة 19366 واستمرت تنمو بهدوء واطراد.

وقد أسلمت هذه المرحلة زمام العلاقة إلى مرحلة التحالف بين الإخوان والسعودية حيث:

– وجد الإخوان في الحضن السعودي حمى وملجأ من السياط الناصرية التي أدمتم ظهورهم.
– وجدت السعودية في الإخوان حليفا قويا لمواجهة المد القومي الذي انتشر في مختلف الأقطار العربيةحاملا بذور الصراع مع المملكة سياسيا ودينيا.
– جاء التحالف جزءا من الصراع بين السعودية المدعومة من الغرب الأميركي ومصر المدعومة من الشرق السوفياتي.

وهكذا تكامل التحالف بين دولة ناشئة تنام على أنهار من الثروة تحتاج يدا عاملة وأقلاما منتجة لتصوغ رؤيتها للتعاطي مع العالم الجديد، خصوصا في مجال وضع الإستراتيجيات التعليمية وصياغة المناهج، وتجديد الخطاب الديني الذي كان وقتها بحاجة إلى تحديث وتطوير.

مواقف المرجعيات السعودية من الإخوان تعددت وتناقضت (الجزيرة)

وقد استلم الإخوان من عدة أقطار عربية في هذه الفترة قطار التحديث والبناء في عدة مؤسسات سعودية، خصوصا في مجال التعليم الذي كان مجال البصمة الإخوانية المتناغمة مع الأرض السلفية، وهنا تكامل الطرفان: الباحث عن مأوى ومستقر والباحث عن عقول وكوادر، وقد استمر هذا المسار طوال الفترتين الناصرية والساداتية.

وساهمت السعودية بعد رحيل عبد الناصر في الإفراج عن قياديي الإخوان المسجونين في مصر، واستضافت بعضهم بكثير من الحفاوة والترحاب.

ومثلت مرحلة ما بعد احتلال السوفيات لأفغانستان محطة أخرى من محطات تعزيز العلاقة بين الطرفين، حيث بادرت السعودية بالشراكة مع باكستان والولايات المتحدة لتأسيس وإنشاء ما تسمى ظاهرة الأفغان العرب، وكان للإخوان دور بارز في التعبئة القوية وإدارة البنى التنظيمية للتجنيد وجمع التبرعات ليس من منطلق التحالف مع السعودية فحسب وإنما وفاء للأخوة الدينية كما يقول عدد من رموزهم.

الملك عبد الله والشيخ يوسف القرضاوي (مواقع التواصل الاجتماعي)

طريق المصادمة
كان تغير أنماط وأشخاص الحكم في السعودية سببا من أسباب المواجهة بين الإخوان وحكام السعودية، خصوصا بعد وفاة الملك فيصل، حيث بدأ الحكام ينظرون بعين الريبة إلى مخرجات المناهج التعليمية التي صاغها الإخوان، ورأوا فيها بوادر قوة معارضة في بلد حسم وجهته السياسية بالولاء التام للملك والعائلة المالكة، وقد أضيفت عناصر أخرى إلى مائدة الخلاف الممتد بين الطرفين تتمثل من بين أمور أخرى في:

– التباين في الرؤية للموقف من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.
– رفض الإخوان الاستعانة بالقوى الغربية في تحرير الكويت من الغزو العراقي.

ثم استوت على جودي التأزيم سفينة العلاقة بين الطرفين بعد أن وجه من يعرفون حينها بمشايخ الصحوة -وفي مقدمتهم الشيخ سفر الحوالي– “مذكرة النصيحة” إلى الملك خروجا بذلك عن مبدأ الطاعة والتسليم، وكجزء من تأثيرات الحضور الإخواني في البلد.

وقد انضافت إلى هذه العوامل كلها عودة العرب الأفغان الذين آبوا إلى بلدانهم -ومنها السعودية- يحملون طموحا جامحا إلى التغيير السياسي، خصوصا عبر الوسائل التي عملوا بها في أفغانستان وهي السلاح والتنظيم، ثم تكاملت أضلاع الأزمة مع ظهور تنظيم القاعدة بقيادة السعودي أسامه بن لادن ليتشكل من كل ذلك مشهد من التأزيم لم يطل انتظار نتائجه التي ظهرت تفجيرات في مناطق مختلفة وتفكيك خلايا وأذرع جهادية في مناطق متعددة، وهي عوامل ساهمت كلها في مباعدة الشقة بين السعودية وتيارات الإسلام السياسي وفي صدارتها الإخوان.

