سعدون جبر 
إنها الذكرى الثالثة لأكبر نكبة مرت بالعراق في عصره الحديث، توازي نكبات صدّام. أعني دخول “داعش” إلى الموصل، وما تلاه من انهيار مذلّ للقوات العراقية، ومن تهديد جدي بسقوط بغداد بيد الإرهاب، ومن مجازر كبرى، أكبرها مجزرة سبايكر ومجزرة بادوش، وتهجير المسيحيين ومصادرة بيوتهم، وتشريد وقتل وأسر الشبك والشيعة واليزيديين.

كانت أياماً مظلمة حقاً، وكان ما يزيد الألم الممضّ مضاضة، تعالي أصوات الشامتين السعداء، من عراقيين منعدمي الضمير، حلموا بأن تعيد لهم “داعش” مجدهم الملطخ بالدماء، ومن عرب من المحيط إلى الخليج، بعضهم يعرف الحقيقة وهو فرح بها، وبعضهم لا يحتاج أن يعرف، يكفي أن تقول له “الجزيرة”، إن “الثوار” سيعيدون العراق إلى “الأمة”، وأن بغداد ستستعيد أمجاد هارون الرشيد وصدام حسين، حتى يطرب وينعق مع الناعقين.


كان الأمريكان يتفرجون، والعرب يشمتون، والترك يدعمون، وإسرائيل تراقب بفرح، وقادة الكرد، يتربصون الفرصة المواتية، لـ “رسم الحدود بالدم”. الجيش العراقي المنخور بالفساد والفوضى، لم يعد له وجود، وصار ضباطه يخلعون بزّاتهم العسكرية على الحدود بين العراق وكردستان العراق! وجنوده يتخفّون عن الأعين، ويمشون مئات الكيلومترات خائفين مهانين.


وبدأ عراقيو بغداد، ممن لديهم نفوذ ومال، بالاستعداد للنفاذ بجلودهم، بينما الملايين من الفقراء تائهون، وأيديهم على قلوبهم… حتى جاءت الكلمة المنقذة، الكلمة العظيمة، التي كانوا ينتظرونها ليعرفوا ما هم فاعلون.


نداءٌ ببضعة سطور من سيد النجف الجليل، وريث ألف عامٍ من المقاومة الصامتة الحكيمة لدواعش العصور المتعاقبة.


حينها هبّ الفقراء، من القرى النائية، ومن الأحياء العشوائية، ومن المدن البائسة المهملة، هبّ الفقراء، وغيروا وجه التاريخ.


بعد ثلاث سنوات لم تبق سوى جيوب صغيرة في مخالب داعش. استعاد جيش العراق كرامته، واستعاد العراق كرامته، واستعاد العراقيون كرامتهم، وهم الآن أقوى ألف مرة، وقد أيقظت النكبة عقول وقلوب معظم أبناء المدن التي احتلّها داعش، فأعادوا اكتشاف عراقيتهم، ووحدة مصيرهم مع مصير شركائهم في الوطن.


سيتذكر العراقيون ذلك النداء القدسيّ الذي جاء من دربونة ضيقة كأنها تخرج من أعماق التاريخ، وسيتذكرون هبـّة الفقراء العاصفة، التي قلبت الموازين وأعادت رسم الخرائط… فهكذا يصنع التاريخ، وهكذا تقاوم الشعوب .

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here