المواجهة الصامتة
تردد صدى أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في السعودية بإيقاع متسارع قبل أن ينقشع غبارها في المملكة عن تغيير واضح في سياسة التعاطي مع الإخوان، والواقع أن تلك الأحداث لم تكن أكثر من سبب اشتعال في موقد كان تحت رماده وميض نار كثير، فتحت الضغط الغربي الهائل على السعودية بدأت سياسة جديدة تجلت أكثر في قبض يد العون عن بعض الهيئات والمؤسسات الإسلامية -من بينها المحسوبة على الإخوان- وبسط لسان الحرب الإعلامية عليهم في مختلف وسائط الإعلام السعودي.

وترجمة لذلك جاءت تصريحات وزير الداخلية السابق الأمير نايف بن عبد العزيز في مقابلة مع جريدة السياسة الكويتية في العام 20022، حيث حمل بشدة على جماعة الإخوان، ووصفها بأنها “أصل البلاء”، وقال إنها سبب المشاكل في العالم العربي وربما الإسلامي.

المواجهة الشاملة
وقد استمر ذلك المسار لعشرية كاملة قبل أن يتأجج أكثر مع ما بات يعرف بالربيع العربي، وقبل اندلاع الثورات لم تكن السعودية مرتاحة للصعود السياسي لقوى محسوبة على الإخوان في السودان وتركياوفلسطين، ولكنه ازداد بشدة مع أزمة الربيع العربي حيث وقفت السعودية بوضوح في مواجهة هذا الربيع، وسعت للحيلولة دون سقوط بعض الأنظمة مثل مصر واليمن.

ثم اتخذت لاحقا موقفا “معارضا” لبعض الحكومات التي قامت بعد الثورات ودعمت الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، قبل أن يرتفع المؤشر في 2014 إلى اعتبار الإخوان جماعة إرهابية ضمن كيانات أخرى.

وبعد مجيء الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز تبادل الطرفان إشارات إيجابية، من بينها تصريح لوزير الخارجية السابق سعود الفيصل قال فيه إنه لا مشكلة لديهم مع الإخوان وإنما مع فئة قليلة تنتمي لهذه الجماعة هي من في رقبتها بيعة للمرشد، ثم استقبلت المملكة لاحقا شخصيات إسلامية محسوبة على الإخوان، في مقدمتهم الشيخ القرضاوي وراشد الغنوشي وخالد مشعل.

هيئة كبار العلماء في السعودية تتحدث عن الإخوان المسلمين (ناشطون)

وضمن نفس السياق بدأت مستوى من التعاطي الإيجابي مع حزب الإصلاح النسخة اليمنية من الإخوان، غير أن كل تلك الاتصالات كانت استثناء منقطعا من المشهد السياسي الرسمي الغاضب على الإخوان.

الإخوان وهيئة العلماء
تمثل هيئة كبار العلماء اللسان الشرعي الرسمي في المملكة، وقد مثلت هذا الدور بكل دقة في تصنيفها للإخوان حيث كانوا في مرحلة أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق وأحرصها على تطبيقه وفق الترتيب التالي، وهم أهل الحديث وجماعة أنصار السنة ثم الإخوان المسلمون.

ومع رياح السياسة المتقلبة تجاه الإخوان عادت الهيئة من جديد لترى أن الجماعة ليست من أهل المناهج الصحيحة، ومنهجهم قائم على الخروج على الدولة”.

ثم رأت الهيئة مزيدا من عيوب الإخوان، إذ “ليس لهم عناية بالعقيدة ولا بالسنة، ومنهجهم قائم على الخروج على الدولة إن لم يكن في البدايات ففي النهايات” وفق البيان.

وبين كل تلك المراحل يبدو أن لكل من الطرفين بصمات قوية في مسار وتاريخ الطرف الآخر، ولا يزال مسار العلاقة مؤهلا لمتغيرات أخرى في منطقة تعيد كتابة تاريخها وفتاواها بشكل متناقض ومتسارع.

المصدر – قناة الجزيرة

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here